صابر سالم يكتب: الموسم السياحي الشتوي في مصر وضرورة الاستعداد المبكر
تدخل مصر خلال الشهور المقبلة واحدًا من أهم مواسمها السياحية، وهو الموسم الشتوي الذي يمثل فرصة كبيرة لتعزيز حركة السياحة الوافدة والبناء على معدلات النمو التي حققها القطاع خلال الفترة الماضية.
فبينما تعاني كثير من المقاصد المنافسة من انخفاض درجات الحرارة، تمتلك مصر ميزة استثنائية تتمثل في طقس معتدل ومشمس، خاصة في مدن البحر الأحمر والأقصر وأسوان، وهو ما يجعل الشتاء أحد أفضل أوقات العام لزيارة المقصد المصري.
وتشير المنصة الرسمية للترويج السياحي إلى أن متوسط درجات الحرارة نهارًا خلال الشتاء يدور حول 20 درجة مئوية، مع أجواء أكثر دفئًا في جنوب البلاد ومناطق البحر الأحمر.
أهمية الموسم المقبل تتضاعف في ضوء النتائج القوية التي سجلتها السياحة المصرية خلال العام الماضي، إذ أعلنت وزارة السياحة والآثار أن مصر استقبلت نحو 19 مليون سائح خلال 2025، بزيادة بلغت 21% مقارنة بعام 2024، وهو أعلى رقم سنوي أعلنته البلاد حتى ذلك الوقت.
كما شهدت رحلات الطيران السياحي العارض نموًا بنسبة 32%، ووصلت الرحلات السياحية إلى المقاصد المصرية من 193 مدينة حول العالم.
هذه الأرقام ترفع سقف التوقعات، لكنها في الوقت نفسه تجعل الاستعداد المبكر للموسم الشتوي ضرورة وليس خيارًا.
فزيادة أعداد السائحين يجب أن يقابلها ارتفاع مماثل في قدرة المقاصد المختلفة على استقبالهم وتقديم خدمات تحافظ على الصورة الإيجابية للمقصد المصري وتدفع الزائر إلى العودة مرة أخرى والتوصية بزيارة مصر.
ويبدأ الاستعداد من المطارات والمنافذ السياحية، باعتبارها أول نقطة اتصال بين السائح والمقصد، من خلال ضمان انسيابية إجراءات الوصول والمغادرة، ورفع كفاءة الخدمات، وتنظيم حركة النقل من المطارات إلى المناطق السياحية.
ويتطلب الموسم كذلك التنسيق المبكر مع شركات الطيران ومنظمي الرحلات في الأسواق الرئيسية، والتوسع في الرحلات المباشرة والعارضة إلى المدن السياحية، خاصة شرم الشيخ والغردقة ومرسى علم والأقصر وأسوان.
ولا يقل القطاع الفندقي أهمية عن الطيران.
فارتفاع الطلب خلال أشهر الشتاء يستوجب الاستعداد من الآن بمراجعة الطاقة الفندقية، ومستوى الصيانة والنظافة، وجودة الأغذية، وكفاءة العاملين، مع الحفاظ على مستوى خدمة يتناسب مع الأسعار التي يدفعها السائح.
المنافسة العالمية لم تعد قائمة على امتلاك الآثار أو الشواطئ فقط، بل على جودة التجربة منذ لحظة الحجز وحتى مغادرة الزائر.
كما تمثل السياحة الثقافية أحد أهم عناصر القوة خلال الشتاء.
وقد أعلنت الوزارة أن المواقع الأثرية والمتاحف – باستثناء المتحف المصري الكبير والمتحف القومي للحضارة المصرية في الإحصاء المشار إليه – استقبلت 18.6 مليون زيارة لسائحين أجانب خلال 2025، بنمو بلغ 33.5% مقارنة بالعام السابق.
وهذه الزيادة تفرض مزيدًا من الاهتمام بإدارة حركة الزائرين، وتطوير الخدمات حول المواقع، وتنظيم النقل السياحي، وتوفير المعلومات والإرشادات بصورة واضحة ومتعددة اللغات.
الترويج بدوره يجب أن يبدأ قبل الموسم لا خلاله.
فقرار السفر يصنعه السائح قبل أسابيع أو شهور، وبالتالي فإن الحملات الموجهة للأسواق الأوروبية وغيرها يجب أن تتحرك مبكرًا، مع تقديم مصر باعتبارها أكثر من مقصد واحد؛ فمن الممكن خلال رحلة واحدة الجمع بين آثار القاهرة والأقصر وأسوان، ورحلات النيل، وشواطئ البحر الأحمر، والسياحة الصحراوية والترفيهية.
وتتفق هذه الرؤية مع الاستراتيجية التي تروج لها وزارة السياحة والآثار تحت شعار «مصر.. تنوع لا يُضاهى»، والهادفة إلى إبراز تعدد المنتجات السياحية المصرية.
ويبقى العنصر البشري أساس نجاح أي موسم.
تدريب العاملين، وسرعة التعامل مع شكاوى الزائرين، والانضباط في الأسعار، ومنع الممارسات الفردية التي تسيء إلى التجربة السياحية، كلها تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها قادرة على صناعة انطباع كامل عن الدولة.
الموسم الشتوي المقبل فرصة للبناء على عام استثنائي للسياحة المصرية، لكن الحفاظ على النمو أصعب من تحقيقه للمرة الأولى.
والنجاح الحقيقي لن يقاس فقط بعدد من يدخلون البلاد، وإنما بقدرة مصر على تحويل كل سائح إلى سفير للمقصد المصري.
ومن هنا يصبح الاستعداد المبكر، والتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص، وتحسين جودة الخدمة، والترويج الذكي، عناصر حاسمة لتحويل موسم شتوي ناجح إلى خطوة جديدة نحو نمو سياحي مستدام.




