حين تتحول الأرقام إلى كرامة إنسانية
- ما وراء الإحصاءات: كيف تعيد حقوق ذوي الإعاقة تعريف معنى العدالة
- من الشفقة إلى المواطنة الكاملة: تحول هادئ في ملف ذوي الإعاقة
- الدولة التي ترى الإنسان.. قراءة في فلسفة الحقوق قبل الإنجازات
- العدالة المنصفة لا المتطابقة جوهر تمكين ذوي الإعاقة
- حين يتراجع الإقصاء الصامت ويتقدم منطق الدمج
- التنوع قوة خفية تصنع مجتمعًا أكثر عدلًا
- هل نحصي المواطنين أم نحتضنهم؟.. سؤال المستقبل الإنساني للدول
الحديث عن قوة الدول لا يجب أن يبدأ من حجم ما تملكه، ولا من عدد ما تنفذه من مشروعات، ولا حتى من ترتيبها في مؤشرات الاقتصاد، وإنما يبدأ من موقع الإنسان داخل هذه الدولة.
الإنسان بوصفه قيمة، لا رقمًا، وغاية، لا وسيلة. وتوقفت طويلًا أمام ما تحقق في ملف حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، لا لأن الأرقام لافتة فقط، بل لأن خلف هذه الأرقام حكايات بشرية طال انتظارها للاعتراف والإنصاف.
اللافت للنظر أن هذا الملف، الذي ظل لعقود طويلة محاطًا بنوع من الصمت أو المعالجة الجزئية، بدأ يشهد تحوّلًا واضحًا في طريقة التفكير.
لم يعد التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة قائمًا على منطق الرعاية المؤقتة أو الشفقة العابرة، بل أصبح هناك إدراك متزايد بأننا نتحدث عن حقوق أصيلة، وعن مواطنين كاملي الأهلية، لهم ما لغيرهم، وعليهم ما عليهم، دون استثناء أو تمييز.
في تقديري الشخصي، فإن أخطر ما واجه الأشخاص ذوي الإعاقة عبر سنوات طويلة لم يكن الإعاقة نفسها، بل الإقصاء غير المعلن.
ذلك الإقصاء الذي يتسلل في التفاصيل الصغيرة: في مدرسة غير مهيأة، في وظيفة مغلقة الأبواب، في شارع لا يراعي الفروق، وفي خطاب اجتماعي يتعامل معهم بوصفهم "حالة" لا "شخصًا".
اليوم، يبدو أن هناك محاولة جادة لكسر هذا النمط، والانتقال من منطق العزل إلى منطق الدمج، ومن فكرة الاستثناء إلى فكرة القاعدة.
حين نتأمل الأرقام المتعلقة بالتعليم، وبنسب الدمج، وبفرص العمل، وبالخدمات المقدمة، يجب ألا نقف عند ظاهرها.
كل رقم هنا يعني قصة إنسان كان على الهامش، ثم اقترب خطوة من قلب المجتمع.
يعني طالبًا وجد مقعدًا يناسبه، أو شابًا حصل على فرصة عمل دون أن يُنظر إلى إعاقته قبل كفاءته، أو أسرة شعرت بأن الدولة تراها وتسمعها.
ما يشغلني في هذا السياق ليس فقط حجم الإنجاز، بل التحول في الفلسفة.
نحن أمام انتقال من مفهوم "نساعدهم" إلى مفهوم "نضمن حقوقهم".
هذا التحول ليس بسيطًا، لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن، ويؤسس لفكرة أن العدالة لا تعني المعاملة المتطابقة، بل المعاملة المنصفة.
أن يحصل كل فرد على ما يحتاجه ليكون قادرًا على الحياة والمشاركة بكرامة.
ولا يمكن إنكار الدور الذي لعبته التشريعات في هذا التحول.
تشريعات حاولت أن تضع إطارًا قانونيًا واضحًا يحمي الأشخاص ذوي الإعاقة من التمييز، ويفرض التزامات حقيقية على مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، ويعيد تنظيم مفهوم الإتاحة في التعليم والعمل والخدمات.
لكن، وكما هو الحال دائمًا، تظل القوانين خطوة أولى، بينما يبقى الرهان الحقيقي على التطبيق والمتابعة والمحاسبة.
أخشى دائمًا من تلك المسافة التي قد تنشأ بين النص والواقع.
فكم من قانون عادل فقد أثره بسبب ضعف التنفيذ، وكم من نية صادقة تعثرت بسبب غياب الوعي المجتمعي.
تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لا يمكن أن يكون مسؤولية الدولة وحدها، بل هو مسؤولية مجتمع كامل، يبدأ من الأسرة، ويمر بالمدرسة، وينتهي بثقافة عامة تؤمن بأن الاختلاف جزء أصيل من الطبيعة البشرية.
اللافت للنظر أن دمج الأشخاص ذوي الإعاقة لا يعود بالنفع عليهم فقط، بل ينعكس على المجتمع بأسره.
مجتمع يفتح المجال لكل طاقاته هو مجتمع أكثر توازنًا وإنصافًا.
كل تجربة دمج ناجحة تُثبت أن التنوع ليس عبئًا، بل مصدر قوة.
وأن الإقصاء، مهما كانت مبرراته، هو خسارة جماعية لا فردية.
توقفت طويلًا أمام قصص النجاح التي بدأت تظهر بهدوء، دون ضجيج. قصص لأشخاص لم يطلبوا امتيازات خاصة، بل طالبوا بفرصة عادلة.
وحين أُتيحت لهم هذه الفرصة، أثبتوا أن الإعاقة لم تكن يومًا عائقًا أمام الإبداع أو الإنتاج، بل كان العائق الحقيقي هو غياب البيئة الداعمة.
هذه القصص، في جوهرها، ليست استثناءات، بل دلائل على ما يمكن أن يحدث حين تتغير السياسات وتتغير العقليات معًا.
لكن، ورغم هذا التقدم، لا يمكن الادعاء بأن الطريق قد اكتمل.
ما زالت هناك تحديات حقيقية، بعضها مرتبط بالبنية التحتية، وبعضها مرتبط بثقافة المجتمع، وبعضها الآخر مرتبط بآليات التنفيذ.
التمكين الحقيقي لا يقاس بعدد المبادرات، بل بقدرتها على الاستمرار، وعلى الوصول إلى كل من يحتاجها، دون استثناء.
لذا يمكنني القول إن ما تحقق في ملف حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة يمثل خطوة مهمة في مسار طويل، لكنه ليس نهاية الطريق.
هو بداية لمرحلة تتطلب يقظة دائمة، ومراجعة مستمرة، وإرادة لا تتراجع.
مرحلة يكون فيها الإنسان هو المعيار، والكرامة هي الهدف، والعدالة هي البوصلة.
في النهاية، يظل السؤال الأهم: هل نريد دولة تُحصي مواطنيها، أم دولة تحتضنهم؟ هل نكتفي بالأرقام، أم نبحث عما وراء الأرقام؟ في تقديري، فإن الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل المستقبل.
مستقبل لا يُقاس بما نعلنه من إنجازات، بل بما يشعر به الإنسان حين ينظر حوله ويجد نفسه مرئيًا، مسموعًا، ومشاركًا في وطن لا يترك أحدًا خلفه.




