الطب رسالة قبل أن يكون مهنة.. دكتور محمد كمال يفتح أبواب «عيادات السلام» للبسطاء بـ50 جنيهًا للكشف
في زمن عزت فيه الرحمة، وتسابقت بعض العيادات على رفع أسعار الكشف والعلاج، يبقى هناك من يرى الطب رسالة قبل أن يكون مهنة، وبلسمًا يداوي الأوجاع لا عبئًا جديدًا يثقل كاهل المريض وأسرته.
من هذا الإيمان انطلقت تجربة الدكتور محمد كمال، أخصائي طب وجراحة الفم والأسنان، الذي اختار أن يجعل من عيادته مساحة للإنسان قبل أن تكون مكانًا لتقديم الخدمة الطبية، مؤمنًا بأن المريض الذي يدخل باب الطبيب وهو يتألم، لا ينبغي أن يخرج منه مثقلًا بهموم مادية تفوق قدرته.

وفي «عيادات السلام»، قرر الدكتور محمد كمال أن يكون الكشف بـ50 جنيهًا فقط، في خطوة تبدو بسيطة في رقمها، لكنها تحمل معنى كبيرًا في زمن أصبحت فيه تكلفة الرعاية الطبية هاجسًا يؤرق كثيرًا من الأسر، خصوصًا البسطاء الذين قد يؤجلون علاجهم أو يتحملون الألم خشية الأعباء المالية.

بالنسبة للدكتور محمد كمال، لم يكن هذا القرار مجرد تخفيض في قيمة الكشف، وإنما امتداد لفكرة آمن بها منذ سنوات الدراسة والتكوين العلمي والمهني؛ فكرة أن الطبيب الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الشهادات التي يحملها أو المناصب التي يشغلها، وإنما بما يتركه من أثر في حياة مرضاه.
وارتبطت هذه الرؤية لديه بتجربته الأكاديمية في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، التي تخرج فيها، وحصل منها على درجة الماجستير في جراحة الفم والوجه والفكين. وفي بيئة أكاديمية حملت اسم الدكتور الراحل سعاد كفافي، مؤسس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، وجد نموذجًا يلهمه في الجمع بين العلم وخدمة المجتمع، وأن قيمة المعرفة لا تكتمل إلا عندما تتحول إلى أثر حقيقي في حياة الناس.

فالتعليم بالنسبة للدكتور محمد كمال لم يكن طريقًا للحصول على مؤهل أو الوصول إلى منصب، وإنما وسيلة لاكتساب القدرة على خدمة الإنسان بصورة أفضل.
ومع انتقاله من مقاعد الدراسة إلى الحياة العملية، ظل هذا المعنى حاضرًا في اختياراته المهنية، حتى أصبح العمل الطبي بالنسبة إليه مزيجًا من الخبرة والمسؤولية والرحمة.
وتزداد قيمة هذه التجربة مع ما يحمله الدكتور محمد كمال من خبرة عملية وأكاديمية؛ فهو أخصائي طب وجراحة الفم والأسنان، كما يشغل منصب مدير الطوارئ بمستشفى الساحل التعليمي، وهو ما وضعه في مواجهة يومية مع حالات مختلفة من الألم والحالات الطارئة، وجعله أكثر قربًا من احتياجات المرضى وما يمكن أن تعنيه سرعة التدخل وحسن التعامل في لحظة يكون فيها المريض في أشد احتياج إلى من يطمئنه قبل أن يعالجه.

ومن هنا جاءت فلسفته في التعامل مع المرضى: لا فصل بين الطبيب والإنسان، ولا يمكن أن تكون المهنة مجرد حسابات مالية. فالمريض الذي يأتي إلى العيادة ليس رقمًا في دفتر المواعيد، وإنما إنسان يحمل ألمًا وقلقًا وأسئلة، وربما أسرة تنتظر منه أن يعود إليها سالمًا.
ولهذا اختار أن يبدأ علاقته بالمريض من نقطة بسيطة: أن يكون العلاج متاحًا قدر الإمكان.
قد يبدو مبلغ الـ50 جنيهًا رقمًا صغيرًا، لكنه بالنسبة إلى أسرة محدودة الدخل قد يكون الفارق بين زيارة الطبيب وتأجيل العلاج، وبين اكتشاف المشكلة مبكرًا وتركها تتفاقم. وفي طب الأسنان تحديدًا، قد يؤدي تأجيل الكشف إلى مضاعفات أكبر وتكاليف أعلى، بينما يمكن للتدخل المبكر أن يختصر كثيرًا من الألم والإنفاق.
وهنا تتحول مبادرة الكشف منخفض التكلفة من مجرد قيمة مالية إلى رسالة إنسانية أوسع: لا تجعلوا الخوف من تكلفة الطبيب سببًا لاستمرار الألم.
هذه الفكرة هي الأقرب إلى مفهوم «الطب كرسالة»، الذي يرى أن الطبيب لا يداوي الجسد فقط، وإنما يخفف كذلك من خوف المريض وقلقه، ويمنحه شعورًا بأن هناك من يهتم بألمه دون أن ينظر إليه باعتباره فرصة للربح.
وفي تجربة الدكتور محمد كمال، يبدو واضحًا أن النجاح المهني لا ينفصل عن المسؤولية الاجتماعية. فخبرته في المجال الطبي، ودراسته المتخصصة في جراحة الفم والوجه والفكين، وعمله في مستشفى الساحل التعليمي، كلها أدوات يستخدمها لخدمة المريض، بينما تمثل عيادته مساحة أخرى لترجمة هذا الإيمان إلى ممارسة يومية.
وإذا كان كثيرون يدخلون المجال الطبي بحثًا عن مستقبل مهني، فإن بعض الأطباء يضيفون إلى ذلك معنى آخر: أن يكون النجاح الحقيقي في عدد المرضى الذين استطاعوا مساعدتهم، والآلام التي خففوها، والدعوات التي خرجت من قلوب أناس لم يكن بمقدورهم تحمل تكاليف علاج مرتفعة.
ومن جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، حيث بدأ الدكتور محمد كمال رحلته الأكاديمية، إلى المستشفى والعيادة، امتدت الفكرة نفسها: العلم لا قيمة له إذا لم يجد طريقه إلى الناس.
ولهذا يمكن النظر إلى تجربة الكشف بـ50 جنيهًا باعتبارها أكثر من مجرد سعر معلن؛ إنها محاولة لإعادة الاعتبار إلى معنى ربما غاب وسط سباق الأسعار، وهو أن الطب في جوهره علاقة إنسانية قبل أن يكون معاملة مالية.
وفي النهاية، قد تنتهي زيارة المريض عند باب العيادة، وقد ينسى بعد سنوات تفاصيل الكشف أو العلاج، لكنه غالبًا لن ينسى الطبيب الذي شعر معه بأن ألمه مفهوم، وأن ظروفه مقدرة، وأن العلاج لم يتحول إلى عبء جديد على أسرته.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الرسالة التي اختار الدكتور محمد كمال أن يحملها: أن يكون الطبيب قادرًا على الجمع بين العلم والخبرة والإنسانية، وأن تظل مهنة الطب بابًا لجبر الخواطر، قبل أن تكون بابًا للربح.
فالشفاء يبدأ أحيانًا بكلمة طيبة، ويكتمل بعلم الطبيب، لكن أثر الرحمة قد يبقى في قلب المريض طويلًا بعد أن ينتهي العلاج.




