بلاغ للنائب العام ضد «قاع الهامور».. هل تحولت السخرية إلى جريمة إلكترونية؟
تقدم المحامي بالنقض والدستورية العليا أشرف ناجي الجندي ببلاغ إلى النائب العام، قيد برقم 1900164 لسنة 2026 عرائض النائب العام، طالب فيه بفحص محتوى إلكتروني واسع الانتشار يحمل اسم قاع الهامور، وما يرتبط به من صفحات وحسابات ومجموعات إلكترونية.
وبحسب مقدم البلاغ، فإن الشكوى لا تستهدف السخرية أو الكوميديا باعتبارهما من صور التعبير، وإنما تطالب بالتحقق مما إذا كانت بعض الممارسات المرتبطة بهذا المحتوى قد تجاوزت إطار المحاكاة الساخرة إلى أفعال مستقلة قد تشكل جرائم يعاقب عليها القانون.
من النكتة إلى مجتمع افتراضي يحاكي مؤسسات الدولة
وأثار البلاغ ظاهرة استخدام أسماء ومسميات تحاكي مؤسسات وجهات رسمية، من بينها مركز شرطة قاع الهامور، ووزارة الداخلية، ومحكمة نقض الهامور، ومحكمة قاع الهامور، إلى جانب مسميات أخرى مثل شكاوى وانتخابات وخدمات وعقارات.
وجاء في البلاغ أن استخدام تلك المسميات قد يندرج في إطار السخرية التي لا تشكل جريمة في حد ذاتها، إلا أن الأمر يستوجب الفحص إذا اقترن بممارسات أخرى، مثل إيهام الجمهور بوجود جهة رسمية، أو تقديم خدمات باسمها، أو جمع بيانات أو أموال، أو نشر أخبار باعتبارها حقائق أو بيانات رسمية، أو استخدام الحسابات الإلكترونية في ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جرائم أخرى.
وهنا يبرز السؤال القانوني الأهم: متى تنتهي السخرية المشروعة وتبدأ المسؤولية الجنائية؟
واستند البلاغ إلى قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، وبصفة خاصة المادة 27 منه، التي تتناول إنشاء أو إدارة أو استخدام موقع أو حساب على شبكة معلوماتية بقصد ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة معاقب عليها قانونًا.
وبالتالي، فإن محل الفحص ليس مجرد وجود صفحة ساخرة، وإنما مدى استخدام تلك الصفحات أو الحسابات في ارتكاب أفعال أخرى قد تشكل جرائم وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات.
متى تتحول النكتة إلى جريمة؟
وتطرح الشكوى كذلك احتمال انطباق نصوص قانون العقوبات حال توافر أركان جرائم أخرى، من بينها نشر أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة بسوء قصد، متى توافرت الشروط والنتائج التي يتطلبها القانون.
فالفارق كبير بين منشور ساخر أو رأي أو نقد، وبين محتوى يتضمن معلومات مختلقة يتم تقديمها للجمهور على أنها حقائق، مع توافر القصد والظروف التي تستوجب المساءلة الجنائية.
حسابات ساخرة أم وسيلة لارتكاب جرائم؟
ويركز البلاغ على أن العبرة لا تكون بالاسم الذي يحمله الحساب أو الصفحة، وإنما بطبيعة النشاط الفعلي الذي يمارس من خلالها.
وطالب مقدم البلاغ بالتحقق، على سبيل المثال، من مدى وجود ممارسات تتمثل في نشر أخبار كاذبة بسوء قصد، أو إيهام المواطنين بأن الصفحة تمثل جهة رسمية، أو استخدام أسماء وصفات رسمية لإحداث اللبس، أو جمع بيانات شخصية، أو تلقي أموال واشتراكات تحت مسميات توحي بصفة رسمية، أو ارتكاب أفعال تهديد أو ابتزاز أو تحريض، أو إنشاء حسابات بقصد ارتكاب جرائم أخرى.
كما طالب بكشف ما إذا كانت هناك روابط أو إدارة مشتركة بين عدد من الحسابات قد تكشف عن نشاط منظم.
المادة 184 من قانون العقوبات.. وقيد إجرائي مهم
وتناول البلاغ كذلك احتمال انطباق المادة 184 من قانون العقوبات، حال كشف الفحص عن عبارات تشكل إهانة أو سبًا لهيئة أو سلطة أو مصلحة عامة، مع مراعاة القيود والإجراءات التي حددها القانون.
وأشار مقدم البلاغ إلى المادة 9 من قانون الإجراءات الجنائية، وما تضمنته من قيد بشأن اتخاذ الإجراءات في الجرائم المنصوص عليها بالمادة 184 عقوبات، فضلًا عما استقر عليه قضاء محكمة النقض بشأن الطلب الكتابي من الجهة المختصة.
وبذلك، لم يتعامل البلاغ مع النص باعتباره قابلًا للتطبيق لمجرد تقديم شكوى، وإنما طالب بفحص الوقائع وتحديد التكييف القانوني الصحيح لها واتخاذ الإجراءات التي يوجبها القانون حال توافر شروطها.
وأكد البلاغ أهمية التفرقة بين السخرية باعتبارها صورة من صور التعبير، وبين استخدام السخرية أو الصفحات الافتراضية كغطاء لارتكاب أفعال مجرمة.
فالمطلوب، ليس تجريم النكتة أو مصادرة الكوميديا أو معاقبة شخص لمجرد انتقاده مسؤولًا أو مؤسسة، كما لا ينبغي في المقابل أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة للإفلات من المسؤولية القانونية حال توافر أركان جريمة.
وطالب مقدم البلاغ بإجراء فحص فني للمحتوى والحسابات والصفحات المرتبطة به، وإثبات الحالة الفنية للمنشورات، وتحديد القائمين على إدارتها، وبيان مدى وجود روابط أو إدارة مشتركة أو معاملات مالية أو عمليات لجمع البيانات، إلى جانب الكشف عن أي نشاط آخر قد تكون له دلالة جنائية.
وتكتسب المطالب أهمية في ظل طبيعة الأدلة الرقمية التي يمكن تعديلها أو حذفها أو تغيير أسماء الحسابات ومديري الصفحات خلال فترة قصيرة.
ومن النقاط التي ركز عليها البلاغ أن المسؤولية الجنائية يجب أن تحدد بشكل فردي، وفقًا لما تسفر عنه التحقيقات، دون افتراض مسؤولية كل من شارك أو أعاد نشر محتوى ساخر.
فمستخدم الحساب ليس بالضرورة مديرًا للصفحة، ومن يعيد نشر منشور ليس بالضرورة منشئًا للمحتوى، كما أن إدارة حساب ساخر لا تعني بذاتها ارتكاب جريمة.
لكن حال ثبوت إنشاء أو إدارة أو استخدام حساب بقصد ارتكاب أو تسهيل ارتكاب جريمة، فإن الأمر يصبح محل بحث قانوني وفقًا للنصوص واجبة التطبيق.
السؤال أمام النيابة: ماذا يحدث خلف الشاشة؟
ويضع البلاغ أمام جهات التحقيق مجموعة من التساؤلات، أبرزها: هل المحتوى محل الفحص مجرد سخرية؟ أم أن هناك جرائم ارتكبت تحت غطاء السخرية؟ وهل تضمنت بعض المنشورات أخبارًا أو بيانات كاذبة بسوء قصد؟ وهل استُخدمت حسابات إلكترونية في انتحال صفات أو جهات رسمية؟ وهل جرى جمع بيانات أو أموال من المواطنين؟ وهل توجد أفعال منظمة أو مساهمات جنائية بين عدد من الحسابات؟