«هوس التلصص الجماعي».. قنبلة أخلاقية موقوتة تهدد أمان المجتمع

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- فوضى الكاميرات المفتوحة تترصد الجميع بلا رحمة.. والكل متهم حتى تثبت براءته بعد فوات الأوان.

- سلوك متدنٍ يتغذى على فضول منفلت.. وانتهاك صارخ لحرمة الحياة الخاصة.

- منصات التواصل الاجتماعي تحول الخصوصية إلى سلعة رائجة.. وسوق مفتوحة لترويج وصناعة الفضائح.

- الخوف من الكاميرا يقتل العفوية ويعيد تشكيل إنسان مصطنع.. والمجتمع يعيش تحت تهديد دائم.

ما يحدث اليوم على منصات التواصل الاجتماعي من مراقبة جماعية بلا قواعد لم يعد مجرد متابعة لحياة المشاهير كما كنا نظن، بل تحول بهدوء إلى حالة من الهوس الجماعي بالمراقبة، هوس يتسلل إلى تفاصيل حياتنا دون أن نشعر، صرنا نعيش في مساحة رمادية، حيث لا أحد خارج نطاق العدسة، وحيث يمكن لأي شخص - مهما كان عاديًا - أن يتحول في لحظة عابرة إلى "مادة للعرض" على جمهور لا يعرفه.

الأمر لم يعد بريئا كما يبدو، هناك نزعة واضحة لاصطياد اللحظة، لا لفهمها، بل لالتقاط الخطأ لا لاحتوائه، وكأن الهاتف لم يعد وسيلة للتوثيق بقدر ما أصبح أداة ترصّد، ما يزعجني حقا ليس مجرد التصوير، بل تلك الرغبة الخفية في تحويل كل شيء إلى "ترند"، حتى لو كان الثمن انتهاك خصوصية إنسان، أو تجريده من سياقه، أو اختزاله في لقطة لا تعبر عنه.

وللحق فإن المشكلة لم تعد في التصوير ذاته، بل في النية التي تقف خلفه، لم يعد الهدف توثيق لحظة، بل اقتناص خطأ، تضخيمه، ثم عرضه على جمهور واسع باعتباره "محتوى"، وكأن المجتمع أعاد تعريف الترفيه: لم يعد الضحك على موقف طريف، بل على زلة إنسانية، أو لحظة ضعف، أو تصرف خارج السياق، المشهد يتكرر يوميا: هاتف يُرفع فجأة، عدسة تترصد، مقطع يُنشر خلال دقائق، وتعليقات تنهمر بلا توقف، لا أحد يسأل: ماذا حدث قبل اللقطة؟ ما الظروف؟ ما الحقيقة الكاملة؟ المهم أن هناك مادة قابلة للاستهلاك، وهنا تتحول السوشيال ميديا من منصة تواصل إلى ساحة محاكمات فورية، لا قاضٍ فيها ولا دفاع.

الأخطر أن هذه الظاهرة لم تعد مقتصرة على المشاهير، صحيح أنهم الهدف الأسهل، لكن الدائرة تتسع يومًا بعد يوم، أي شخص قد يجد نفسه فجأة بطل فيديو منتشر، ليس لأنه ارتكب جريمة، بل لأنه صادف شخصا قرر أن يكون "مصورا" بدلًا من أن يكون إنسانا يحترم حدود الآخرين، وبهذا المعنى، نحن لا نعيش فقط عصر التكنولوجيا، بل عصر "المراقبة الشعبية". كل فرد يحمل كاميرا، وكل موقف قابل للنشر، وكل خطأ قابل للتضخيم.

النتيجة؟ مجتمع يعيش حالة توتر دائمة، حيث يصبح الوعي بالكاميرا أعلى من الوعي بالسلوك نفسه. الناس لم تعد تتصرف بطبيعتها، بل وفق حسابات: كيف سأبدو لو تم تصويري؟

الأمر لا يتوقف عند الأفراد، بل يمتد إلى القيم، حين يصبح "الفضح" وسيلة للانتشار، تتآكل مفاهيم مثل الخصوصية، والستر، والتعاطف، وحين يُكافأ من ينشر أكثر، لا من يفهم أكثر، يتحول المشهد إلى سباق محموم نحو الإثارة، حتى لو كانت على حساب كرامة الآخرين.

ما يحدث اليوم ليس حرية تعبير كما يدعي البعض، بل فوضى أخلاقية مقنّعة، حرية التعبير لا تعني أن تتحول إلى رقيب على حياة الآخرين، ولا أن تقتحم مساحتهم الخاصة لتصنع لنفسك محتوى. الفرق كبير بين أن تنقل واقعا يهم المجتمع، وبين أن تصنع "فضيحة" من لا شيء، بل إن الأخطر هو الاعتياد، حين يتكرر المشهد يوميا، يصبح طبيعيا، نصبح أقل حساسية تجاه الانتهاك، وأكثر قابلية لتبريره، ومع الوقت، قد يتحول كل واحد منا—دون أن يشعر—إلى جزء من هذه المنظومة: إما مصور، أو ناشر، أو حتى مجرد متفرج يضغط "إعجاب" فيدعم استمرارها.

وأعترف بأنني لم أعد أشعر بالراحة كما كنت من قبل في الأماكن العامة، ليس لأن المكان تغير، ولا لأن الناس أصبحوا أكثر قسوة بشكل مباشر، بل لأن هناك شيئا صامتا يطاردك في كل لحظة دون استئذان، عدسة صغيرة في يد أي شخص قد تحوّلك فجأة إلى مشهد متداول، الهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال كما كان في الماضي القريب، بل أصبح عينا مفتوحة على مدار الساعة تراقب وتنتظر الفرصة، لا يبحث كثيرون عن لحظة جميلة لتوثيقها بقدر ما يبحثون عن زلة، وكأن الهدف لم يعد الحفظ بل الاصطياد وتحويل البشر إلى محتوى، كنا نظن أن هذه الدائرة تقتصر على المشاهير وحدهم، وكان من السهل تبرير ذلك بكونهم تحت الأضواء دائما، لكن الواقع كشف أن الأضواء لم تعد حكرًا على أحد، كل شخص أصبح مشروع لقطة قابلة للنشر في أي وقت.

الأخطر أننا بدأنا نعتبر هذا السلوك أمرا طبيعيا، نردد أن كل شيء قابل للتصوير ولا مفر من ذلك، نقول إن من لا يريد الظهور عليه أن يختبئ في بيته، وهذا منطق قاسٍ ينقل الخطأ من الفاعل إلى الضحية، هل من الطبيعي أن نعيش ونحن نحسب كل حركة، هل أصبح من الضروري أن نراجع تصرفاتنا خوفًا من كاميرا؟ هل فقدنا القدرة على العفوية لأننا نخشى التوثيق؟ هذه الأسئلة لم تعد فلسفية بل أصبحت واقعا يوميا، نحن ننتقل بهدوء إلى مجتمع يمثل الحياة بدلا من أن يعيشها، نحسب ردود أفعالنا قبل أن نشعر بها بشكل حقيقي، نراقب أنفسنا كما لو كنا أمام جمهور دائم، وهذا التحول يسرق منا أبسط معاني الصدق الإنساني، لكن القصة لا تتوقف عند لحظة التصوير فقط، المرحلة الأخطر تبدأ عندما يتم نشر الفيديو، هنا يتحول الشخص إلى قضية عامة بلا مقدمات، ويصبح الجميع فجأة قضاة يملكون حق الحكم، لا أحد يسأل عن الخلفية أو الظروف أو السياق، المهم أن هناك مادة قابلة للاستهلاك السريع، الفيديو في جوهره جزء صغير من الحقيقة فقط، لكنه يعامل وكأنه الصورة الكاملة بلا نقص، ومن هنا تبدأ المأساة في كثير من الحالات، لأن الحكم يُبنى على مشهد ناقص ومبتور.

إنني لا أهاجم التكنولوجيا في حد ذاتها، ولا أدعو إلى رفض التطور أو العودة إلى الوراء، لكنني أرفض الاستخدام الذي يهدم القيم الإنسانية، وأرفض أن تتحول الأداة إلى وسيلة انتهاك، الكاميرا يمكن أن تكون أداة نبيلة في كثير من الأحيان، يمكن أن تكشف ظلما أو توثق حقيقة مهمة، لكنها قد تتحول إلى سلاح إذا غاب الضمير، والفارق دائما في النية وحدود الاستخدام، والسؤال الذي يجب أن نطرحه بصدق هو عن الحدود، متى يكون التصوير حقا ومتى يصبح تعديا؟ هل كل ما نراه مباح للنشر دون تفكير أم أن هناك خطوطا أخلاقية لا يجب تجاوزها؟ القانون قد لا يمنع كل هذه الأفعال بشكل واضح، لكن الأخلاق يجب أن تكون خط الدفاع الأول، ليس كل ما هو مسموح قانونيا صحيحا إنسانيا، وهذا ما بدأنا نفقده تدريجيا دون أن نشعر، نحن نستبدل سؤال الصواب بسؤال الإباحة فقط، ونسير خلف ما يمكن فعله بدلا  مما يجب فعله، وهذا التحول البسيط في الظاهر خطير في العمق، لأنه يعيد تشكيل طريقة تفكير المجتمع بالكامل.

الأجيال الجديدة تنشأ داخل هذا المناخ يوميا، ترى أن كل شيء قابل للتصوير والنشر بسهولة، وقد لا تدرك معنى الخصوصية كما عرفناه سابقا، وهذا يهدد شكل العلاقات الإنسانية في المستقبل.

وللحق إذا استمر هذا المسار، فلن يبقى هناك خط فاصل بين العام والخاص، ولا بين الخطأ الإنساني والجريمة، ولا بين النقد والتشهير، سنصبح جميعا أسرى عدسة لا تنام، ومجتمعا لا يرى في الآخرين سوى مادة قابلة للنشر، الخطر ليس في الكاميرا، بل في العيون التي تقف خلفها، والعقول التي قررت أن الفضول أهم من القيم، وأن "الترند" أهم من الإنسان.

الصفحة السابعة من العدد رقم 460 الصادر بتاريخ  23 أبريل 2026
تم نسخ الرابط