قاهرة المستحيل ستظل في قلبي.. "شمس لا تغيب"
- الدكتورة سعاد كفافي… سيرة امرأة لم يطفئها الغياب، وبقي أثرها حيًا يقود الطريق جيلاً بعد جيل
- من حلم وُلد على أرض خالية إلى صرح تعليمي راسخ… حكاية إيمان لم يعرف المستحيل
- الأم والقائدة والمعلمة… وجوه متعددة لشخصية آمنت بأن التعليم رسالة تبني الإنسان قبل المكان
- إرادة تقترن بالإيمان فتصنع المعجزات… قصة امرأة رأت المستقبل كما يجب أن يكون
- بين البعد الإنساني والنجاح المهني… سر التجربة التي جعلت من التعليم قيمة مجتمعية لا مشروعًا عابرًا
- وصايا بسيطة صنعت منهجًا كاملًا… كيف بقيت الروح حاضرة في كل قرار وخطوة
كنت وما زلت على قناعة تامة بأن بعض الغياب لا يُقاس بالزمن، بل يُقاس بعمق الأثر الذي يتركه فينا، وحين أتوقف طويلًا أمام ذكرى رحيل والدتى، الدكتورة سعاد كفافي، أشعر بأنني لا أستدعي ذكرى بقدر ما أستدعي حياة كاملة ما زالت تسري في داخلي، وكأنها لم تغب يومًا، وكأنها لا تزال هنا، تراقب، توجه، وتمنحني ذلك الإحساس العميق بأنني لست وحدي في هذا الطريق.
تمر السنوات، ويظن البعض أن الزمن كفيل بأن يُخفف وطأة الفقد، لكن الحقيقة التي أعيشها أن الفقد الحقيقي لا يهدأ، بل يتحول إلى شكل آخر من الحضور، حضور صامت لكنه قوي، حضور يتجلى في كل قرار، في كل خطوة، في كل لحظة أتردد فيها فأجد صوتها داخلي يقول لي: كمل، لا تتراجع، الطريق لسه فيه كتير.
في تقديري الشخصي، لم تكن والدتى مجرد شخصية ناجحة في مجال التعليم، بل كانت حالة إنسانية نادرة، كانت نموذجًا للمرأة التي لا ترى الواقع كما هو، بل كما يجب أن يكون، وهذا الفارق البسيط في الظاهر، كان هو السر في كل ما حققته، لأنها لم تتعامل مع الظروف كحدود، بل كمساحة للتحدي.
أتذكر جيدًا كيف كانت تحكي عن البدايات، عن تلك الأرض التي لم يكن فيها شيء يُذكر، سوى حلم كبير يسكن عقلها وقلبها، حلم بدا للكثيرين وقتها مستحيلًا، بل وربما نوع من المغامرة غير المحسوبة، لكن ما لم يدركه البعض وقتها، أنها لم تكن تحلم فقط، بل كانت ترى، كانت ترى بعين مختلفة، بعين تؤمن بأن الغد يمكن أن يكون أفضل إذا امتلكنا الشجاعة لنبدأ.
وهنا يمكنني القول إن أعظم ما تركته لي لم يكن فقط هذا الصرح التعليمي الكبير، بل هذا الإيمان العميق بأن الفكرة إذا صدقها صاحبها، تتحول إلى قوة لا تُقهر، وأن الإصرار ليس مجرد كلمة، بل هو فعل يومي، يتجدد مع كل عقبة، ويتضاعف مع كل تحدٍ .
لم تكن أمي تسعى إلى النجاح بمعناه التقليدي، لم تكن تبحث عن الأضواء أو الألقاب، بل كانت تسعى إلى صناعة قيمة حقيقية، قيمة تمتد إلى المجتمع كله، كانت ترى أن التعليم هو الطريق الأهم لبناء الإنسان، وأن الإنسان هو أساس أي نهضة حقيقية، ولذلك كانت كل قراراتها تنطلق من هذا الإيمان.
اللافت للنظر في مسيرتها أنها لم تفصل يومًا بين النجاح المهني والبعد الإنساني، كانت تؤمن بأن أي إنجاز لا يحمل في داخله بعدًا إنسانيًا هو إنجاز ناقص، ولذلك كانت دائمًا حريصة على أن يكون لكل خطوة أثر يمتد إلى الآخرين، سواء في دعم الطلاب، أو في تطوير المنظومة التعليمية، أو حتى في تفاصيل صغيرة قد لا يراها البعض، لكنها كانت تدرك قيمتها جيدًا .
وأعترف بأنني كثيرًا ما كنت أتساءل: كيف استطاعت أن تواجه كل هذه التحديات بهذه الصلابة، كيف لم تتراجع، كيف لم تتعب؟! حتى أدركت أن السر لم يكن في قوة خارقة، بل في وضوح الهدف، حين يكون الهدف واضحًا، يصبح الطريق مهما كان صعبًا قابلًا للاستمرار.
رحلت والدتى الدكتورة سعاد كفافي ، لكن ما تركته لم يكن مجرد مؤسسة أو إنجازات تُذكر، بل تركت روحًا، تركت منهجًا، تركت طريقة في التفكير، وهذه هي الأشياء التي لا تموت، بل تظل حية، تنتقل من جيل إلى جيل، ومن فكرة إلى فكرة، ومن حلم إلى حلم.
ولعل أكثر اللحظات التي لا تفارق ذاكرتي، تلك الوصايا البسيطة التي كانت تحمل في داخلها معاني كبيرة، خاصة حين كانت تؤكد دائمًا أن التعليم يجب أن يظل متاحًا، وألا يتحول إلى عبء على الأسرة البسيطة، كانت ترى بعين الأم، لا بعين الإدارة، كانت تشعر بالناس قبل أن تفكر في الأرقام، وهذا ما جعل تجربتها مختلفة، وما جعل أثرها أعمق.
ومن هنا، يمكنني القول إن ما أحمله اليوم ليس مجرد مسؤولية إدارة، بل مسؤولية الحفاظ على روح، على قيمة، على فكرة بدأت بإخلاص، ولا يجب أن تنتهي إلا بمزيد من العطاء، ولذلك فإن كل خطوة نقوم بها اليوم، سواء في تطوير البرامج، أو في الانفتاح على العالم، أو في توسيع نطاق التأثير، هي في حقيقتها امتداد لما بدأته.
لقد تعلمت منها أن القيادة ليست موقعًا، بل موقفا، وأن النجاح الحقيقي هو أن تترك أثرًا يبقى بعدك، وأن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، بل بما يمنحه، وهذه الدروس لم تكن كلمات تُقال، بل كانت سلوكًا يُرى في كل تفاصيل حياتها..
وحين أنظر إلى ما تحقق اليوم، لا أراه إنجازًا فرديًا، بل أراه نتيجة طبيعية لبذرة زُرعت بإخلاص، وسُقيت بالإصرار، ونمت عبر سنوات من العمل الجاد، وهذه هي الحقيقة التي تجعلني دائمًا أشعر بأنني أكمل طريقًا بدأته هي، لا طريقًا أبدأه من جديد.
وفي كثير من اللحظات، أجد نفسي أعود إلى داخلي، أستعيد مواقف، كلمات، نظرات، وأشعر بأن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي صنعت الفارق، هي التي منحتني القدرة على الاستمرار، وهي التي تجعلني أتمسك بكل ما كانت تؤمن به .
لذا يمكنني القول إن الامتنان الذي أحمله لها يتجاوز حدود المشاعر، هو التزام، هو وعد غير معلن بأن يظل ما بدأته مستمرًا، وأن تظل القيم التي آمنت بها حاضرة في كل ما نقوم به، وأن يظل الإنسان هو الهدف الأول والأخير .
إن ما قدمته أمي لم يكن مجرد تجربة ناجحة في التعليم، بل كان نموذجًا لما يمكن أن تفعله الإرادة حين تقترن بالإيمان، وما يمكن أن تصنعه امرأة قررت أن تتحدى كل ما يقال لها عن حدود الممكن، لتثبت أن الممكن أوسع بكثير مما نظن .
وفي عالم يمتلئ بأسماء تلمع سريعًا ثم تختفي، هناك أسماء تبقى، ليس لأنها حققت نجاحًا فقط، بل لأنها صنعت معنى، وهذا هو الفارق الحقيقي، وهذا ما يجعلني أؤمن بأن سيرة أمي ستظل أطول من عمرها، لأنها لم تكن مجرد قصة نجاح، بل كانت رسالة .
وربما أكثر ما يدفعني للاستمرار، هو هذا الشعور الدائم بأنها ترى، أنها تتابع، وأنها تنتظر مني أن أكون على قدر ما غرسته في داخلي من قيم، وهذا في حد ذاته دافع لا يمكن تجاهله .
رحمكِ الله يا أمي، فقد كنتِ وما زلتِ المعنى الحقيقي للقوة، والإلهام الذي لا ينتهي، والحلم الذي لا يتوقف، والسند الذي لا يغيب.
وإذا كان الغياب حقيقة لا يمكن إنكارها، فإن حضورك في داخلي حقيقة أكبر لا يمكن تجاهلها، ولهذا أستطيع أن أقول بكل يقين، إنك لم ترحلي، بل تغيرتِ فقط من صورة إلى أخرى، من وجود يُرى إلى أثر يُحس، ومن صوت يُسمع إلى يقين يسكن القلب.
وهكذا ستبقين دائمًا، قاهرة المستحيل، ليس فقط في تاريخ التعليم، بل في قلبي أنا أولًا، وفي قلوب كل من تعلم منك، أو تأثر بك، أو سار يومًا على الطريق الذي مهدته بإيمانك وعطائك.
رحمكِ الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمتِه نورًا لا ينطفئ، وأثرًا لا يزول، وسيرة تظل تُروى جيلاً بعد جيل.




