الوعي في مواجهة الشائعات

- الوعي هو الحصن الذي يحمي الأمم من الانجراف وراء الأكاذيب
- الشائعات لم تعد تُطلق بعشوائية بل تُدار وفق إستراتيجيات مدروسة وبتقنيات حديثة
- تزايد المحاولات المستمرة لضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته
- الخطر في التشكيك في الإنجازات الاقتصادية ونشر أخبار مضللة عن الأوضاع الداخلية
- جماعة الإخوان لم تكف يومًا عن استخدام سلاح الشائعات كأداة رئيسية في معاركها
- الجماعات المتطرفة لا تقدم حلولًا ولا تطرح رؤى للمستقبل بل كل ما تفعله هو نشر الفوضى
كثيرًا ما تأملت في طبيعة المجتمعات التي تنهض رغم التحديات، وتلك التي تتعثر في مواجهة أزماتها، فوجدت أن الفارق الحقيقي ليس في حجم الموارد، ولا في قوة الاقتصاد أو حتى في عدد السكان، بل في مستوى الوعي الجمعي لأفرادها.
فالوعي هو الحصن الذي يحمي الأمم من الانجراف وراء الأكاذيب، وهو الجدار الذي تتكسر عليه محاولات التشكيك والتضليل، وهو السلاح الأقوى في مواجهة حملات الهدم التي تستهدف استقرار الشعوب.
في عصرنا الحالي، لم تعد الشائعات مجرد كلمات عابرة تتناقلها الألسن في جلسات السمر، بل تحولت إلى أداة خطيرة تُستخدم لتدمير المجتمعات من الداخل.
لم يعد الهدف مجرد نشر أخبار زائفة، بل صناعة واقع موازٍ يُغرق العقول في دوامة من الشكوك، ويخلق حالة من الفوضى الذهنية، تجعل الجميع مترددًا في تصديق أي شيء، حتى لو كان حقيقة واضحة.
وما يزيد الأمر تعقيدًا هو أن هذه الشائعات لم تعد تُطلق بعشوائية، بل تُدار وفق إستراتيجيات مدروسة، وبتقنيات حديثة تستغل التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي، بحيث تصبح الأكذوبة أكثر انتشارًا من الحقيقة نفسها.
لقد أصبحت هذه الظاهرة واضحة للجميع، خاصة مع تزايد المحاولات المستمرة لضرب الثقة بين المواطن ومؤسساته، سواء من خلال التشكيك في الإنجازات الاقتصادية، أو نشر أخبار مضللة عن الأوضاع الداخلية، أو حتى استغلال الأزمات العالمية لبث الرعب وإضعاف المعنويات.
والأخطر من ذلك أن هذه الشائعات غالبًا ما تكون مغلفة بمسحة من المصداقية الزائفة، بحيث تبدو للوهلة الأولى كحقائق، لكنها في حقيقتها مجرد سموم فكرية تستهدف إضعاف الروح المعنوية، وخلق حالة من الإحباط العام.
توقفت طويلًا أمام محاولات الجماعات المتطرفة، وعلى رأسها جماعة الإخوان، التي لم تكف يومًا عن استخدام سلاح الشائعات كأداة رئيسية في معاركها الخاسرة.
هذه الجماعات تدرك جيدًا أنها فقدت قدرتها على التأثير المباشر، فلم يعد لها وجود حقيقي على الأرض، ولم تعد تمتلك أي دعم شعبي يُذكر، لكنها لا تزال تحاول أن تحافظ على بقائها الافتراضي من خلال الأكاذيب.
فهم يعتمدون على ترويج شائعات متجددة، تُعاد صياغتها بين الحين والآخر، حتى تبدو وكأنها حقائق جديدة، بينما هي في الأصل مجرد إعادة تدوير لكذب قديم لم يجد من يصدقه في المرة الأولى.
واللافت للنظر أن هذه المحاولات رغم تكرارها، فإنها تفشل في تحقيق أهدافها في كل مرة.
والسبب بسيط: الشعب المصري يمتلك وعيًا فطريًا جعله قادرًا على التفرقة بين الحقيقة والزيف.
ربما تنجح بعض الشائعات في إثارة القلق لحظيًا، لكن سرعان ما تتكشف الحقائق، وسرعان ما يعود الناس إلى رشدهم، ليجدوا أن ما قيل لم يكن سوى أوهام، وأن من يقفون وراء هذه الأكاذيب ليس لديهم أي مشروع وطني حقيقي، بل هم مجرد أدوات تسعى لهدم الاستقرار.
إن ما يعزز هذا الوعي ويجعله أكثر قوة هو إدراك الناس أن هذه الجماعات لا تقدم حلولًا، ولا تطرح رؤى للمستقبل، بل كل ما تفعله هو نشر الفوضى.
وحين يدرك الإنسان أن من يحاول خداعه لا يسعى إلا لتدميره، فإنه يتيقن أن أفضل رد هو الوعي، وأن أفضل طريقة لمواجهتهم ليست فقط في رفض تصديق أكاذيبهم، بل في التصدي لها وكشف زيفها أمام الجميع.
في تقديري الشخصي، فإن محاربة الشائعات ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي معركة يشترك فيها الجميع، من الإعلام، إلى المؤسسات التعليمية، إلى الأفراد أنفسهم.
لم يعد كافيًا أن يكون هناك من يرد على الشائعات بعد انتشارها، بل يجب أن تكون هناك إستراتيجية استباقية تعتمد على الشفافية، وتقديم المعلومات الحقيقية بسرعة، وبأسلوب واضح، حتى لا يكون هناك فراغ معلوماتي يمكن أن تملؤه الأكاذيب.
أدرك جيدًا أن البعض قد يقول إن مواجهة الشائعات أمر صعب، خاصة مع الانتشار السريع للمعلومات على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الحقيقة أن التصدي لها ليس مستحيلًا، بل يحتاج فقط إلى وعي مستمر، وإلى جهد جماعي، وإلى بناء ثقافة جديدة تجعل الناس أكثر قدرة على التحقق من صحة المعلومات قبل تصديقها أو مشاركتها.
وقد أفاد التقرير السنوي للمركز الإعلامي بعنوان "جهود مواجهة الشائعات على مدار عام ٢٠٢٤"، بأن قطاعي الاقتصاد والصحة الأكثر استهدافاً.. واستعرض التقرير ترتيب السنوات طبقًا لمعدل انتشار الشائعات، وفقًا لتوزيع نسبي لإجمالي الفترة، حيث بلغ 16.2% عام 2024، مقارنةً بـ 15.7% عام 2023، و13.9% عام 2022، و13.1% عام 2021، و12.4% عام2020، و10.8% عام 2019، و7% عام 2018، و5% عام 2017، و3.5% عام 2016، و1.6% عام 2015، و0.8% عام 2014.
وورد في التقرير الحديث عن تأثير الجهود التنموية والتداعيات السلبية للأزمات العالمية على معدل انتشار الشائعات في مصر خلال السنوات الخمس الأخيرة، مشيرًا إلى زيادة الشائعات نحو 3 أضعاف خلال الفترة (2020 – 2024) مقارنة بالفترة (2015-2019).
ورصد التقرير نسبة الشائعات المتعلقة بالتداعيات السلبية للأزمات العالمية من إجمالي الشائعات كل عام، حيث جاءت النسبة الأعلى عام 2024 مسجلة 54%، و53.8% في عام 2023، و46% في عام 2022، و18.3% في عام 2021، و51.8% في عام 2020.
أما عن نسبة الشائعات المتعلقة بالجهود التنموية من إجمالي الشائعات كل عام، فقد ذكر التقرير أنها سجلت 32.5% عام 2024، و28% عام 2023، و25.6% عام 2022، و20.3% عام 2021، و14.5% عام 2020.
واستعرض التقرير ترتيب القطاعات طبقًا لمعدل انتشار الشائعات خلال عام 2024، وجاءت النسبة الأكبر لكلٍ من الاقتصاد والصحة بـ 19.4%، ولكلٍ من التعليم والسياحة والآثار بـ 11.3%، فيما سجل قطاعا التموين والزراعة 9.7% لكلٍ منهما، والطاقة والوقود 4.8%، كما سجلت قطاعات الإسكان والأوقاف والقطاع الأمني 3.2% لكلٍ منها، بجانب بلوغ نسبة الشائعات المتعلقة بالإصلاح الإداري والحماية الاجتماعية والبيئة 1.6% لكل منها.
قد يكون من السهل أن نقول للناس "لا تصدقوا كل ما يُنشر"، لكن الأصعب هو أن نقدم لهم الأدوات التي تجعلهم قادرين على تحليل أي معلومة، وأن نساعدهم على اكتساب القدرة على التفكير النقدي، بحيث لا يكونون مجرد متلقين سلبيين، بل يصبحون أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على حماية أنفسهم من التضليل المتعمد.
في النهاية، لا بد أن ندرك أن المعركة ضد الشائعات لن تنتهي أبدًا، فطالما هناك من يسعى لنشر الفوضى، ستظل الأكاذيب موجودة، لكن الفارق الحقيقي سيكون في مدى قدرتنا على مواجهتها.
الوعي ليس رفاهية، وليس شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هو ضرورة يومية، وحماية حقيقية للمجتمع، وضمانة أساسية للحفاظ على استقرار أي دولة.
والحقيقة لا تنتصر وحدها، بل تحتاج دائمًا إلى من يحميها، ومن يدافع عنها، ومن ينشرها بقوة وثقة، في وجه كل من يحاول أن يعبث بمستقبل هذا الوطن.

- الزراعة
- سلاح
- شائعات
- ثقافة
- الوقود
- 2021
- الوعي
- اقتصاد
- صلاح
- الدول
- استقرار
- العالم
- 2020
- الاخوان
- اخبار خالد الطوخى
- جماعة الإخوان
- يوم
- درة
- مصر
- اخبار
- مقالات خالد الطوخى
- أسرة
- زراعة
- غرق
- اول
- مشروع
- ادا
- شخص
- خالد الطوخى
- فلم
- قرار
- اجتماع
- الصحة
- الداخلية
- الاقتصاد
- خالد الطوخى يكتب
- سلاح الشائعات
- رئيس
- عام 2021
- حملات
- تجدد
- عام ٢٠٢٤