2026.. بداية صفحة جديدة للسلام مع النفس وإعادة ترتيب الأولويات

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- العلاقات الإنسانية الراقية "عنوان" المرحلة المقبلة 

- الزمن لا يعود إلى الوراء لكن يمنحنا دائما فرصا جديدة

- العام الجديد لا يصنع المعجزات لكنه مساحة صادقة لإعادة التوازن

- الأمنيات الحقيقية لا تخيب بل تحتاج إلى قلب يؤمن بها

- الحب والخير "قيم نبيلة" تحصِّن المجتمع وتوحد فئاته

مع كل نهاية عام، وبداية عام جديد، أجدني أمام لحظة تأمل لا أستطيع تجاهلها، كأن الوقت يمهلني لالتقاط أنفاسي، ومراجعة ما مضى بهدوء لا يخلو من الصدق، ليس مجرد وداع تقليدي لسنة تمضي، بل وقفة داخلية أراجع فيها ما عشته، ما خسرته، وما تعلمته، بين ازدحام الأيام، هناك دائما تلك اللحظة الصامتة التي تهمس لي: هل كنت حقيقيا مع نفسك؟ هل مضيت حيث يجب، أم فقط حيث تدفقت الحياة؟ العام الجديد لا يعني لي صفحة بيضاء، بل فرصة لأكون أكثر قربا من ذاتي.

في هذه اللحظة تحديدا، وأنا أطل من نافذة روحي على العام الجديد، أشعر بأن هناك شيئا بداخلي يعيد ترتيب نفسه، تتسلل إلىّ أسئلة بعينها: ماذا ترك العام الراحل بداخلي؟ وما الذي أتمنى أن ألقاه في القادم من الأيام؟ لا أملك إجابات حاسمة دائما، لكنني أملك صدق المحاولة، وجرأة النظر في مرآة الحياة دون مواربة، العام الماضي لم يكن سهلا، ككل الأعوام، حمل في طياته نجاحات مفاجئة، دروسا مؤجلة ونضجا جاء متأخرًا، لكنه، كعادته، مر وترك وراءه ما يكفي من التجارب كي لا نعود كما كنا، ومع ذلك، أنا لا أحمل نحوه أي ضيق بل أحتضنه بوداعة من يودع صديقا علمه شيئا مهما، حتى لو عن طريق الألم. 

في المقابل، لا أستقبل العام الجديد كصفحة بيضاء فقط، بل كورقة مكتوب عليها عنوان بخط عريض: "فرصة جديدة للبدء من حيث توقفت، ولكن بوعي مختلف.

 فالعام الجديد لا يصنع المعجزات، لكننا من نصنع المعنى فيه، هو لا يأتي بمفتاح سحري لتغيير مصائرنا، لكنه يمنحنا ترخيصًا ناعمًا لبداية جديدة، لنُخفف عن أرواحنا ما أثقلها، ولنعيد ترتيب نوايانا، وأولوياتنا، وطريقة نظرنا للأشياء.

أقر بأنني لم أحقق كل ما أردته في العام الماضي، لكنني تعلمت احترام الرحلة أكثر من الوصول، وتعلمت أن بعض الأحلام تحتاج فقط إلى قليل من الصبر، والكثير من الإيمان بالنفس، أما الآن، فأنا لا أضع قائمة طويلة بالأمنيات، ولا أرهق نفسي بالأهداف الضخمة، أريد فقط أن أكون أكثر لطفا مع ذاتي، أن أُصادق الوقت بدلا من الجري خلفه، أن أسمح للأشياء بأن تأتي في توقيتها، لا في استعجالي لها، أمنياتي هذا العام بسيطة لكنها ثمينة: أن أحافظ على صحتي، أن أحتفظ بمن أحب، أن أكون أكثر حضورا في حياتي لا مراقبا لها.

أدعو للسلام، لا على مستوى العالم فقط، بل في قلوبنا أولا، أن تشفى العلاقات المتعبة، وتعود الأرواح التي ضلت طريقها، وترمم الثقة التي تصدعت بفعل التجارب، وأثق تمامًا أن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا مع بداية العام، هو الصفح، أن نغفر لمن خذلونا، وأن نغفر لأنفسنا على ما فرطنا فيه من فرص أو وقت أو مشاعر، لأننا ببساطة نستحق بداية جديدة، بخفة قلب لا تُرهقها الحقائب الثقيلة للذكريات.

في العام الجديد، لا أطلب المعجزات، فقط أرجو أن أكون مستعدا لكل ما سيأتي، أن أُحسن استقبال الفرح إن طرق بابي، وأن أُحسن الصبر إن تعثرت الأمور، أن أتعلم كيف أكون حقيقيا، في زمن يمجد الأقنعة، وأن أختار الحياة، رغم كل ما فيها.

ولعل ما أدركته أن الجري خلف الوقت لا يكسبنا شيئا، بل يستنزف أرواحنا تعلمت أن أهدأ، أن أُبطئ الإيقاع عمدا، أن أستمتع بتفاصيل صغيرة ربما بدت تافهة يوما ما، لكنها الآن صارت ملاذا حقيقيا، فنجان قهوة في الصباح، مكالمة دافئة مع صديق، أو حتى لحظة صمت بصحبة النفس، أمنية صغيرة نابعة من القلب قد تكون أعمق من قائمة طويلة لا تعنيك.. حقا أمنيتي هذا العام أن أكون أكثر اتزانا، أن أعيش بتلقائية، وأن أتقبل أن الطريق لا يجب أن يكون مثاليا كي يكون حقيقيا، وبين ما نريده وما نحتاجه، بين من نحن فعلا ومن نحاول أن نكون، أتمنى أن نتصالح مع هذا التفاوت، وأن نفهم أن النمو لا يعني دائما إنجازات صاخبة، بل أحيانا يعني مجرد تجاوز يوم صعب بابتسامة هادئة.

وكل عام يمضي يحمل بين طياته درسا عن قيمة الأشخاص، عمن يستحق البقاء، ومن كان عابرا بحكمة، هذا العام، أتمنى أن نُبقي في حياتنا من يضيفون الضوء، لا من يطفئونه، وأن نمنح أنفسنا شجاعة البعد عما يؤذينا، حتى لو بدا مألوفا، النهاية لا تعني الفشل، والبداية لا تعني النقاء المطلق، نحن نكبر في التفاصيل، في المحاولات، في الصبر، في الإصرار على أن نبدأ من جديد كل مرة، رغم التعب، رغم الخذلان، رغم كل ما لم يكن كما أردنا.

ومع كل هذا التأمل، أجدني أُغمض عيني للحظة وأتنفس بعمق، لا أحمل في قلبي ضجيج الأماني الكبيرة، بل بعض الرجاء الهادئ، أن أكون بخير، وأن يمر العام الجديد على أحبتي بسلام، لا أطلب الكمال من الأيام، فقط أتمنى أن أمتلك القدرة على مواجهتها بقلب صلب وعقل مرن، فالعام لا يصنع الفارق، نحن من نصنعه بما نمنحه من صبر، وما نملكه من نية طيبة، لذلك، أفتح أبواب قلبي لعام جديد، لا أعلم ما يحمله، لكنني على استعداد لأن أعيشه بكامل امتناني، وأقابل مفاجآته بشجاعة لا تخلو من اللطف.

الصفحة السابعة من العدد رقم 445 الصادر بتاريخ  1 يناير 2026
تم نسخ الرابط