الجحود.. أقبح آفات النفس البشرية.. والوفاء عملة نادرة في سوق المصالح
- الخبث الإنساني.. مرض العصر الحديث واستباحة القيم لتحقيق المصالح
- سقوط أقنعة البشر.. حين تصبح المصلحة معيار الإنسانية الوحيد
- ذكاء الانسحاب.. فن الابتعاد الهادئ ووضع الحدود دون التخلي عن المبادئ
أكثر ما يكشف حقيقة الإنسان ليس ما يفعله مع من يحتاج إليهم، وإنما ما يفعله مع الذين احتاج إليهم يوما، فثمة أشخاص لا تنسى ذاكرتهم من وقفوا بجانبهم في أوقات الشدة، ولا تتبدل مواقفهم بتبدل الظروف، ولا تسمح لهم تقلبات الحياة بأن يتنكروا لمن مدوا إليهم أيديهم في لحظات الضعف والانكسار، وهؤلاء يدركون أن المعروف قيمة أخلاقية لا تسقط بالتقادم، وأن الوفاء ليس كلمة تقال في أوقات الرخاء، وإنما موقف أصيل يظهر معدنه الحقيقي عندما تتغير الأحوال وتتبدل المصالح، لكن في المقابل هناك من يتعاملون مع الإحسان باعتباره محطة عابرة في طريقهم، يستفيدون منه ما دامت الحاجة قائمة، ثم يمضون في حياتهم وكأن شيئا لم يكن، وربما تجاوز بعضهم حدود التجاهل والنسيان إلى إنكار الفضل، والتقليل من شأن أصحاب المعروف، بل وتعمد الإساءة إليهم، في مشهد يكشف واحدة من أكثر التناقضات الإنسانية إيلاما، حين يتحول من كان سندا في وقت الشدة إلى هدف للإساءة في وقت القوة.
ولعل أكثر ما يستوقفني في هذه الظاهرة أن الإنسان قد يتوقع الجحود من شخص لم تربطه به علاقة عميقة، أو لم تجمعه به مواقف كافية لاختبار معدنه، لكنه يصاب بخيبة أشد حين تأتي الإساءة ممن يعرفون جيدا حجم ما قدمه لهم، ومن شهدوا بأنفسهم كيف امتدت إليهم يد العون في لحظات ضاقت فيها الخيارات، وكيف وجدوا من يقف إلى جوارهم في وقت تخلى فيه آخرون عنهم، فالمسألة هنا لا تتعلق بمساعدة عابرة يمكن أن تنسى تفاصيلها بمرور الوقت، وإنما بمواقف تركت أثرا واضحا في حياة أصحابها، وبأشخاص اختاروا أن يكونوا حاضرين حين كان الحضور مكلفا، وأن يتحملوا مسؤولية المساندة حين كان الانصراف أسهل، وأن يمنحوا الثقة لمن لم تكن الظروف تسمح له بردها، ثم يفاجأون بأن كل ذلك لم يشفع لهم، وأن الذاكرة التي يفترض أن تحفظ الجميل قد أصبحت انتقائية إلى حد يسمح لها باستدعاء ما يخدم المصالح وتجاهل ما يفرض الاعتراف بالفضل.
والحقيقة أن نكران الجميل ليس مجرد نسيان لموقف نبيل، فهناك فارق كبير بين إنسان قصرت ذاكرته عن استحضار تفاصيل ما تلقاه من مساعدة، وآخر يتذكر جيدا لكنه لا يريد الاعتراف، وثالث يدرك قيمة ما حصل عليه، لكنه يتعمد التقليل من شأنه حتى لا يشعر بأنه مدين لأحد، فالأول قد يكون غافلا أو منشغلا بتفاصيل حياته، أما الثاني والثالث فيضعان نفسيهما أمام اختبار أخلاقي أكثر صعوبة، لأن الاعتراف بالمعروف لا ينتقص من قيمة الإنسان، ولا يسلبه استقلاله، ولا يجعله أقل شأنا ممن ساعدوه، بل يكشف عن قدرته على الإنصاف والاعتراف بالحقائق حتى عندما لا تكون في مصلحته، لكن بعض النفوس ترى في الامتنان عبئا، وفي الاعتراف بالفضل انتقاصا من صورتها أمام نفسها، فتبحث عن مخرج يريحها من هذا الشعور، ولو كان الثمن تشويه الحقيقة أو إنكار المواقف أو التقليل من قيمة أصحابها.
وقد يكون من أكثر أشكال الجحود غرابة أن يعيد الإنسان صياغة ماضيه بعد أن تتغير ظروفه، فيتحدث عن نجاحه وكأنه صنع كل شيء بمفرده، ويتجاهل الأبواب التي فتحت أمامه، والأيدي التي امتدت إليه، والكلمات التي منحته الثقة عندما كان الشك يحيط به من كل اتجاه، والفرص التي حصل عليها بفضل أشخاص آمنوا بقدراته قبل أن يؤمن بها الآخرون، ولا يعني ذلك أن النجاح لا بد أن يكون ثمرة جهد صاحبه، أو أن كل من تلقى مساعدة يصبح ملزما بالخضوع لمن قدموها له، فلكل إنسان حقه في الاستقلال وصناعة مستقبله، لكن الاستقلال شيء، وإنكار الحقائق شيء آخر، والاعتماد على النفس لا يتعارض مع الاعتراف بمن أسهموا في الوصول، بل إن الإنسان الواثق من نفسه لا يخشى أن يذكر أصحاب الفضل، لأنه يدرك أن الاعتراف بمساندة الآخرين لا ينتقص من إنجازه، وإنما يمنحه بعدا إنسانيا أكثر صدقا ونضجا.
وإذا كان نكران الجميل يكشف خللا في الوفاء والإنصاف، فإن الخبث الإنساني يأخذنا إلى مساحة أكثر تعقيدا، لأننا لا نكون أمام شخص يتجاهل ما قدمه الآخرون فحسب، وإنما قد نكون أمام شخص يتعمد إلحاق الأذى بهم، أو يستغل ما يعرفه عنهم من أسرار ونقاط ضعف، أو ينتظر اللحظة المناسبة للنيل منهم، أو يسعى إلى تشويه صورتهم أمام الآخرين، وكأن المعروف الذي تلقاه لم يعد مجرد أمر يريد نسيانه، بل أصبح سببا يدفعه إلى التخلص من صاحبه معنويا، وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: كيف يمكن لإنسان أن يقابل من أحسن إليه بسلوك يناقض أبسط قواعد الوفاء؟ وكيف تتحول العلاقة التي بدأت بالمساندة والثقة إلى مساحة للخصومة والإيذاء، وهل يكفي أن نصف هذا السلوك بالجحود، أم أننا نحتاج أحيانا إلى فهم ما وراءه من أنانية أو شعور بالنقص أو رغبة في الانتقام أو افتقار إلى الضمير؟! ولا أعتقد أن هناك إجابة واحدة تنطبق على جميع الحالات، فالدوافع الإنسانية متباينة، وبعض الناس يتصرفون بدافع المصلحة المجردة، فلا يرون في العلاقات سوى ما يمكن أن يحصلوا عليه منها، ويقتربون ممن يحتاجون إليهم، ثم يبتعدون بمجرد انتهاء الحاجة، بينما يعجز آخرون عن احتمال فكرة أنهم مدينون لأحد بمعروف، فيحاولون التقليل من شأن من ساعدوهم حتى يستعيدوا شعورا متوهما بالتفوق والاستقلال، وهناك من تحركهم الغيرة أو المنافسة، فيصبح نجاح صاحب الفضل أو مكانته مصدر إزعاج لهم، وربما شعروا بأن استمرار الاعتراف بجميله يضعهم في مرتبة أقل، فيلجأون إلى الانتقاص منه أو التشكيك في نواياه أو تصوير مساعدته باعتبارها تصرفا لم يكن يستحق التقدير، وقد يصل الأمر لدى بعضهم إلى تعمد الإساءة، لا لوجود خلاف حقيقي يبررها، وإنما رغبة في إسقاط المكانة المعنوية التي يحتلها صاحب المعروف في ذاكرتهم ووجدانهم، ومن هنا ينبغي التمييز بين الخلاف الإنساني الطبيعي وبين الخبث المتعمد، فليس كل من اختلف مع شخص ساعده جاحدا، وليس كل من ابتعد عن صاحب فضل ناكرا للجميل، فقد تنتهي العلاقات لأسباب مشروعة، وقد يكتشف الإنسان أن استمرارها لم يعد مناسبا، وقد يضطر إلى وضع حدود تحميه من الأذى، حتى لو كان الطرف الآخر قد قدم له مساعدة في وقت سابق، فالمعروف لا يمنح أحدا حق السيطرة على حياة من ساعده، ولا يفرض على الآخرين ولاء أبديا، ولا يبرر قبول الإهانة أو التنازل عن الكرامة، لكن الفارق الجوهري يكمن في طريقة إنهاء العلاقة وفي القدرة على حفظ الحقوق والاعتراف بالفضل، فالإنسان يستطيع أن يبتعد باحترام، وأن يختلف بإنصاف، وأن يضع حدودا واضحة دون أن ينكر الماضي أو يتعمد الإساءة إلى من أحسن إليه، أما أن يتحول الاختلاف إلى حملة تشويه، أو يصبح الاستقلال ذريعة للجحود، أو تتحول نهاية العلاقة إلى مناسبة لمحو كل موقف نبيل، فذلك أمر آخر لا يمكن تبريره بمجرد تغير الظروف.
وما يثير الأسى أن بعض الناس لا يكتفون بالابتعاد عن أصحاب الفضل، بل يتعاملون معهم بعد انتهاء حاجتهم بنبرة مختلفة تماما، وكأن العلاقة السابقة لم تكن سوى وسيلة مؤقتة للوصول إلى غاية، فتختفي حرارة الكلمات التي كانت تفيض بالامتنان، وتتراجع مظاهر التقدير التي كانت حاضرة في أوقات الحاجة، ويصبح صاحب المعروف شخصا عاديا لا يستحق حتى الاعتراف بما قدمه، وربما يتعمد الطرف الآخر إظهار استغنائه عنه، أو يتحدث عن نجاحه بطريقة توحي بأنه لم يحتج يوما إلى مساعدة أحد، وفي بعض الحالات يتجاوز الأمر حدود البرود والجفاء إلى الإساءة المباشرة، فيبدأ الانتقاص من صاحب الفضل أو التشكيك في دوافعه، وكأن المطلوب ليس فقط إنهاء العلاقة، وإنما إعادة تقديمها بصورة مختلفة تمحو حقيقة أن أحد الطرفين كان سندا للآخر في مرحلة من مراحل حياته، وأتصور أن من أخطر ما يمكن أن يفعله الإنسان بنفسه أن يسمح للمصلحة بأن تصبح المعيار الوحيد الذي يحكم علاقاته، لأن العلاقات القائمة على المنفعة قد تمنح صاحبها مكاسب سريعة، لكنها تتركه في النهاية محاطا بروابط هشة لا تصمد أمام أول اختبار حقيقي، فمن اعتاد الاقتراب من الآخرين وقت الحاجة ثم الانصراف بعد انتهائها، سيجد نفسه عاجلا أو آجلا في مواجهة السؤال نفسه: من الذي سيقف بجانبه عندما يحتاج إلى من يسانده؟ ومن الذي سيمنحه الثقة إذا كانت تجاربه السابقة تقول إن العلاقات عنده تنتهي بانتهاء المنفعة؟ فالإنسان لا يعيش بمعزل عن الآخرين، ولا يستطيع أن يضمن لنفسه البقاء في موقع القوة طوال الوقت، والحياة بطبيعتها تتقلب، ومن يملك اليوم القدرة على المساعدة قد يحتاج غدا إلى من يساعده، ومن يجد نفسه في موضع الاستغناء الآن قد يمر بمرحلة يصبح فيها أكثر احتياجا إلى الدعم والتفهم، ولذلك فإن الوفاء ليس ترفا أخلاقيا، وإنما أحد الأسس التي تمنح العلاقات الإنسانية قدرتها على الاستمرار.
وليس من الضروري أن يكون رد الجميل بمقابل مادي أو منفعة مباشرة، فالمعروف الحقيقي لا يتحول إلى فاتورة مفتوحة، ولا ينبغي لمن قدم المساعدة أن يحولها إلى وسيلة للمطالبة الدائمة بالامتنان، أو أن يذكر بها في كل مناسبة، أو أن يستخدمها لإذلال من تلقاها، لأن الإحسان الذي يفقد احترامه لكرامة الإنسان يفقد كثيرا من قيمته الأخلاقية، لكن غياب المقابل المادي لا يعني غياب الوفاء، فقد يكون رد الجميل بكلمة صادقة، أو بموقف يحفظ الغائب في غيابه، أو برفض المشاركة في تشويه صورته، أو بالاعتراف بدوره حين يحاول آخرون إنكاره، أو بمجرد الاحتفاظ له بمكانة تليق بما قدمه، فليست القضية أن يظل الإنسان مدينا للآخرين إلى الأبد، وإنما أن يكون عادلا في ذاكرته، نزيها في روايته للماضي، وألا يسمح لمصالحه الراهنة بأن تمحو الحقائق التي شهدها بنفسه، ومن المؤلم أيضا أن بعض أصحاب المعروف يكتشفون متأخرين أنهم بالغوا في منح الثقة، وأنهم لم يضعوا حدودا واضحة بين المساعدة المشروعة وبين التضحية المستمرة براحتهم وحقوقهم، فيمنحون الوقت والجهد والاهتمام، ويتدخلون لحل الأزمات، ويتحملون ما يفوق طاقتهم، انطلاقا من حسن النية والرغبة في الوقوف بجانب الآخرين، ثم يصطدمون بجحود لم يتوقعوه، وقد تكون الصدمة أكبر لأنهم لم ينتظروا مكافأة على ما فعلوا، وإنما افترضوا أن الحد الأدنى من التقدير والاحترام سيظل قائما، لكن التجربة تعلمنا أن حسن النية وحده لا يكفي لبناء علاقة متوازنة، وأن العطاء يحتاج إلى وعي، وأن الثقة ينبغي أن تتأسس على المواقف المتكررة لا على الكلمات وحدها، وأن مساعدة الآخرين لا تعني تجاهل طبيعة سلوكهم أو منحهم مساحة مفتوحة لإيذائنا، ومع ذلك، لا أرى أن الحل يكمن في أن يصبح الإنسان شكاكا في الجميع، أو أن يحول تجاربه المؤلمة إلى مبرر لإغلاق أبواب الخير، أو أن يتعامل مع كل محتاج باعتباره مشروعا محتملا للجحود، لأننا بذلك نسمح لتصرفات البعض بأن تنتزع منا واحدة من أجمل خصالنا الإنسانية، وهي القدرة على التعاطف والمساندة، وإنما الحل في أن نحافظ على إنسانيتنا دون أن نتخلى عن وعينا، وأن نقدم المعروف بقدر استطاعتنا دون أن نربط قيمتنا باعتراف الآخرين به، وأن نساعد لأننا نؤمن بقيمة المساعدة، لا لأننا ننتظر ضمانا بأن الطرف الآخر سيبقى وفيا لنا إلى الأبد، فليس كل معروف نقدمه سيقابله الوفاء، وليس كل يد نمدها ستجد من يقدرها، لكن ذلك لا يعني أن الإحسان كان خطأ، وإنما يعني أن علينا أن نكون أكثر قدرة على التمييز بين من يقدر المواقف ومن يستغلها، وبين من يختلف معنا مع احتفاظه بالاحترام ومن يتعمد الإساءة بمجرد أن تنتهي حاجته إلينا.
والأهم من ذلك ألا نسمح للجحود بأن يدفعنا إلى الانتقام، لأن الرغبة في استرداد الاعتبار قد تتحول أحيانا إلى استنزاف طويل، يقضي فيه الإنسان وقته في محاولة إثبات ما قدمه، وملاحقة اعتراف لن يأتي، ومواجهة روايات يعرف في داخله أنها لا تعكس الحقيقة، بينما يظل الطرف الآخر غير مستعد للاعتراف مهما تعددت الأدلة، وفي مثل هذه الحالات قد يكون الانسحاب الهادئ أكثر حكمة من الدخول في معارك لا تنتهي، وقد يكون الاحتفاظ بالحقيقة دون تحويلها إلى خصومة دائمة أبلغ من عشرات المحاولات لإقناع من قرر ألا يقتنع، فالكرامة لا تعني أن نجبر الآخرين على الاعتراف بفضلنا، وإنما أن نعرف قيمة ما فعلناه، وألا نسمح لجحودهم بأن يحدد نظرتنا إلى أنفسنا أو أن يسلبنا سلامنا الداخلي.
لكن التسامح مع الجحود لا يعني تكرار الثقة بلا حساب، والابتعاد عن الانتقام لا يعني السماح باستمرار الأذى، فهناك فارق بين أن تعفو عن إساءة مضت وبين أن تمنح صاحبها فرصة جديدة لإيذائك، وبين أن تتجاوز ما حدث وبين أن تتصرف وكأن شيئا لم يكن، وقد يكون القرار الأكثر اتزانا هو أن نتخلى عن الرغبة في معاقبة الآخرين، مع الاحتفاظ بالحق في وضع حدود واضحة تمنع تكرار التجربة، فالإنسان الناضج لا يحتاج إلى أن يرد الإساءة بإساءة حتى يثبت قوته، ولا يحتاج إلى أن يستمر في علاقة مؤذية حتى يثبت وفاءه، وإنما يدرك أن الوفاء قيمة، وأن الكرامة قيمة أخرى، وأن الحفاظ على إحداهما لا ينبغي أن يكون على حساب الأخرى، وفي تقديري أن الاختبار الحقيقي للأخلاق لا يظهر فقط في تعامل الإنسان مع من يملك مصلحة عندهم، أو مع من يستطيعون تقديم منفعة له، وإنما في موقفه من الأشخاص الذين لم يعد يحتاج إليهم، وفي الطريقة التي يتحدث بها عنهم بعد انتهاء العلاقة، وفي قدرته على الاعتراف بما قدموه حتى لو لم يعد بينه وبينهم تواصل، فهناك من يحفظ الود رغم المسافة، ويصون الغائب رغم الاختلاف، ويذكر المعروف دون مبالغة أو مصلحة، وهناك من تتغير لغته ومواقفه بمجرد أن تتغير موازين القوة، فيكشف دون أن يدري أن ما كان يبدو وفاء لم يكن سوى حاجة، وأن ما كان يبدو تقديرا لم يكن سوى وسيلة للوصول، وأن بعض العلاقات لم تكن عميقة كما تخيل أصحابها، وإنما كانت مرتبطة بظرف مؤقت انتهى بانتهاء أسبابه.
ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل إنسان على نفسه ليس فقط: هل أنصفني الآخرون أم جحدوا حقي، وإنما هل كنت أنا وفيا لمن وقفوا بجانبي؟ وهل حفظت للناس أقدارهم بعد أن انتهت حاجتي إليهم، وهل اعترفت بفضل من ساعدوني حتى عندما لم يعد في الاعتراف مكسب مباشر؟ وهل اختلفت مع الآخرين دون أن أنكر ما قدموه، وهل حافظت على إنسانيتي في اللحظات التي كان بإمكاني فيها أن أسيء دون أن يحاسبني أحد؟ فهذه الأسئلة لا تقل أهمية عن محاسبة الآخرين، لأن الحديث عن الجحود والخبث يفقد كثيرا من قيمته إذا تحول إلى اتهام دائم للناس دون مراجعة الذات، ولأن المجتمع لا يحتاج فقط إلى أشخاص يطالبون بالوفاء، وإنما إلى أشخاص يمارسونه، ولا يحتاج فقط إلى من يشكون من نكران الجميل، وإنما إلى من يرفضون أن يكونوا سببا في شعور غيرهم بالخذلان.
قد ينسى بعض الناس المعروف، وقد ينكر آخرون فضلا يعرفون حقيقته، وقد يذهب البعض أبعد من ذلك فيتعمدون الإساءة إلى من وقفوا بجانبهم، لكن هذه التصرفات، مهما كانت مؤلمة، لا ينبغي أن تتحول إلى مقياس نحكم به على البشر جميعا، فكما توجد نفوس لا تحفظ الجميل، توجد نفوس تظل وفية مهما تغيرت الظروف، وكما يوجد من يتعامل مع الآخرين باعتبارهم درجات يصعد عليها، يوجد من يرى في مساندة الناس واجبا إنسانيا لا ينتظر مقابلا، وبين هؤلاء وأولئك تبقى المواقف هي الفيصل، ويبقى الزمن كفيلا بكشف كثير مما تخفيه الكلمات والمظاهر، أما الخبث، فهو أكثر من مجرد خلاف أو جفاء، إنه يتجلى في تعمد الأذى، وفي استغلال الثقة، وفي محاولة تشويه الحقائق، وفي الرغبة في الانتقاص من الآخرين دون مسوغ، وحين يجتمع هذا السلوك مع نكران الجميل تصبح الإساءة أكثر إيلاما، لأنها لا تأتي من غريب لم يعرف قيمة ما قدمته، وإنما قد تأتي ممن يعرفون ذلك جيدا، ومع هذا يختارون تجاهله أو محاربته، لكن الإنسان لا يحتاج إلى أن يرد على كل جاحد، ولا إلى أن يطارد كل مسيء، ولا إلى أن يثبت للجميع أنه كان صاحب فضل، يكفيه أن يكون صادقا مع نفسه، وأن يحفظ كرامته، وأن يتعلم من التجربة دون أن يفقد قدرته على الخير، وليس مطلوبا منا أن نندم على كل يد امتدت بالمساعدة، ولا أن نتحول إلى أشخاص تحكمهم الريبة والخوف، وإنما أن نفهم أن الإحسان يكشف أخلاق من يقدمه كما تكشف طريقة استقباله أخلاق من يتلقاه، وأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على رد الإساءة فحسب، بل في القدرة على ألا نصبح نسخة ممن آذونا، وأن الوفاء لا يحتاج إلى ضجيج، كما أن الخبث لا يستطيع أن يخفي حقيقته إلى الأبد، فتبقى المواقف شاهدة على أصحابها، وتظل الذاكرة العادلة أكرم من المصالح العابرة، ويبقى الإنسان في النهاية بما يحفظه من معروف، وبما يصونه من عهد، وبما يتركه في نفوس الآخرين من أثر لا تمحوه تقلبات الأيام.




