العباس السكري يكتب: «مهرجان الجونة» يدخل مرحلة الشيخوخة المبكرة

العباس السكرى
العباس السكرى

- دعم آل ساويرس منح المهرجان مكانة دولية.. لكن الحفاظ على البريق يحتاج إلى رؤية متجددة

- أضواء خافتة وحفاوة غائبة رغم توفير كافة الإمكانات.. افتتاح الدورة التاسعة يفتقد الإيقاع والوهج

- بريق النجوم يتبدد في لقطات بلا معنى.. والفساتين تسرق الأضواء من السينما

- المهرجان لا يزال أسير «الشلة الدائمة».. ويدور في فلك الوجوه المألوفة بلا جديد

لم تكن افتتاحية الدورة التاسعة من مهرجان الجونة السينمائي على مستوى الوهج الذي صاحب البدايات، ولا حملت ذلك الشغف الذي جعل من المهرجان، في سنواته الأولى، حدثا فنيا يترقبه الوسط السينمائي والجمهور على حد سواء، فثمة فارق واضح بين بريق الصورة وقيمة المضمون، وبين الاحتفاء بالمظاهر والقدرة على تقديم تجربة سينمائية تليق باسم المهرجان ومكانته، ولعل ما يستحق التوقف أمامه ليس مجرد تراجع الحفاوة أو اختلاف أجواء الافتتاح، وإنما السؤال الأهم حول قدرة المهرجان على تجديد نفسه واستعادة الزخم الذي صنع حضوره، بعيدا عن الركون إلى رصيد النجاحات السابقة أو الاكتفاء بما توفره الأضواء من حضور مؤقت.

المؤسف أن السجادة الحمراء، بما تحمله من استعراض للأزياء وإطلالات النجوم، تبدو في أحيان كثيرة وكأنها تستحوذ على مساحة أكبر من الاهتمام الذي تستحقه الأفلام وصناعها، وهو ما يضع جوهر المهرجان أمام اختبار حقيقي، فالمكانة السينمائية لا تصنعها عدسات المصورين وحدها وإنما بما يقدمه المهرجان من اختيارات فنية جادة، ومساحة حقيقية للحوار والإبداع، وقدرة على اكتشاف المواهب وفتح النوافذ أمام تجارب سينمائية مختلفة، وليس من الإنصاف اختزال تجربة الجونة في مظاهر الافتتاح وحدها، لكن من حقنا أن نتساءل بوضوح عما إذا كان المهرجان لا يزال يمتلك القدرة ذاتها على الإبهار والتأثير، أم أن بريق البدايات بدأ يتراجع تحت وطأة التكرار، فالمهرجانات الكبرى لا تعيش على ذكريات نجاحاتها، وإنما تجدد مكانتها عاما بعد عام بما تقدمه للشاشة الكبيرة، وبما تتركه في ذاكرة السينما، لا بما تتركه فقط في صور المناسبات.

وللحق فإن عائلة ساويرس لم تدخر جهدا في دعم مهرجان الجونة السينمائي منذ انطلاق دورته الأولى عام 2017، وقدمت له مختلف أشكال المساندة والإمكانات المادية والتنظيمية التي ساعدته على تأكيد حضوره ووضعه على خريطة المهرجانات السينمائية في المنطقة، ولم يكن هذا الدعم مجرد تمويل لحدث فني سنوي، بل كان استثمارا في فكرة طموحة سعت إلى تقديم مهرجان مصري قادر على استقطاب نجوم السينما وصناعها من مختلف أنحاء العالم، وفتح قنوات للتواصل بين الصناعة السينمائية المصرية ونظيراتها الدولية، وهو ما انعكس بوضوح في قائمة الأسماء الفنية البارزة التي استضافها المهرجان على مدار دوراته المتعاقبة، وفي الاهتمام الذي حظي به داخل الأوساط الفنية والإعلامية خارج مصر، فضلا عما أتاحه من فرصة للترويج السياحي لمدينة الجونة وتقديمها باعتبارها وجهة قادرة على احتضان الفعاليات الفنية الكبرى.

ولم يكن من السهل أن يحافظ المهرجان على استمراريته وحضوره طوال هذه السنوات لولا الدعم المادي الكبير الذي حظي به من قبل ال ساويرس، والإصرار على توفير الإمكانات اللازمة لإنجاحه، وهي أمور تستحق التقدير والاعتراف، بعيدا عن أي خلاف حول مستوى دورة بعينها أو طبيعة اختياراتها الفنية، لكن الإنصاف يقتضي أيضا التمييز بين نجاح التأسيس ونجاح الاستمرار، فالدعم السخي يستطيع أن يوفر للمهرجان مقومات الحضور، وأن يجتذب النجوم ويمنحه قدرة تنظيمية كبيرة، لكنه لا يضمن وحده تجدد القيمة الفنية أو استمرار الدهشة عاما بعد عام، وهنا تحديدا تبرز أهمية المرحلة الراهنة، إذ إن الحفاظ على ما تحقق يتطلب مراجعة مستمرة وتجديدا في الرؤية والاختيارات، حتى يظل المهرجان على مستوى الطموح الذي انطلق من أجله، ويصون الجهد الكبير الذي بذلته عائلة ساويرس في تأسيسه ودعمه، ويمنح هذا الجهد مردوده الفني والثقافي الذي يستحقه.

تم نسخ الرابط