حين تتحول الشائعة إلى سلاح.. معركة الوعي في مواجهة الفوضى
- حين تتحول الشائعة إلى سلاح.. معركة الوعي في مواجهة الفوضى
- موجات الشائعات تتزامن مع أحداث مهمة وإنجازات تسعى الدولة لتحقيقها على أرض الواقع
- المعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة الشائعة بل في بناء مجتمع قادر على التعامل معها بوعي وفهم
- المواطن الواعي لا يكتفي بسماع الخبر بل يسأل عن مصدره وعن سياقه وعن الهدف من نشره
- الإعلام عندما يقوم بدوره بشكل صحيح يُصبح أحد أهم أدوات حماية المجتمع من التضليل
- تعليم الأجيال الجديدة كيفية التفكير يُعد استثمارًا طويل المدى في استقرار المجتمع
- الشعب قادر على التمييز وإفشال كل محاولات نشر الفوضى طالما ظل الوعي حاضرًا والعقل يقظًا والإرادة ثابتة
لم تعد الشائعات في عالمنا المعاصر مجرد أحاديث عابرة تُقال على استحياء، أو أخبارا غير مؤكدة تنتقل بين الناس بشكل محدود، بل أصبحت واحدة من أخطر الأدوات التي تُستخدم في إدارة الصراعات الحديثة، خاصة تلك التي تستهدف الدول من الداخل دون الحاجة إلى مواجهات مباشرة.
وفي تقديري، فإن ما تتعرض له مصر في هذه المرحلة يمثل نموذجًا واضحًا لحرب من نوع مختلف، حرب تُدار في الخفاء، وتُخاض في العقول قبل أن تكون على الأرض، وتستهدف بالأساس تفكيك حالة الاستقرار عبر بث الشكوك وزعزعة الثقة.
توقفت طويلًا أمام طبيعة هذه الشائعات، فوجدت أنها لم تعد تعتمد فقط على الكذب الصريح، بل على مزيج شديد التعقيد من المعلومات الجزئية، والحقائق المبتورة، والتحليلات المغلوطة.
يتم انتقاء جزء صغير من الحقيقة، ثم يتم تضخيمه أو إخراجه من سياقه، ليُعاد تقديمه بصورة مختلفة تمامًا، تحمل في طياتها رسائل خفية تهدف إلى إثارة القلق والخوف.
وهذه الآلية تحديدًا تجعل من الشائعة أكثر خطورة، لأنها لا تبدو كذبة كاملة، بل "نصف حقيقة" يصعب على غير المتخصصين تفكيكها بسهولة.
واللافت للنظر أن هذه الحملات لا تتحرك بشكل عشوائي، بل تُدار وفق توقيتات محسوبة بدقة.
ففي كثير من الأحيان، نجد موجات الشائعات تتزامن مع أحداث مهمة، أو خطوات إصلاحية، أو حتى إنجازات تسعى الدولة لتحقيقها على أرض الواقع.
وكأن هناك من يراقب المشهد عن كثب، ويختار اللحظة المناسبة لبث رسائله، في محاولة لطمس أي صورة إيجابية، أو تشويه أي نجاح، أو حتى التشكيك في أي تحرك يهدف إلى البناء والتنمية.
إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط مضمون الشائعة، بل الهدف الكامن وراءها، وهو ضرب الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فالثقة، في أي مجتمع، تُعد العمود الفقري للاستقرار، وعندما تتآكل هذه الثقة، يبدأ كل شيء في الاهتزاز.
المواطن الذي يفقد ثقته في مؤسساته، يصبح أكثر عرضة لتصديق أي رواية بديلة، حتى وإن كانت غير منطقية، ويصبح أكثر قابلية للتأثر بأي خطاب سلبي، مهما كان مصدره.
وإذا نظرنا إلى أدوات هذه الحرب، فسنجد أن منصات التواصل الاجتماعي تلعب الدور الأبرز في تسريع انتشار الشائعات.
فهذه المنصات، التي وُجدت في الأصل لتقريب المسافات بين الناس، أصبحت في كثير من الأحيان ساحة مفتوحة لتداول المعلومات دون ضوابط.
وبضغطة زر واحدة، يمكن لأي محتوى أن ينتشر بشكل واسع، دون أن يمر بأي عملية تحقق أو تدقيق.
ومع وجود حسابات وهمية تُدار باحتراف، تُعرف أحيانًا باسم "اللجان الإلكترونية"، يصبح من السهل توجيه الرأي العام، أو على الأقل التأثير عليه.
ولا يمكن تجاهل البُعد النفسي في هذه الحرب، فالشائعة لا تستهدف العقل فقط، بل تستهدف المشاعر أيضًا.
يتم تصميم الرسائل بطريقة تُثير الخوف أو الغضب أو الإحباط، لأن هذه المشاعر تجعل الإنسان أقل قدرة على التفكير النقدي، وأكثر ميلًا لتصديق ما يُقال له.
وهنا تتحول الشائعة من مجرد معلومة خاطئة، إلى أداة فعالة للتأثير النفسي، قد تقود في بعض الأحيان إلى سلوكيات غير محسوبة.
وفي تقديري الشخصي، فإن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الشائعة ذاتها، بل البيئة التي تسمح لها بالانتشار.
فكلما زاد اعتماد الأفراد على مصادر غير موثوقة للمعلومات، وكلما غاب الوعي النقدي، أصبحت الشائعة أكثر قدرة على الانتشار والتأثير.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة الشائعة، بل في بناء مجتمع قادر على التعامل معها بوعي وفهم.
لقد مرت مصر عبر تاريخها بمحطات صعبة، واجهت فيها تحديات سياسية واقتصادية وأمنية، لكنها استطاعت في كل مرة أن تتجاوزها، ليس فقط بقدرات الدولة، بل بتماسك المجتمع ووعيه.
واليوم، ونحن نواجه هذا النوع الجديد من الحروب، يبدو أن الرهان الأساسي يجب أن يكون على الوعي، باعتباره خط الدفاع الأول والأخير.
إن بناء الوعي لا يعني فقط تقديم المعلومات الصحيحة، بل يعني أيضًا تدريب العقل على التفكير النقدي، وعلى طرح الأسئلة، وعلى عدم التسليم بكل ما يُقال.
فالمواطن الواعي لا يكتفي بسماع الخبر، بل يسأل عن مصدره، وعن سياقه، وعن الهدف من نشره.
وهذا النوع من التفكير هو ما يُفشل أي محاولة للتلاعب بالعقول.
ومن المهم أيضًا أن ندرك أن مسؤولية المواجهة لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين الجميع.
فكل فرد، مهما كان موقعه، يمتلك دورًا في هذه المعركة، سواء من خلال ما ينشره، أو ما يشاركه، أو حتى ما يختار أن يصدقه.
فالكلمة التي نكتبها، أو الرابط الذي نشاركه، قد يكون له تأثير أكبر مما نتخيل.
ولعل من الضروري في هذا السياق أن نُعيد النظر في طريقة تعاملنا مع وسائل التواصل الاجتماعي.
فبدلًا من أن نكون مجرد متلقين سلبيين، يجب أن نكون مستخدمين واعين، ندرك طبيعة هذه المنصات، وكيف يمكن أن تُستخدم للتأثير علينا.
وهذا يتطلب قدرًا من الانضباط، ومن المسؤولية، ومن الوعي بأن ما نراه ليس بالضرورة الحقيقة الكاملة.
كما أن المؤسسات الإعلامية تتحمل دورًا كبيرًا في هذه المواجهة، من خلال تقديم محتوى مهني يعتمد على الدقة والمصداقية، ويُسهم في توضيح الحقائق، بدلًا من ترك الساحة مفتوحة أمام الشائعات.
فالإعلام، عندما يقوم بدوره بشكل صحيح، يُصبح أحد أهم أدوات حماية المجتمع من التضليل.
وفي سياق متصل، لا يمكن إغفال أهمية التعليم في بناء هذا الوعي. فتعليم الأجيال الجديدة كيفية التفكير، وليس فقط ماذا يفكرون، يُعد استثمارًا طويل المدى في استقرار المجتمع.
فالشخص الذي يمتلك أدوات التفكير النقدي، يكون أقل عرضة للتأثر بالشائعات، وأكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.
لذا يمكنني القول إننا أمام معركة ممتدة، لا تُحسم في يوم أو شهر، بل تحتاج إلى جهد مستمر، وإلى تكاتف بين جميع الأطراف.
معركة يكون سلاحها الأساسي هو الوعي، وهدفها الحفاظ على استقرار المجتمع، وصون تماسكه.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة أقوى من أي شائعة، مهما طال انتشارها، ويبقى وعي الشعوب هو الحصن الذي لا يمكن اختراقه بسهولة.
ومصر، بما تمتلكه من تاريخ، ومن خبرات، ومن شعب قادر على التمييز، قادرة على أن تتجاوز هذه المرحلة، وأن تُفشل كل محاولات نشر الفوضى، طالما ظل الوعي حاضرًا، والعقل يقظًا، والإرادة ثابتة.




