قاهر الزمن وسلطان النغم:
- عمرو دياب ينتصر على الزمن ويعيد كتابة أسطورته بألبوم «حبيتك»
- الألبوم يعيد رسم ملامح صيف الموسيقى العربية.. ويؤكد أن الهضبة لا يزال صاحب الكلمة الأولى
- قاهر الزمن.. يتوج عرشه الفني بأرقام قياسية غير مسبوقة ويثبت أن الاستمرارية فن لا يتقنه إلا الكبار
- سيد العصر الرقمي.. حضور كاسح وصدارة مطلقة على منصات الموسيقى منذ اللحظات الأولى لطرح الألبوم
- تنوع فني مدروس بجميع الأغنيات يمزج الرومانسية والإيقاع والدراما في مشروع موسيقي متكامل
- «حبيتك».. درس متجدد في الإصرار والشغف.. والهضبة يثبت أن النجاح الحقيقي تصنعه ثقة الجمهور
لا يزال عمرو دياب حالة فنية يصعب تفسيرها بالمنطق وحده، فالرجل الذي تجاوز فكرة المنافسة التقليدية منذ سنوات، لا يعود في كل صيف بألبوم جديد فحسب، بل يعود ومعه حالة من الترقب والفضول والرهان أيضا، وبينما تتغير الأذواق، وتتبدل الأجيال، وتظهر عشرات الأصوات الجديدة كل عام، يبقى اسم عمرو دياب وحده قادرا على إيقاف المشهد للحظات، وكأن الجمهور ينتظر موعدا سنويا مع جزء من ذاكرته.
وأعترف بأن علاقتي بعمرو دياب لم تكن يوما مجرد علاقة مستمع بمطرب، ففي كل مرة أستمع فيها إلى عمل جديد له، أشعر بأنني أمام فنان يعرف جمهوره كما يعرف نفسه، يعرف متى يفاجئهم، ومتى يقترب منهم، ومتى يترك مساحة لكل شخص ليجد نفسه داخل أغنية. وهذه ربما هي الموهبة الأكبر التي لا تمنحها الدراسة ولا تصنعها التكنولوجيا، وإنما تولد مع الفنان الحقيقي.
ولذلك، حين صدر ألبوم «حبيتك»، لم أتعامل معه باعتباره مجموعة من الأغنيات الجديدة، بل باعتباره فصلا جديدا في رحلة طويلة من النجاح المستمر، رحلة أثبت خلالها عمرو دياب أنه لا يعيش على أمجاد الماضي، بل يصنع في كل مرة أسبابا جديدة لبقائه في القمة، ومنذ الساعات الأولى لطرح الألبوم، فرض حضوره بقوة على الساحة الموسيقية، وحقق انتشارا واسعا، وتصدر قوائم الاستماع في عدد من منصات الموسيقى الرقمية، كما سجل حضورا لافتا على أنغامي وآبل ميوزيك وسبوتيفاي وآي تيونز، في مشهد يؤكد أن الهضبة لا يزال الرقم الأصعب في صناعة الموسيقى العربية.
وربما ما يميز هذا الألبوم أنه لا يعتمد على فكرة واحدة، ولا يسير في اتجاه موسيقي واحد، وإنما يقدم باقة متنوعة تمنح كل مستمع ما يبحث عنه. هناك الأغنية الرومانسية، والإيقاع الصيفي، والدراما الهادئة، والموسيقى العصرية، وكل ذلك دون أن يفقد الألبوم هويته أو بصمته الخاصة.
ويضم الألبوم اثنتي عشرة أغنية جاءت ثمرة تعاون مع نخبة من أهم الشعراء والملحنين والموزعين في الوطن العربي، وهو ما يعكس حرص عمرو دياب الدائم على اختيار أفضل العناصر في كل عمل يقدمه، حيث يفتتح الألبوم بأغنية «لولا البنات» من كلمات مصطفى البرنس، وألحان عمرو دياب، وتوزيع أحمد إبراهيم، وهي أغنية تحمل روحا مرحة وإيقاعا سريعا يناسب أجواء الصيف، وتكشف في الوقت نفسه عن استمرار شغف الهضبة بالتلحين وتقديم أفكار موسيقية جديدة، ثم تأتي «الألوان» من كلمات مصطفى حدوتة، وألحان إيهاب عبد الواحد، وتوزيع أحمد إبراهيم، لتقدم حالة رومانسية مفعمة بالمشاعر، بينما تواصل أغنية «جيتلك» كلمات رزام، وألحان نادر نور، وتوزيع عادل حقي، هذا الخط العاطفي بأسلوب مختلف يعتمد على البساطة والدفء.
أما الأغنية الرئيسية «حبيتك»، التي تحمل اسم الألبوم، فهي من كلمات أمير طعيمة، وألحان عمرو مصطفى، وتوزيع أحمد إبراهيم، وتمثل قلب المشروع الفني كله، إذ تجمع بين اللحن السلس والكلمات القريبة من القلب والأداء الذي يجيد عمرو دياب تقديمه منذ سنوات طويلة دون أن يفقد بريقه، وفي «غيابه فرق» من كلمات أيمن بهجت قمر، وألحان محمد يحيى، وتوزيع أحمد إبراهيم، يقترب الألبوم من المنطقة الإنسانية التي يتقنها الهضبة، حيث تتحول المشاعر إلى صور موسيقية رقيقة، بينما تأتي «أنا معاك» من كلمات أمير طعيمة، وألحان عمرو مصطفى، وتوزيع أحمد إبراهيم، لتؤكد أن الأغنية الرومانسية لا تزال أحد أهم مفاتيح نجاح عمرو دياب، وتحمل أغنية «المفضل» كلمات منة القيعي، وألحان محمد يحيى، وتوزيع عادل حقي، روحا مختلفة تعتمد على لغة معاصرة تناسب الجيل الجديد، بينما تواصل «وانتي جنبي» من كلمات مصطفى حدوتة، وألحان إيهاب عبد الواحد، وتوزيع أحمد إبراهيم، رسم صورة رومانسية هادئة تعتمد على البساطة والأناقة في آن واحد، وفي «بحاول» يعود عمرو دياب إلى التلحين بنفسه، مع كلمات تامر حسين وتوزيع أسامة الهندي، ليقدم عملا يحمل قدرا كبيرا من الصدق والإحساس، فيما تمنح «12 بالليل» كلمات مصطفى حدوتة، وألحان محمد يحيى، وتوزيع أسامة الهندي، الألبوم جرعة إضافية من الحيوية والإيقاع العصري، ولا يمكن إغفال «سلام كبير» من كلمات أيمن بهجت قمر، وألحان أدهم بهجت قمر، وتوزيع أحمد إبراهيم، وهي أغنية تحمل رسالة إيجابية بروح مختلفة، قبل أن يختتم الألبوم بأغنية «اتأخر عتابنا» من كلمات رزام، وألحان عمرو مصطفى، وتوزيع أسامة الهندي، لتترك أثرا عاطفيا هادئا يليق بنهاية عمل متكامل.
واللافت في «حبيتك» أن عمرو دياب لم يعتمد على أسماء بعينها، بل صنع مزيجا متوازنا بين الخبرة والشباب. فهناك أمير طعيمة، وأيمن بهجت قمر، وتامر حسين، ومنة القيعي، ومصطفى حدوتة، ومصطفى البرنس، ورزام، إلى جانب ملحنين بحجم عمرو مصطفى، ومحمد يحيى، وإيهاب عبد الواحد، ونادر نور، وأدهم بهجت قمر، بينما تولى التوزيع موسيقيون أصحاب بصمة واضحة مثل أحمد إبراهيم، وعادل حقي، وأسامة الهندي. وهذا التنوع منح الألبوم ثراء واضحا، دون أن يفقد وحدته الفنية.
وللحق فإن سر نجاح عمرو دياب لا يكمن فقط في جودة الأغنيات، وإنما في احترامه الدائم لجمهوره، فهو لا يقدم عملا لأنه اعتاد إصدار ألبوم كل عام، وإنما لأنه يدرك أن الجمهور ينتظر منه الجديد دائما، ولذلك يراجع التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويبحث عن أفضل الكلمات، وأقوى الألحان، وأحدث التوزيعات، ليخرج العمل بالصورة التي تليق باسمه وتاريخه، ولهذا لم يعد غريبا أن يتحول صدور أي ألبوم جديد للهضبة إلى حدث فني يتجاوز حدود الأغنيات نفسها، فوسائل التواصل الاجتماعي تمتلئ بالنقاشات، ومنصات الموسيقى تشهد إقبالا كبيرا، والجمهور يتسابق لاختيار أغنيته المفضلة، وكأن الجميع يشارك في الاحتفاء بعودة فنان استطاع أن يحافظ على مكانته رغم مرور أكثر من أربعة عقود على انطلاقته.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة عمرو دياب أنه لم يسمح يوما للنجاح بأن يتحول إلى منطقة راحة، بل تعامل معه دائما باعتباره مسؤولية تتجدد مع كل عمل جديد، فبينما اكتفى كثيرون بتكرار ما صنع لهم المجد، اختار هو أن يخوض في كل مرة مغامرة مختلفة، يقترب فيها من نبض الجيل الجديد دون أن يتخلى عن جمهوره الذي رافقه لعقود، وهذه المعادلة شديدة الصعوبة هي التي صنعت مكانته الاستثنائية، إذ أصبح الفنان الوحيد القادر على مخاطبة أكثر من جيل في الوقت نفسه، فتجد أغنياته حاضرة في سيارات الشباب، وهواتفهم، وحفلاتهم، كما تجدها في ذاكرة الآباء والأمهات الذين عاشوا معه محطات فنية لا تنسى، لذلك لم يعد نجاح عمرو دياب حدثا مفاجئا، بل أصبح امتدادا طبيعيا لمسيرة تقوم على الاجتهاد، واحترام الجمهور، والإيمان بأن الفن الحقيقي لا يعرف التوقف، وأن البقاء في الصدارة لا يتحقق بضربة حظ، وإنما برؤية واضحة، وعمل دؤوب، وقدرة استثنائية على قراءة المستقبل قبل أن يصل.
وليس من المبالغة القول إن «حبيتك» يعكس مرحلة جديدة من النضج الفني في مسيرة الهضبة، فهو ألبوم يجمع بين الهوية التي أحبها الجمهور منذ سنوات طويلة، وبين روح موسيقية معاصرة تواكب تطور الصناعة العالمية، فكل أغنية تبدو وكأنها قطعة مستقلة تحمل شخصيتها الخاصة، لكنها في النهاية تنتمي إلى مشروع فني واحد متماسك، يعرف ماذا يريد أن يقول، وكيف يقوله، ومن هنا جاءت حالة الالتفاف الجماهيري الواسعة حول الألبوم، والإقبال الكبير على الاستماع إليه منذ اللحظات الأولى لطرحه، ليؤكد مرة أخرى أن عمرو دياب لا ينافس أحدا بقدر ما ينافس تاريخه الشخصي، ويضع أمام نفسه في كل عمل سقفا أعلى من سابقه. وهذه ربما هي القيمة الحقيقية لفنان استطاع أن يحول الاستمرارية إلى إنجاز، وأن يجعل من كل ألبوم جديد موعدا ينتظره الجمهور العربي بثقة كاملة في أنه سيجد عملا يليق باسم ظل لعقود عنوانا للنجاح والتجدد.
وإحقاقا للحق فإن الهضبة يواصل تقديم درس مختلف، درس عنوانه أن الاستمرار أصعب كثيرا من الوصول، وأن الحفاظ على القمة يحتاج إلى جهد أكبر من الصعود إليها.
وهذا ما يفعله الرجل عاما بعد عام، وألبوما بعد آخر، ويبقى «حبيتك» أكثر من مجرد ألبوم جديد في مسيرة عمرو دياب، إنه رسالة تؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يعرف العمر، وأن الفنان الذي يحترم فنه وجمهوره يظل قادرا على صناعة الفارق مهما تغيرت الظروف.
ولعلني أجد نفسي أعود إلى الفكرة نفسها التي بدأت بها.. عمرو دياب ليس مجرد مطرب ناجح، ولا مجرد نجم جماهيري، بل هو تجربة مصرية استثنائية صنعت لنفسها مكانة يصعب تكرارها، ومع كل ألبوم جديد، يثبت أن الزمن قد يغير كل شيء، إلا الفنان الذي يعرف كيف يتجدد دون أن يفقد روحه، ولهذا، لم يكن «حبيتك» مجرد عنوان لألبوم، بل كان عنوانا جديدا لفصل آخر من رحلة فنان لا يزال، بعد كل هذه السنوات، يعرف الطريق إلى قلوب الناس كما لو أنه يبدأ من جديد في كل مرة.




