حين تتحول صحة المرأة إلى قضية دولة
- من علاج المرض إلى منعه.. تحول في فلسفة الدولة تجاه صحة المرأة
- الكشف المبكر خط دفاع أول في مواجهة سرطان الثدي وأمراض النساء
- التجربة الصحية المصرية تخرج من الإطار المحلي إلى الاعتراف الدولي
- صحة المرأة "حجر الأساس" لاستقرار الأسرة وتماسك المجتمع
- انتشار الخدمات الصحية في المحافظات وإعادة بناء الثقة مع المواطنات
كنتُ وما زلتُ على قناعةٍ تامة بأن طريقة تعامل الدول مع صحة المرأة تكشف، بوضوحٍ شديد، عن مدى نضجها الإنساني قبل تقدمها الاقتصادي.
فالصحة في جوهرها ليست أرقامًا تُرصّ في تقارير رسمية، ولا بيانات تُتلى على منصات المؤتمرات، وإنما هي حياة تُنقذ، وطمأنينة تُزرع في قلب أسرة كاملة، واستقرار اجتماعي يبدأ من جسد امرأة سليمة ونفس مطمئنة.
ومن هذا المنطلق، توقفت طويلًا أمام ما حققته المبادرة الرئاسية لدعم صحة المرأة المصرية، لا بوصفها برنامجًا صحيًا واسع النطاق فحسب، وإنما باعتبارها نموذجًا سياسيًا واجتماعيًا يعيد تعريف دور الدولة في حماية مواطنيها، وبخاصة نساءها، ويؤكد أن الإنسان يظل هو جوهر أي مشروع وطني حقيقي.
في تقديري الشخصي، فإن أخطر ما واجه صحة المرأة المصرية عبر عقود طويلة لم يكن نقص الأطباء أو ضعف الإمكانيات وحدهما، بل كان غياب الرؤية الشاملة التي تنظر إلى الوقاية باعتبارها استثمارًا طويل الأمد لا عبئًا ماليًا مؤقتًا، وإلى الكشف المبكر باعتباره خط الدفاع الأول لا مرحلة ثانوية تأتي بعد تفاقم المرض.
لقد اعتادت المجتمعات، لسنوات طويلة، أن تتحرك فقط حين يقع الخطر، وأن تبدأ العلاج بعد أن يستفحل الألم، وهو منطق أثبت فشله إنسانيًا واقتصاديًا على السواء.
ولهذا جاءت المبادرة الرئاسية لتكسر هذا النمط التقليدي، وتطرح سؤالًا مختلفًا وجريئًا: لماذا ننتظر المرض حتى يطرق الأبواب بعنف، بينما يمكننا الوصول إلى المرأة في قريتها وحيّها ووحدتها الصحية قبل أن يتحول الخطر إلى مأساة مكتملة الأركان؟!
اللافت للنظر أن المبادرة لم تكتفِ برفع شعار دعم صحة المرأة، بل ترجمت هذا الشعار إلى منظومة عمل شديدة الاتساع والدقة في آنٍ واحد.
ملايين الزيارات الطبية التي جرت، وملايين السيدات اللاتي خضعن للفحص والمتابعة، ليست مجرد أرقام تُذكر للاستهلاك الإعلامي أو للتباهي الإحصائي، وإنما هي انعكاس حقيقي لقرار سياسي واضح مفاده أن صحة المرأة ليست ملفًا هامشيًا، ولا قضية موسمية تُستدعي في مناسبات بعينها، بل أولوية مستمرة لا تقبل التأجيل ولا تحتمل التراجع.
وأنا أتابع تفاصيل هذه المبادرة، شعرت بأن الدولة المصرية للمرة الأولى تتعامل مع سرطان الثدي وغيره من الأمراض المرتبطة بصحة المرأة بعقلية استباقية لا رد فعلية.
فالفارق بين الاكتشاف المبكر والاكتشاف المتأخر ليس مجرد فرق طبي يُقاس بنسبة الشفاء، بل هو فارق إنساني هائل بين علاج مصحوب بالأمل، وبين معاناة طويلة قد تنتهي بفقدان لا يُعوّض.
أن تتمكن سيدة من معرفة حالتها الصحية في توقيت مبكر، وأن تبدأ رحلة العلاج وهي ما زالت تملك القوة النفسية والجسدية، فهذا في حد ذاته إنجاز لا يُقدّر بثمن، لأنه يمنحها فرصة حقيقية للحياة، ويمنح أسرتها فرصة للاطمئنان بدلًا من القلق الدائم.
وما يلفت الانتباه أكثر أن هذه التجربة المصرية لم تبقَ حبيسة الحدود الجغرافية للدولة، بل خرجت إلى المجال الدولي لتحظى بإشادة خبراء ومتخصصين في مؤتمرات علمية مرموقة.
وهنا تحديدًا تتجاوز القصة بعدها المحلي لتدخل نطاقًا أوسع وأكثر تأثيرًا، لأن اعتراف المجتمع الطبي الدولي بنجاح التجربة المصرية يعني أن ما تحقق لم يكن مجهودًا شكليًا أو استثنائيًا، بل نموذجًا متكاملًا قابلًا لأن يُدرّس ويُحتذى به في دول أخرى تواجه تحديات صحية واقتصادية مشابهة.
ومن زاوية أخري لا يمكن تجاهل الدور المهم الذي لعبته صناعة الدواء المصرية في هذا السياق. فحين يُشاد بالدواء المصري في محافل دولية، وحين يُنظر إليه بوصفه منتجًا فعالًا وموثوقًا، فإننا لا نتحدث فقط عن جودة تصنيع، بل عن منظومة كاملة تشمل البحث العلمي، والتطوير، والتصنيع، والرقابة، والتوزيع.
وهذا التحول يعكس إرادة حقيقية في توطين الصناعة الدوائية، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتوفير العلاج للمواطن بجودة عالية وتكلفة مناسبة، وهو ما يضيف بعدًا إستراتيجيًا آخر للمبادرة يتجاوز حدود الصحة إلى دوائر الأمن القومي الاقتصادي.
لذا يمكنني القول بثقة إن المبادرة الرئاسية لصحة المرأة لم تكن مجرد تدخل صحي محدود أو حملة مؤقتة، وإنما كانت خطوة إستراتيجية في بناء ما يمكن تسميته بالأمن الصحي المجتمعي. فصحة المرأة تعني صحة الأسرة، وصحة الأسرة تعني مجتمعًا أكثر توازنًا وقدرة على الإنتاج والعمل والعطاء.
هذه معادلة بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها، وقد أدركتها الدولة المصرية وقررت أن تضعها موضع التنفيذ العملي لا الاكتفاء بالتنظير والشعارات.
وما يبعث على قدر كبير من الاطمئنان أن هذه المبادرة لم تُبنَ على فكرة المركزية الصارمة، بل اعتمدت على شبكة واسعة من الوحدات الصحية المنتشرة في مختلف المحافظات.
هذا الانتشار الجغرافي لم يكن تفصيلًا ثانويًا، بل كان أحد مفاتيح النجاح الأساسية، لأنه سمح بالوصول إلى شرائح لم تكن تصل إليها الخدمات الصحية بسهولة من قبل، وأعاد بناء جسور الثقة بين المواطن والمنظومة الصحية، وأشعر المرأة بأن الدولة تقترب منها وتذهب إليها، بدلًا من أن تطالبها بالبحث عن الخدمة وسط تعقيدات وإجراءات مرهقة.
وأنا أكتب هذه السطور، لا أستطيع فصل هذا الإنجاز عن السياق العام الذي تعيشه الدولة المصرية في السنوات الأخيرة، حيث أصبح الاستثمار في الإنسان عنوانًا رئيسيًا للسياسات العامة.
فالصحة والتعليم والحماية الاجتماعية لم تعد ملفات منفصلة، بل حلقات مترابطة في مشروع وطني أكبر يستهدف بناء مجتمع قادر على الصمود أمام التحديات، داخليًا وخارجيًا، وقادر على تحويل الأزمات إلى فرص للنمو والتماسك.
إن ما تحقق في ملف صحة المرأة يطرح علينا جميعًا، كمجتمع ونخب وصنّاع رأي، مسؤولية مضاعفة في الحفاظ على هذا المكسب وتطويره.
فالمبادرات الكبرى لا تُقاس فقط بما تحققه في لحظة انطلاقها، بل بقدرتها على الاستمرار والتجدد ومواكبة التطورات العلمية والطبية المتسارعة. وهنا يصبح الرهان الحقيقي على الاستدامة، وعلى تحويل النجاح إلى ثقافة مؤسسية راسخة لا ترتبط بأشخاص أو مناسبات، بل تصبح جزءًا من وعي المجتمع وضمير الدولة.
وفي النهاية، أرى أن المبادرة الرئاسية لدعم صحة المرأة المصرية قدمت درسًا بالغ الأهمية مفاده أن الإرادة السياسية حين تلتقي مع التخطيط العلمي والوعي المجتمعي، يمكنها أن تصنع فارقًا حقيقيًا في حياة الناس.
وهذا الفارق لا يُقاس فقط بعدد الحالات التي تم علاجها، بل بعدد القلوب التي شعرت بالأمان، وعدد البيوت التي استعادت توازنها، وعدد النساء اللاتي أدركن أن صحتهن ليست شأنًا خاصًا بهن وحدهن، بل قضية وطن بأكمله.

- الاقتصاد
- قنا
- اقتصاد
- المرأة
- الاستثمار
- طالب
- درة
- الصناعة
- قضية
- فقدان
- شاب
- شبكة
- عامل
- سرت
- حماية
- مبادرة
- الدول
- فحص
- استقرار
- بيان
- النساء
- اكتشاف
- الحدود
- ثقافة
- الطب
- ملفات
- خالد الطوخى يكتب
- قرار
- موسم
- اجتماع
- راب
- ملك
- المصري
- النجاح
- علاج
- خالد الطوخى
- مصر
- كرة
- محافظ
- شخص
- مشروع
- المؤتمر
- أسرة
- قري
- تجدد
- الصحة
- منع
- المحافظات
- اول
- مركز
- داخل
- البحث
- طريق
- حملة
- وقاية
- برنامج
- الدواء



