الاقتصاد المصرى يواجه العاصفة وسط ذروة التوترات الإقليمية والدولية

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- ما وراء الأرقام.. قراءة أعمق في دلالات نمو متوقع بنسبة 4.3% وتراجع التضخم كبداية لمسار طويل لا يخلو من التحديات

- بين الضغوط والقدرة على الاستمرار: كيف تعامل الاقتصاد المصري مع اضطرابات سلاسل الإمداد وتأثيرات التوترات الإقليمية؟

- ثقة لا تأتي من فراغ.. ماذا تعني تمويلات بقيمة 2.5 مليار دولار ومحفظة مشروعات تتجاوز 12 مليارًا في سياق الإصلاح الاقتصادي؟

- الإصلاح الهيكلي كخيار إستراتيجي.. كيف تسعى الدولة لإعادة تشكيل الاقتصاد من الاعتماد إلى الإنتاج وتعزيز دور القطاع الخاص؟

- شراكة لا تبعية.. قراءة في طبيعة التعاون بين مصر والبنك الدولي ودوره في دعم قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين

- إدارة الأزمات بدلًا من الانسياق لها.. كيف تعاملت الدولة مع تحديات قناة السويس وتراجع العملة الصعبة دون انهيار اقتصادي؟

في لحظات كثيرة من عمر الأوطان، لا تكون القيمة الحقيقية فيما يُقال عنها، بل فيما تستطيع أن تثبته بنفسها وسط اختبارات قاسية لا ترحم.

وأنا أقرأ ما كُتب عن إشادة البنك الدولي بصمود الاقتصاد المصري، لم أتعامل مع الخبر باعتباره مجرد سطور تحمل أرقامًا أو تصريحات، بل شعرت بأنني أمام مشهد أكبر، مشهد يعكس حالة دولة اختارت أن تواجه التحديات بدلًا من أن تتهرب منها، وأن تتحمل الكلفة بدلًا من أن تؤجلها.

توقفت طويلًا أمام فكرة أن يأتي التقدير من الخارج، ليس لأنه يمنحنا شرعية، فنحن لا نحتاج إلى شهادة من أحد لنثبت لأنفسنا ما نعرفه جيدًا، ولكن لأن هذه الشهادة في توقيتها تحمل دلالة مختلفة.

العالم اليوم ليس في أفضل حالاته، والاقتصاد الدولي نفسه يمر بحالة من الارتباك، والضغوط على الدول النامية أصبحت أكثر قسوة، ومع ذلك نجد أن الاقتصاد المصري، بكل ما يحيط به من تحديات، لا يزال قادرًا على أن يتحرك، وأن يحقق نموًا متوقعًا يصل إلى 4.3%، وأن يبدأ في استعادة بعض التوازن عبر تراجع معدلات التضخم.

في تقديري الشخصي، أن الأرقام في حد ذاتها لا تحكي القصة كاملة، لكنها تكشف جزءًا مهمًا منها.

عندما نتحدث عن نمو اقتصادي في ظل هذه الظروف، فنحن لا نتحدث عن رفاهية، بل عن قدرة على الاستمرار.

وعندما نشير إلى تراجع التضخم، فنحن لا نصف إنجازًا مكتملًا، بل نرصد بداية طريق يحتاج إلى صبر واستمرار في نفس الاتجاه.

أما الحديث عن تمويلات جديدة تصل إلى 2.5 مليار دولار، ومحفظة مشروعات قائمة بحجم 12.3 مليار دولار، فهو في جوهره تعبير عن ثقة لم تأتِ من فراغ، بل من متابعة حقيقية لمسار الإصلاح ومحاولات ضبط الإيقاع الاقتصادي.

اللافت للنظر أن هذه الإشادة لم تأتِ في وقت هادئ، بل جاءت في ذروة التوترات الإقليمية والدولية.

مصر ليست دولة معزولة عن العالم، بل هي في قلب منطقة تعيش على إيقاع أزمات متلاحقة، من اضطرابات في سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مباشرة على قناة السويس، إلى تراجع في بعض مصادر العملة الصعبة.

كل هذه العوامل كانت كفيلة بأن تُربك أي اقتصاد، وربما تُسقطه، لكن ما حدث هو أن الدولة اختارت أن تدير الأزمة بدلًا من أن تُدار بها.

وأنا هنا لا أتحدث عن إنجازات مثالية، ولا أقدم صورة وردية لا تعكس الواقع، لأن الحقيقة أن المواطن يشعر بالضغوط، ويواجه تحديات يومية تتعلق بالأسعار ومستوى المعيشة، وهذا أمر لا يمكن إنكاره أو التقليل منه.

لكن في المقابل، لا يمكن أيضًا تجاهل أن ما يحدث على مستوى السياسات الاقتصادية هو محاولة حقيقية لإعادة التوازن، حتى وإن كانت النتائج تحتاج إلى وقت حتى تنعكس بشكل كامل على حياة الناس.

ما لفت انتباهي أيضًا في هذا السياق هو الحديث عن الإصلاحات الهيكلية، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم القطاع الخاص.

هذه ليست مجرد عناوين تُكتب في تقارير، بل هي مفاتيح أساسية لأي اقتصاد يريد أن يخرج من دائرة الاعتماد إلى دائرة الإنتاج.

الاقتصاد القوي في رأيي ليس هو الذي يعتمد على التدفقات المؤقتة، بل الذي يبني قاعدة إنتاجية حقيقية، ويمنح الفرصة لقطاع خاص قادر على النمو والمنافسة.

ومن زاوية أخرى، أرى أن التعاون مع المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي، يجب أن يُقرأ باعتباره شراكة وليس تبعية.

مصر لا تتحرك باعتبارها طرفًا ينتظر الدعم فقط، بل كدولة لديها رؤية، وتسعى إلى توظيف هذه الشراكات لخدمة أهدافها التنموية.

وهذا ما يظهر في توجيه التمويلات إلى قطاعات حيوية، مثل الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، وهي مجالات تمس المواطن بشكل مباشر، حتى وإن لم يشعر بذلك فورًا.

في تقديري، أن التحدي الحقيقي في المرحلة القادمة لا يكمن في تحقيق أرقام أفضل فقط، بل في ترجمة هذه الأرقام إلى واقع ملموس.

المواطن لا يهتم كثيرًا بنسبة النمو بقدر ما يهتم بقدرته على العيش بشكل كريم.

لا تعنيه تفاصيل التمويلات بقدر ما يعنيه أن يجد فرصة عمل، أو خدمة أفضل، أو استقرارًا في الأسعار.

وهنا تصبح المسؤولية أكبر، لأن النجاح الحقيقي لأي سياسة اقتصادية هو قدرتها على الوصول إلى الناس، وليس الاكتفاء بالظهور في التقارير.

وربما يكون من المهم أيضًا أن ندرك أن الصمود ليس هدفًا في حد ذاته، بل مرحلة انتقالية.

الصمود يعني أننا لم نسقط، لكنه لا يعني أننا وصلنا.

وما بين البقاء والانطلاق مساحة كبيرة من العمل، تحتاج إلى سرعة في التنفيذ، ووضوح في الرؤية، وجرأة في اتخاذ القرار، خاصة فيما يتعلق بدعم الإنتاج المحلي، وتعزيز الصادرات، وتوسيع قاعدة المشاركة الاقتصادية.

أنا أؤمن بأن مصر تمتلك من الإمكانيات ما يجعلها قادرة على تجاوز هذه المرحلة، ليس فقط بسبب موقعها أو تاريخها، ولكن بسبب ما تم بناؤه خلال السنوات الماضية من بنية تحتية، وشبكات طرق، ومشروعات قومية، وخبرة متراكمة في إدارة الأزمات.

لكن هذه الإمكانيات تحتاج إلى إدارة ذكية، تستفيد منها بأقصى قدر ممكن، وتُحولها إلى فرص حقيقية للنمو.

وفي النهاية، أستطيع أن أقول إن إشادة البنك الدولي بالاقتصاد المصري ليست مجرد خبر عابر، بل هي مؤشر يستحق التوقف والتأمل.

لكنها في الوقت نفسه ليست النهاية، ولا ينبغي أن نتعامل معها باعتبارها شهادة نجاح مكتملة.

هي خطوة في مسار طويل، ومسؤولية أكبر في أن نحافظ على هذا المسار، وأن نطوره، وأن نجعله أكثر قربًا من المواطن.

ما أراه اليوم هو اقتصاد يحاول أن يثبت أنه قادر على الصمود، لكن ما أتمناه غدًا هو اقتصاد يمنح الناس إحساسًا حقيقيًا بالراحة والاستقرار.

وبين ما هو قائم وما نطمح إليه، تبقى الإرادة والعمل هما الفارق الحقيقي.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 461 الصادر بتاريخ  30 أبريل 2026
تم نسخ الرابط