الخميس 27 فبراير 2025
الشورى
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى
الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة

ذكريات رمضان.. نوافذ مفتوحة على الزمن الجميل

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- شهر الذكريات والروحانيات واللحظات الخالدة

- مدفع الإفطار.. صوت يبعث الفرحة في نفوس الكبار والصغار

- ليالي  رمضان.. لحظات مباركة تعيد للقلوب صفاءها

- فوانيس رمضان.. نور يضيء الشوارع والقلوب معا

- موائد رمضان.. تجمع العائلة و"موائد الرحمن" تعكس التكافل الاجتماعي  بين الناس 

- الشهر الكريم فرصة لتجديد الروح وإحياء القيم الإنسانية 

 مازلت كل عام، أنتظر شهر رمضان بكل شغف، ذلك الشهر الذي يحمل في طياته نفحات روحانية عظيمة، حيث تتجدد العزيمة وتتجلى الروحانية، وتزداد صلة التراحم والتعاطف بين أفراد المجتمع، ليس فقط لأنه شهر الصيام، بل لأنه شهر العبادة والرحمة والمغفرة، فيه تطهر النفوس وتغتسل القلوب من كل شائبة، ليعيدنا هذا الشهر الكريم إلى أيام مضت، مليئة بالذكريات العظيمة التي تنبض فيها الروح بالإيمان، فرمضان هو شهر التحولات الروحية، الذي تكتسب فيه الأوقات قيمة خاصة، ويتبدل فيه روتين الحياة اليومية، يصبح الليل نهارًا والنهار ليلًا، فكل لحظة تحمل فيها عبق الطمأنينة والصلاة، وعندما يطُل هلاله، تعود الذاكرة إلى  أروع اللحظات وأعذب الأوقات التي نقضيها في هذا الشهر المبارك.

شهر رمضان من أفضل اللحظات الاستثنائية التي  نقضيها مع الله، وتفتح أمامنا أبواب الرحمات والمغفرة،في رمضان تزداد الأوقات تقديسًا عندما نشعر بمناجاة الله، فتسمو الروح إلى  السماء، وتزداد خيرات الأرض، وتكثر الطاعات في هذا الشهر المبارك، من الصلوات والتراويح، والقرآن الذي تلهج به الألسنة، إلى  الاستغفار والدعاء الذي يملأ الأوقات، ولهذا، يظل رمضان شهرًا فريدًا في حياة المسلمين، فهو شهر العبادات الذي تتقوى  فيه الروح وتزداد صلة العبد بربه، وفي هذا الشهر الكريم، لا تقتصر العبادة على الصيام فقط، بل تصبح الحياة كلها عبادة، فيتبع المسلم نهجًا إيمانيًا ينعكس في سلوكه اليومي، ويشعر فيه بارتباط عميق مع نفسه ومع محيطه، والأهم من كل ذلك، هو مشاعر التراحم والمشاركة التي تسود بين أفراد الأسرة والمجتمع، حيث يزداد الإحساس بالوحدة الإسلامية والعلاقات الاجتماعية التي تتوطد بشكل أكبر، ففي رمضان، تتبدل القلوب وتتجدد فيها النية الخالصة لله تعالى ، ويصبح هذا الشهر فرصة عظيمة لمراجعة النفس وتعزيز الروحانية.

وحينما أتحدث عن رمضان، فإن الذكريات التي ترتبط به تفيض بالحب والسكينة، فلازلت أتذكر الطقوس القديمة التي كنا نعيشها في طفولتنا، تلك الأيام التي كان يفوح فيها عبق الطعام المُعد بيد الأمهات، تلك اللحظات التي نقضيها مع الأهل على  موائد الإفطار والسحور، التي تحمل في طياتها الحب والدفء العائلي، وكأن رمضان هو بمثابة لمّ الشمل، تلك الأوقات التي تلتقي فيها القلوب والعقول على  طاولة واحدة، ففي أيام رمضان، كان صوت"النقشبندي" و"المنشدين" يملأ المساجد في الساعات الأخيرة من الليل، فتعزف ألحان الأناشيد الروحانية مثل"مولاي إني ببابك" و"الله الله" في قلوبنا وتُحيي أرواحنا، هذه النغمات التي لا يضاهيها شيء، تبقى عالقة في الذهن، وتظل تعزف في أذهاننا ما حيينا، ومع اقتراب موعد الإفطار، يصبح صوت أذان المغرب جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة رمضان، وكان ولا يزال صوت الشيخ محمد رفعت يظل في الذاكرة، صوتٌ عذب يُدغدغ القلوب ويُعيدها إلى  أجواء روحية مليئة بالسلام والطمأنينة، ولا يقتصر الأمر على  سماع الأذان فقط، بل يرافقه شعورٌ رائع في اللحظات الأخيرة قبل الإفطار، حيث تتهيأ الأرواح لاحتضان تلك اللحظة الخاصة من اليوم، التي تُسجل في ذاكرة الجميع كأحد أروع لحظات رمضان.

وكلما اقترب رمضان، تزداد الذكريات قوة في ذهني ، أتذكر كيف كنا نترقب قدوم الشهر بكل شوق، وكم كانت أجواؤه المميزة تبعث فينا السكينة والراحة النفسية، ولم يكن رمضان مجرد فترة لتأدية الفرائض، بل كان بمثابة زهرات روحانية مزدهرة تتفتح بين أفراد الأسرة والمجتمع، حيث تكثُر فيه الأعمال الخيرية، وتُحسن العلاقات الاجتماعية بين الناس، وكانت الفوانيس الصغيرة، وأصوات المؤذنين في المساجد، والضحكات التي تملأ المنازل مع جلسات السحور، جزءًا لا يتجزأ من الذكريات الرمضانية التي تحمل في طياتها معاني الحب والعطاء، ويتجلى  العطاء في شهر رمضان بشكل خاص، وتترسخ فيه القيم النبيلة التي يجب أن نتحلى  بها طيلة حياتنا، فكلما اقتربنا من اللحظات الرمضانية، نجد أنفسنا أكثر انفتاحًا على  من حولنا، ومبادرين لتقديم يد العون والمساعدة للآخرين،سواء كان ذلك من خلال التبرعات أو المساعدة في تجهيز الإفطار للأسر المحتاجة، أو من خلال تقديم الدعم النفسي والمعنوي للأشخاص الذين يعانون، فشهر رمضان لا يقتصر على  العمل الفردي، بل يخلق نوعًا من التضامن المجتمعي والإنساني، فهو شهر العطاء المطلق الذي لا يتوقف، وفيه تظهر أسمى  صور المساعدة والمشاركة في مختلف أوجه الحياة.

وعندما نعود بالذاكرة إلى  تلك الأيام الحلوة والزمن الجميل، حيث كانت الأجواء الرمضانية تنبض بالسحر والروحانية في كل تفاصيلها، فمن بين تلك الذكريات العميقة، يظل "مدفع رمضان" أحد أروع الرموز التي لاتزال تذكرنا برمضان الماضي وأيامه الخالدة، ورغم التطور التكنولوجي واستخدام الهواتف المحمولة ووسائل الإعلام الحديثة التي تجعلنا نعرف وقت أذان المغرب بدقة متناهية، فإن فرحة سماع صوت المدفع كانت لا تُضاهى ،كان ذلك الصوت يشق الصمت، ليحمل معه أنغام الفرح والأمل، مع دقات المدفع، كانت البيوت تعج بالزغاريد والتهاني، وكان الأطفال يركضون في الشوارع حاملين الفوانيس مهللين فرحًا، كان المدفع بمثابة إشعار رسمي لموعد الإفطار، لكن الأهم من ذلك كان تأثيره الكبير على  القلوب التي طالما كانت تنتظر هذه اللحظة بكل شغف،كان المدفع في تلك الأيام جزءاً من الذاكرة الجماعية، رمزاً للترابط والتماسك الاجتماعي، حيث كانت العائلات تجتمع على  مائدة الإفطار في لحظات لا تنسى  من الألفة والمحبة، وكأن صوت المدفع كان بمثابة دعوة لجميع القلوب بأن تتوقف لحظة من الزمن، لتشعر بالسلام الداخلي وتجد لذة الإيمان في تلك اللحظات البسيطة.

ويظل شهر رمضان شهر تجديد الروح وتطهير القلوب،ومناسبة عظيمة نسترجع فيها الذكريات الجميلة، ونتعهد فيها بتقوية روابطنا بالله، ومع من حولنا، فهو شهر العبادة، وشهر العطاء، شهر الذكريات التي تعيش في القلب والروح، وبذلك يبقى  رمضان في قلوبنا هو الشهر الذي ننتظره، لأنه يعيد إلينا أجمل وأسمى  لحظات العمر، فليتنا نتخذ من أيام وليالي شهر رمضان فرصة للاقتراب من بعضنا البعض، لننعم بفرصة لا تقدر بثمن للتواصل الحقيقي والصادق، فرمضان هو الشهر الذي يأتي ليذكرنا بأسمى  القيم الإنسانية، من تسامح، ومحبة،وتعاون، وتجديد للروح. لعلّ هذه الأيام تكون دافعًا لنا لإعادة اكتشاف الأجواء الروحانية التي كانت تميزنا عن غيرنا من الشعوب، تلك اللحظات التي كنا نجد فيها أنفسنا أكثر قربًا من الله ومن بعضنا البعض. كانت تلك الأوقات حافلة بتجارب مشتركة على  مائدة الإفطار،ولحظات من التأمل والذكر، وزيارات بين الأهل والجيران التي كانت تزيد من أواصر المحبة والمودة. في تلك الأوقات،كان الخير يعم الجميع، فكل واحد منا كان يشارك الآخرين،ليس فقط في الطعام والشراب، ولكن في مشاعر المحبة والدعم والعطاء، لكن اليوم، ومع تحديات الحياة الحديثة،قد ينسى  البعض هذه اللحظات، ولكن ليتنا نعيد إحياءها،ليتنا نستعيد بساطة الروح التي كانت تسكن في قلوبنا في رمضان، ونعيد تقوية علاقاتنا الاجتماعية والإنسانية، لنحاول أن نضع رمضان في صدارة حياتنا الآن، وأن نجعل من تلك الأجواء الروحية العميقة قاعدة أساسية نبني عليها قلوبنا وعلاقاتنا، ليس فقط في رمضان، بل في كل أيام السنة.

الصفحة السابعة من العدد رقم 402 الصادربتاريخ 27 فبراير 2025

 

 

تم نسخ الرابط