30 يونيو.. حين انتصرت الدولة المصرية على مشروع السقوط

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- من الظلم اختزال ثورة 30 يونيو في مجرد إسقاط حكم جماعة الإخوان

- الهدف الحقيقي كان استعادة الدولة والحفاظ على هويتها الوطنية ومنع تفكيك مؤسساتها

- بعد 30 يونيو بدأت مرحلة جديدة مليئة بالتحديات ولم يكن الطريق سهلًا

- استعادة الدولة كانت الخطوة الأولى الضرورية لأي عملية بناء وتنمية

- الدولة المصرية استعادت قدرتها على الحركة والعمل والتخطيط للمستقبل

- قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو إمكانات وإنما بما تمتلكه شعوبها من وعي وإرادة

- الشعوب الحية لا تسمح باختطاف أوطانها مهما كانت الظروف

توقفت طويلًا خلال الأيام الماضية أمام ذكرى الثلاثين من يونيو، ليس لأنها مجرد مناسبة وطنية تتجدد كل عام، ولكن لأنها واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يصعب على أي مصري أن يتعامل معها باعتبارها حدثًا عابرًا في سجل التاريخ.

هناك أيام تمر ثم تتحول إلى ذكريات، وهناك أيام أخرى تتحول إلى علامات فارقة تظل حاضرة في الوجدان مهما مرت السنوات.

وأعتقد أن 30 يونيو تنتمي بجدارة إلى النوع الثاني.

أعترف بأنني كلما استعدت مشاهد تلك الأيام، لا أتذكر فقط الحشود التي ملأت الميادين والشوارع من أقصى البلاد إلى أقصاها، ولا أتذكر فقط الهتافات والصور والأعلام التي كانت ترفرف فوق الرؤوس، وإنما أتذكر شيئًا آخر ربما يكون أكثر أهمية. أتذكر ذلك الشعور العميق الذي كان يسكن الناس.

شعور الخوف على الوطن. شعور القلق على المستقبل.

شعور الإحساس بأن مصر التي عرفناها جميعًا تقف أمام مفترق طرق خطير، وأن القرار الذي سيتخذه شعبها في تلك اللحظة لن يؤثر على حاضرها فقط، بل على أجيال قادمة لم تولد بعد.

كنت أتابع المشهد وقتها مثل ملايين المصريين، وكنت أرى كيف تتسع دائرة القلق يومًا بعد يوم.

لم تكن المشكلة في خلاف سياسي طبيعي يمكن أن تشهده أي دولة ديمقراطية، ولم تكن مجرد معركة انتخابية بين تيارات مختلفة، بل كانت المسألة أعمق من ذلك بكثير.

كان السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: إلى أين تسير الدولة المصرية؟ وهل ما يحدث مجرد تجربة حكم قابلة للتصحيح أم أنه بداية مشروع يستهدف تغيير طبيعة الدولة وهويتها ومؤسساتها؟

ومع مرور الوقت بدأت الإجابات تظهر بوضوح أمام الجميع.

كانت حالة الاستقطاب تتصاعد بشكل غير مسبوق، وكانت لغة الإقصاء تحل محل لغة الشراكة الوطنية، وكانت مؤسسات الدولة تتعرض لضغوط متزايدة، بينما بدا واضحًا أن هناك من يتعامل مع مصر باعتبارها غنيمة سياسية وليست وطنًا يضم أكثر من مائة مليون إنسان ينتمون إلى حضارة ضاربة في عمق التاريخ.

لا أخفي أنني كنت أشعر وقتها بقلق حقيقي.

ليس على نفسي أو على جيلي فقط، وإنما على فكرة الدولة ذاتها.

فالدول لا تسقط فجأة، وإنما تبدأ رحلتها نحو التراجع عندما تضعف مؤسساتها ويختل توازنها وتتراجع فكرة الانتماء الوطني أمام أي انتماءات أخرى.

ولهذا السبب تحديدًا أرى أن ما جرى في الثلاثين من يونيو لم يكن مجرد احتجاج سياسي واسع النطاق، وإنما كان لحظة دفاع جماعي عن الدولة المصرية.

أكثر ما لفت انتباهي في تلك الأيام أن الذين خرجوا إلى الشوارع لم يكونوا ينتمون إلى فئة واحدة أو طبقة واحدة أو تيار سياسي واحد.

كانوا مصر بكل تنوعها.

رأيت الشباب وكبار السن.

رأيت العمال والمهنيين والأطباء والمهندسين والطلاب.

رأيت الأمهات وهن يحملن أبناءهن الصغار وكأنهن يردن أن يشاركنهم لحظة من أهم لحظات تاريخ الوطن.

ورأيت وجوهًا بسيطة ربما لم تقرأ يومًا كتابًا في السياسة، لكنها كانت تدرك بفطرتها أن البلد يمر بمرحلة استثنائية تحتاج إلى موقف استثنائي.

وأعتقد أن هذه النقطة تحديدًا هي سر عظمة 30 يونيو.

فالثورات الحقيقية لا يصنعها السياسيون وحدهم، وإنما تصنعها الشعوب عندما تشعر بأن مصالحها العليا أصبحت مهددة.

لقد خرج المصريون لأنهم شعروا بأن وطنهم يستحق الدفاع عنه.

خرجوا لأنهم لم يقبلوا أن تتحول الدولة إلى أداة في يد جماعة أو تنظيم. خرجوا لأنهم أرادوا أن تبقى مصر ملكًا لكل أبنائها، لا حكرًا على أحد.

عندما أنظر اليوم إلى ما جرى في بعض دول المنطقة خلال السنوات التي أعقبت ما سمي بالربيع العربي، أدرك أكثر من أي وقت مضى حجم الخطر الذي كانت مصر تواجهه آنذاك.

بعض الدول فقدت أجزاء من أراضيها.

وبعضها انهارت مؤسساته بالكامل.

وبعضها دخل في دوامات من الصراعات ما زالت مستمرة حتى الآن.

وعندما أقارن بين تلك المشاهد وبين ما آلت إليه الأوضاع في مصر، أزداد اقتناعًا بأن ما حدث في 30 يونيو لم يكن مجرد تحول سياسي، بل كان عملية إنقاذ وطنية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

لقد أثبتت تلك الثورة أن الشعب المصري يمتلك وعيًا تاريخيًا فريدًا. وربما يكون هذا الوعي هو أحد أسرار بقاء الدولة المصرية عبر آلاف السنين رغم ما مرت به من تحديات وأزمات.

فالمصريون قد يختلفون حول السياسات والبرامج والرؤى، لكنهم يجتمعون دائمًا عندما يشعرون بأن الوطن نفسه أصبح في دائرة الخطر.

ومن أكثر المشاهد التي أراها معبرة عن تلك اللحظة التاريخية حالة التلاحم التي نشأت بين الإرادة الشعبية والمؤسسات الوطنية.

لقد أدركت مؤسسات الدولة حجم الغضب الشعبي واتخذت موقفًا منحازًا إلى إرادة الملايين الذين خرجوا يطالبون بتصحيح المسار.

وهنا تحقق ذلك التوازن الدقيق الذي أنقذ البلاد من الانزلاق إلى مصير مجهول.

وأرى أن من الظلم اختزال ثورة 30 يونيو في مجرد إسقاط حكم جماعة الإخوان المسلمين.

صحيح أن هذا كان أحد نتائجها المباشرة، لكنه لم يكن الهدف الوحيد أو حتى الهدف الأكبر.

الهدف الحقيقي كان استعادة الدولة والحفاظ على هويتها الوطنية ومنع تفكيك مؤسساتها.. ولهذا السبب بقيت الثورة حاضرة في الوجدان المصري حتى اليوم.

بعد 30 يونيو بدأت مرحلة جديدة مليئة بالتحديات.

لم يكن الطريق سهلًا، ولم تكن المشكلات قليلة.

كانت هناك تحديات أمنية واقتصادية ضخمة، وكانت هناك محاولات مستمرة لإرباك الدولة وإضعافها.

لكن ما حدث بعد ذلك أثبت أن استعادة الدولة كانت الخطوة الأولى الضرورية لأي عملية بناء وتنمية.

وعلى مدار السنوات التالية شهدت مصر تنفيذ مشروعات قومية كبرى في مختلف المجالات.

قد تختلف الآراء حول بعض التفاصيل، وقد تتباين التقييمات من شخص إلى آخر، لكن ما لا يمكن إنكاره أن الدولة المصرية استعادت قدرتها على الحركة والعمل والتخطيط للمستقبل.

وهذا في حد ذاته كان إنجازًا بالغ الأهمية إذا ما وضعناه في سياق الظروف التي كانت تمر بها المنطقة بأكملها.

وأعتقد أن أهم درس يمكن أن نتعلمه من 30 يونيو هو أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من موارد أو إمكانات، وإنما بما تمتلكه شعوبها من وعي وإرادة.

فالشعوب الواعية قادرة دائمًا على تصحيح المسار عندما تشعر بوجود خطر يهدد مستقبلها.

وهذا بالضبط ما فعله المصريون في تلك اللحظة التاريخية.

واليوم وبعد أكثر من عقد على الثورة، أرى أن قيمة 30 يونيو لا تكمن فقط فيما حققته آنذاك، وإنما في الرسالة التي ما زالت تحملها حتى الآن.

رسالة تؤكد أن الدولة الوطنية الحديثة تظل الضامن الحقيقي للاستقرار والتنمية.

ورسالة أخرى تؤكد أن الشعوب الحية لا تسمح باختطاف أوطانها مهما كانت الظروف.

وفي كل مرة أستعيد فيها مشاهد ذلك اليوم، أعود إلى فكرة واحدة لا تغيب عن ذهني.

لقد خرج المصريون يومها دفاعًا عن وطن لم يكن يطلب منهم سوى أن يحافظوا عليه.

لم يخرجوا بحثًا عن مكاسب شخصية، ولم يخرجوا طمعًا في سلطة أو نفوذ، وإنما خرجوا لأنهم أحبوا مصر وخافوا عليها.

ولهذا ستظل الثلاثون من يونيو واحدة من أهم المحطات في تاريخ الدولة المصرية الحديثة.

ستظل شاهدًا على قدرة شعب عريق على استعادة زمام أموره عندما يشعر بالخطر.

وستظل دليلًا على أن الأوطان لا يحميها السلاح وحده ولا السياسة وحدها، وإنما يحميها قبل كل شيء شعب يؤمن بها ويتمسك بها ويرفض أن يراها تسقط أو تضيع.

وأظن أن هذه هي الحقيقة الأهم التي ستبقى بعد مرور السنوات وتغير الأجيال.

فالدول تبقى عندما يتمسك أبناؤها بها، ومصر في الثلاثين من يونيو قدمت للعالم درسًا واضحًا في معنى الانتماء، ومعنى المسؤولية الوطنية، ومعنى أن يقرر شعب بأكمله أن يقف دفاعًا عن وطنه في اللحظة التي شعر فيها بأن الوطن يحتاج إليه.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 468 الصادر بتاريخ 25 يونيو 2026
تم نسخ الرابط