في لحظةٍ كان يُفترض فيها أن تتجلّى الحكمة، اختار النظام الإيراني طريق المكابرة. فبعد تعرّضه لعملية عسكرية مشتركة من الولايات المتحدة وإسرائيل، بدل أن يسعى إلى احتواء التصعيد وكسب تعاطف الجوار العربي، اندفع إلى إطلاق صواريخ باتجاه المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والكويت وغيرها من الدول العربية.
خطوةٌ لا يمكن توصيفها إلا بأنها انتحار سياسي يُضاف إلى سجل طويل من السياسات المتهوّرة
في الصراعات الإقليمية، هناك خطوط غير مكتوبة.. وتجاوز هذه الخطوط لا يغيّر مسار المعركة فقط، بل يغيّر خريطة التحالفات.
إصرار إيران على توسيع دائرة المواجهة لتشمل دولاً خليجية، الإمارات والكويت وقطر والبحرين والسعودية وعُمان التي لعبت دور الوسيط طوال الفترة الماضية، قرار يتجاوز البعد العسكري إلى مقامرة واسعة، وغباء سياسي منقطع النظير
لقد أخطاً قادة إيران بتحويل الصراع من مواجهة محدودة إلى اصطفاف إقليمي، فالصراع الثنائي يمكن احتواؤه،
لكن إدخال دول الخليج في المعادلة يعني، توسيع نطاق الرد المحتمل، وتحويل النزاع إلى جبهة جماعية، وتقليص مساحة المناورة الدبلوماسية، وفي السياسة، عزل الخصوم أفضل من توحيدهم!
وترسيخاً لحالة الغباء المتكررة، لم يزج الإيرانيون في الصراع دولاً بذلت جهوداً كبيراً لمنع الحرب مثل الإمارات والسعودية، بل خسروا الوسيط، وأقصد هنا عُمان التي لعبت دور قناة التواصل الهادئة على مدار الأزمة.
ولا شك أن استهداف طرف يؤدي دور الوسيط يرسل رسالة سلبية مزدوجة، مفادها إضعاف الثقة في أي مسار تفاوضي، ودفع الوسطاء إلى إعادة تقييم أدوارهم، وفي الأزمات الكبرى، القنوات الخلفية لا تقل أهمية عن الصواريخ.
إن استهداف دول الخليج يخلق مناخاً نفسياً سلبياً في المنطقة، وشعور بتهديد جماعي، وإعادة تعريف إيران كخطر مباشر، ما يستدعي بالضروري تسريع خطوات تنسيق أمني أوسع بين الدول المتضررة!
الخلاصة، في الحسابات العسكرية قد تُقاس الضربة بمدى تأثيرها الميداني، لكن في الحسابات الاستراتيجية تُقاس بنتائجها السياسية، ولا شك أن توسيع دائرة المواجهة لتشمل دول الخليج قد لا يكون مجرد تصعيد، بل إعادة تشكيل للخريطة الإقليمية على نحو يصعب التراجع عنه، وفي الحروب، الخطأ الأكبر ليس إطلاق النار، بل اختيار الاتجاه الخطأ للنيران!
أخيراً، أكتب هذا التحليل من موقع المقيم الذي عاش في الإمارات قرابة عقدين من الزمن..
رأيت في الإمارات ما يتجاوز العمران والاقتصاد والسياسة، رأيت بلداً يحتضن الناس على اختلاف جنسياتهم، ومجتمعاً يقوم على الاحترام، وقيادة جعلت من الإنسانية قيمة يومية لا شعاراً موسمياً.
الإمارات بالنسبة لي ليست محطة عمل، بل مساحة أمان، ووطناً تعلمت فيه معنى التعايش الحقيقي.. ولهذا، حين يُذكر اسمها في سياق توتر أو استهداف، لا أقرأ الأمر كمراقب فقط، بل كإنسان يخاف على بلد يحبها، وعلى مجتمع منحني التقدير قبل أن يمنحني الإقامة، وهذ شعور عام لدى كل من استوطن هذه الدولة، لذا أثق بكل يقين أن لا حدث ولا خطر يمكن أن يهدد بلد يتعلق به سكانه مثل الإمارات.
الحروب تُحلَّل بالأرقام، لكن الأوطان تُقاس بالمشاعر، وتعلقي بالإمارات ليس موقفاً سياسياً، بل شعور طبيعي تجاه مكان أصبح جزءاً من الذاكرة والحياة .. حفظ الله مصر والإمارات والسعودية وكل البلدان والشعوب الآمنة.



