الإعلام والدراما.. أدوات بناء الوعي وتعزيز الهوية الوطنية

- لم تعد الدراما مجرد وسيلة للترفيه أو الهروب من الواقع بل لها دور عميق في التأثير على العقول
- ما يُعرض على الشاشات وما يُكتب في الصحف وما يُبث عبر الإذاعات والمنصات جزء من البناء الداخلي للمواطن خصوصًا الأجيال الجديدة
- حين يتسم الإعلام بالاتزان والمهنية يصبح أداة لبناء الوعي ومصدراً للفهم الصحيح وعاملاً في تشكيل الرأي العام المستنير
- عندما تُقدَّم الدراما بمستوى فني وإنساني راقٍ وتتناول قضايا المجتمع بمسؤولية وصدق فإنها تصبح أداة فعالة لبناء وعي حقيقي
- إننا بحاجة إلى محتوى إعلامي ودرامي يعبّر عن حقيقة الإنسان المصري بطموحه ومشكلاته.. بأحلامه وهمومه
- بناء الإنسان لا يتم فقط عبر التعليم والصحة والاقتصاد وإنما أيضًا عبر الثقافة والإعلام والفن
- ما يُقدَّم على الشاشات لا يجب أن يكون فقط مادة للجذب والمشاهدة بل يجب أن يكون رسالة تحمل قيمة
في زمن يموج بالتغيرات، وتشتد فيه الحاجة إلى الثبات على القيم، تبرز أهمية الإعلام والدراما كأداتين رئيسيتين في تشكيل وعي المواطن، وبناء شخصية المجتمع، وتعزيز الهوية الوطنية.
لم يعد دور الإعلام يقتصر على نقل الخبر أو تغطية الحدث، كما لم تعد الدراما مجرد وسيلة للترفيه أو الهروب من الواقع. بل أصبح لكل منهما دور عميق في التأثير على العقول، وتوجيه السلوك، وخلق حالة من الانتماء والشعور بالهوية.
وقد استطاعت الدراما في أوقات كثيرة تحقيق توازن فريد بين المتعة والرسالة، فكانت هناك أعمال حفرت مكانتها في الذاكرة الجمعية، واستطاعت التأثير في القيم المجتمعية عبر شخصيات مؤثرة وأحداث صاغت الوعي الشعبي، أما في العقود الأخيرة انجرف بعض من الإنتاج الدرامي نحو محتوى استهلاكي يفتقر إلى العمق، ويركز على الإثارة والتشويق دون الالتفات إلى الأبعاد التربوية أو الثقافية، مما أفرز أعمالًا تُكرس أنماطًا سلوكية غير متزنة، وتبرر النزعات الفردية على حساب الروابط الاجتماعية والتماسك الأسري، وهذا التراجع في المضمون أدى إلى تنامي الشعور لدى الجمهور والمثقفين بالحاجة إلى دراما تعيد الاعتبار للمنظومة القيمة، وتسهم في بناء إنسان أكثر وعيًا ومسؤولية.
لقد مرّت مصر - كغيرها من الدول - بتحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية كبيرة في العقود الأخيرة، وكان الإعلام والدراما في القلب من هذه التحولات.
فما يُعرض على الشاشات، وما يُكتب في الصحف، وما يُبث عبر الإذاعات والمنصات، ليس مجرد محتوى عابر، بل هو جزء من البناء الداخلي للمواطن، خصوصًا الأجيال الجديدة التي أصبحت تتلقّى جزءًا كبيرًا من معلوماتها ومرجعياتها من هذه الوسائط.
إن الإعلام الحقيقي هو ذلك الذي يشرح للمواطن ما يحدث حوله بلغة بسيطة وموثوقة، يساعده على الفهم، ويوفّر له مساحة للتفكير والحُكم.
حين يتسم الإعلام بالاتزان والمهنية، يصبح أداة لبناء الوعي، ومصدراً للفهم الصحيح، وعاملاً في تشكيل الرأي العام المستنير.
أما حين ينحرف إلى الإثارة أو التهوين أو التهويل، فإن أثره يصبح سلبيًّا، ويؤدي إلى تشويش الصورة وفقدان الثقة.
الدراما كذلك ليست بعيدة عن هذا التأثير، بل ربما تكون أكثر تأثيرًا بحكم قدرتها على الوصول إلى مشاعر الناس، ودخولها إلى البيوت في صورة حكايات تمسّ القلب قبل العقل.
حين تُقدَّم الدراما بمستوى فني وإنساني راقٍ، وتتناول قضايا المجتمع بمسؤولية وصدق، فإنها تصبح أداة فعالة لبناء وعي حقيقي، ولغرس القيم، وتصحيح المفاهيم المغلوطة.
الدراما الهادفة تستطيع أن تعيد تقديم صورة المواطن المصري بكل ما يحمله من قوة وشهامة ووعي، وتُبرز الجوانب الإيجابية في شخصيته، وتُظهر قدرته على الصمود والتحدي والإبداع.
إننا بحاجة إلى محتوى إعلامي ودرامي يعبّر عن حقيقة الإنسان المصري، بطموحه ومشكلاته، بأحلامه وهمومه، بقيمه الأصيلة وتحدياته المعاصرة.
إعلام ودراما يعكسان الواقع دون تجميل مُصطنع، ويكشفان القبح دون تهويل، ويرسمان ملامح الغد دون شعارات فارغة.
ولا يمكن إغفال التحديات الكبرى التي تواجه الإعلام والدراما اليوم، من سرعة تداول المعلومات، وانتشار الشائعات، وتعدد المنصات، وتراجع بعض القيم المهنية، إلى جانب التأثيرات الاقتصادية وضغوط السوق.
وهي تحديات لا بد من مواجهتها برؤية واضحة، تقوم على تطوير المحتوى، وتأهيل الكوادر، وتوفير المساحة اللازمة للإبداع الحقيقي.
كما أن المنافسة الشرسة مع المنصات العالمية تجعل من الضروري أن نُنتج إعلامًا ودراما تليق باسم مصر وتاريخها، وتنافس بقوة في سرد الحكاية المصرية من منظور وطني وإنساني.
نحن بحاجة إلى خطاب جديد، إعلامي ودرامي، يُخاطب العقل قبل العاطفة، ويضع الإنسان المصري في مقدمة أولوياته، ويقدّم له المعلومة والرؤية والأمل.
التوجيهات الرئاسية الأخيرة التي دعت إلى تطوير الإعلام والدراما، لم تأتِ من فراغ، بل تعكس إدراك الدولة أهمية هذين المجالين في معركة الوعي التي تخوضها الأمة.
فبناء الإنسان لا يتم فقط عبر التعليم والصحة والاقتصاد، وإنما أيضًا عبر الثقافة والإعلام والفن، التي تُعد بمثابة الرئة التي يتنفس منها المجتمع، والعين التي يرى بها نفسه والعالم من حوله.
لقد آن الأوان لأن نعيد النظر في كثير من تفاصيل المشهد الإعلامي والدرامي، وأن نُدرك أن ما يُقدَّم على الشاشات لا يجب أن يكون فقط مادة للجذب والمشاهدة، بل يجب أن يكون رسالة تحمل قيمة، وموقفًا يحمل مسؤولية، ورؤية تهدف إلى البناء لا الهدم.
إن الإعلام والدراما، إذا ما تم توجيههما بشكل واعٍ ومدروس، يمكن أن يكونا من أقوى أدوات بناء الإنسان المصري الجديد، الإنسان الواعي، المتصالح مع هويته، المنفتح على العالم، القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، والمستعد للمشاركة الفعّالة في بناء وطنه.
علينا أن نُراهن على وعي هذا الشعب، وعلى قدرته في التمييز، وعلى حُبّه لوطنه، ولكننا في المقابل نحتاج إلى محتوى يحترم هذا الوعي، ويُقدّر هذا الحب، ويكون في مستوى هذا الطموح.
في الختام، تبقى الكلمة والصورة مسؤوليتين كبيرتين، وهما في يد الإعلاميين والفنانين والمبدعين.
وما نكتبه اليوم، وما نُنتجه، سيبقى في ذاكرة هذا الشعب، وسيكون شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخه.
فلنحرص على أن يكون هذا الشاهد نزيهًا، مُضيئًا، ومعبرًا عن حقيقتنا كما يجب أن تكون.
