فقاعة "الترند المؤقت".. شهرة تولد في الصباح وتدفن في المساء
- ثقافة التفاهة تتصدر المشهد.. والإثارة أرخص طرق الانتشار
- وهم الشهرة السريعة.. مقبرة تبتلع الموهبة الحقيقية
- خديعة الصعود الفوري.. أسماء لا يعرفها أحد تظهر فجأة وتتبخر بالسرعة نفسها
- الانتشار السريع لا يعني نجاحا حقيقيا.. والقيمة هي الرهان الحقيقي
أعترف بأنني لم أعد أندهش من سرعة الأشياء كما كنت من قبل، لكنني، في الوقت ذاته، لم أهتم بهذا الإيقاع اللاهث الذي يفرض نفسه علينا كل يوم، أفتح هاتفي فأجد اسمًا يتصدر المشهد، ووجوها تتكرر في كل زاوية من زوايا الشاشة، وحديثا واحدا يطغى على كل ما سواه، وبعد ساعات قليلة، وربما في اليوم التالي، يتغير كل شيء، كأن ما حدث لم يكن سوى ومضة عابرة في زمن لا يحتمل الثبات.
أراقب هذا المشهد المتكرر، وأجد نفسي أتساءل: هل ما نراه هو بالفعل نجاح أم أننا أمام شكل جديد من الشهرة، لا يعيش طويلًا، ولا يترك أثرًا، ولا يمنح أصحابه سوى لحظة مؤقتة من الضوء؟
من هنا، تبدو ظاهرة "الترند المؤقت" ليست مجرد سلوك رقمي، بل تحول عميق في فهمنا للنجاح، وفي علاقتنا بالفن، وفي الطريقة التي نمنح بها القيمة لما نراه ونستهلكه.
لم يكن النجاح الفني، في صورته التقليدية، وليد لحظة، كان يحتاج إلى زمن يتراكم فيه الحضور، ويختبر فيه العمل، وتصقل فيه التجربة، كان الجمهور يمنح العمل فرصة ليترسخ، ويمنح الفنان وقتا ليثبت نفسه، أما اليوم، فقد أصبح الزمن نفسه عنصرًا مستبعدا من معادلة النجاح. لم يعد السؤال: ماذا قدم هذا العمل؟ بل: كم حقق من انتشار في ساعات قليلة؟
في هذا السياق، نشأ ما يمكن تسميته بـ"النجاح الفوري"، وهو نجاح لا يقوم على التراكم، بل على القفزة.
قفزة مفاجئة إلى دائرة الضوء، تُصنع عبر مقطع قصير، أو جملة لافتة، أو موقف مثير. هذا النوع من النجاح لا يحتاج إلى تمهيد، ولا يمر بمراحل طبيعية، بل يحدث دفعة واحدة، ثم يبدأ في التلاشي بالسرعة نفسها التي ظهر بها.
واللافت للنظر أن هذا التحول لم يأت من فراغ، بل ارتبط بطبيعة المنصات الرقمية نفسها، التي تقوم على مبدأ التدفق المستمر للمحتوى، كل شيء مصمم ليُستهلك بسرعة، ويُستبدل بسرعة أكبر، وهذه العملية لا تكافئ الجودة بقدر ما تكافئ التفاعل، ولا تهتم بعمق المحتوى بقدر ما تهتم بقدرته على جذب الانتباه.
وهنا، يصبح "الترند" هو المعيار الأعلى، لأنه يعكس أعلى درجات التفاعل في أقصر وقت ممكن، لكن المشكلة لا تكمن في وجود الترند في حد ذاته، بل في تحوله إلى هدف، فحين يصبح الانتشار غاية مستقلة، تنفصل عن القيمة، تبدأ معايير الاختيار في الانحراف.
لم يعد الأجود هو ما يُنتج، بل ما يمكن أن ينتشر.
ولم يعد الأعمق هو ما يقدم، بل ما يمكن أن يُثير رد فعل سريعًا، حتى وإن كان هذا الرد قائما على الصدمة أو الاستفزاز.
ومن هنا، يمكن تفسير لماذا تميل كثير من الترندات إلى الطابع السلبي أو المثير للجدل.
فالمحتوى الهادئ، المتزن، الذي يحتاج إلى تأمل، لا يجد طريقه بسهولة إلى دوائر الانتشار السريع. في المقابل، ينجح المحتوى الذي يعتمد على الغرابة أو المبالغة أو كسر المألوف، لأنه يخلق حالة فورية من التفاعل، حتى وإن كان هذا التفاعل قائمًا على الرفض أو السخرية، هذه الحركة تخلق بيئة تشجع على "تصنيع اللحظة" بدلًا من "بناء القيمة".
يصبح الهدف هو خلق حدث قابل للتداول، لا عمل قابل للبقاء. وفي هذا الإطار، لا يعود الفنان مضطرًا إلى تطوير أدواته بقدر ما يصبح مطالبًا بالبحث عن فكرة "تمسك الجمهور" لبضع ساعات، قبل أن يبحث عن غيرها.
والأخطر من ذلك، أن هذه الثقافة لا تؤثر فقط على من يصنع المحتوى، بل تمتد إلى الجمهور نفسه، فالمتلقي، الذي يتعرض يوميًا لهذا الكم الهائل من الترندات، يبدأ فقدان قدرته على التمييز بين ما يستحق وما لا يستحق.
تتساوى أمامه الأشياء، لأن معيار الحكم أصبح هو الحضور اللحظي، لا القيمة الحقيقية.
وهكذا، نجد أنفسنا أمام ذاكرة جماعية قصيرة المدى.
نتذكر ما يحدث الآن، وننسى ما حدث بالأمس.
نتحمس لما يظهر فجأة، ونتخلى عنه بالسرعة نفسها.
لا نمنح الأشياء وقتها الطبيعي، ولا نسمح لها بأن تترسخ أو تختبر، وكلما تسارعت هذه الدورة، زادت قابلية النسيان، وتراجع أثر التجربة.
في ظل هذا الواقع، تتعرض الصناعة الفنية لضغط مزدوج.
من ناحية، هناك حاجة دائمة لمواكبة هذا الإيقاع السريع، ومن ناحية أخرى، هناك خطر حقيقي من فقدان العمق.
بعض صناع الفن ينجرفون نحو هذا التيار، فيقدمون أعمالًا مصممة خصيصا لتكون "قابلة للانتشار"، حتى لو جاء ذلك على حساب الجودة.
والبعض الآخر يحاول التمسك بمعايير أكثر صرامة، لكنه يجد نفسه في مواجهة جمهور اعتاد السرعة، ولم يعد لديه الصبر الكافي للتلقي المتأني.
ولا يمكن هنا إغفال دور السوشيال ميديا كفاعل رئيسي في تشكيل هذا المشهد.
فهي لم تعد مجرد منصة لعرض الأعمال، بل أصبحت شريكا في صياغتها.
ردود الأفعال الفورية، والتعليقات، ونسب المشاهدة، كلها عناصر تدخل في حسابات صناع القرار، وتؤثر في طبيعة ما يُنتج لاحقًا.
وهكذا، يصبح الترند ليس فقط نتيجة للعمل الفني، بل أحد العوامل التي تحدد شكله منذ البداية، وفي المقابل، تظهر مفارقة لافتة: رغم هذا الزخم الهائل من "النجاحات السريعة"، يظل القليل فقط هو ما يبقى.
الأعمال التي تعتمد على اللحظة تختفي مع تغيرها، بينما الأعمال التي تقوم على أساس متين تظل قادرة على الاستمرار، حتى وإن لم تحقق الانتشار نفسه في البداية.
هنا، يعود الفرق التقليدي بين "الشهرة" و"القيمة" ليظهر من جديد، لكن في سياق أكثر تعقيدا، فالشهرة، في صورتها الراهنة، أصبحت أسهل من أي وقت مضى، لكنها في الوقت ذاته أكثر هشاشة.
يمكن لأي شخص أن يصبح معروفًا في وقت قصير، لكن الحفاظ على هذا الحضور يتطلب ما هو أكثر من مجرد ترند. يتطلب مشروعا، ورؤية، وقدرة على التطور.
وهذه العناصر لا يمكن اختزالها في لحظة عابرة، ومن هنا، يبدو أن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى الجمهور، بل في البقاء لديه.
لم يعد السؤال: كيف نلفت الانتباه؟ بل: كيف نحافظ عليه؟ وهذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه بالوسائل نفسها التي تصنع الترند، لأنه يتعلق بالعمق، لا بالسطح، وبالاستمرارية، لا باللحظة.
ولا يمكن إنكار أن الترند أصبح جزءا من واقعنا، وأن تجاهله ليس حلا، لكن، في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نمنحه أكثر مما يستحق.
ليس كل ما ينتشر مهما، وليس كل ما يلمع يستحق البقاء، أعود إلى نفسي، وإلى تلك اللحظة اليومية التي أفتح فيها هاتفي، فأجد موجة جديدة قد بدأت بالفعل.
أتابعها، ربما أشارك فيها، لكنني أحاول أن أحتفظ بمسافة، بمساحة للتأمل، وللتمييز.
لأنني، في النهاية، لا أبحث عن لحظة عابرة، بل عن شيء يبقى، ولو قليلًا، في هذا الزمن الذي يمر بسرعة لا تمنحنا فرصة كافية لنتذكر، وربما يكون الترند قادرا على أن يصنع ضجيجا كبيرًا، لكنه، في أغلب الأحيان، يعجز عن أن يصنع أثرا حقيقيا.




