محمود الشويخ يكتب : ارفعوا أيديكم عن وعي المصريين

الشورى

- عندما تجلس وزارة الدولة للإعلام في حجر "التفاهة الرقمية"

- بين هيبة الدولة ومستنقع "الريتش".. وزير الإعلام يطلق رصاصة الرحمة على الوعي

تذكرت، وأنا أتابع هذا العبث، ذلك اليوم بعينه عندما دعوت أنا وزملائي من رؤساء مجالس الإدارات والتحرير، منذ بداية تعيين الأستاذ ضياء رشوان وزيراً للإعلام، وقتها جلس إلينا يحدثنا بكلمات تهدم كل شيء، وقال بكل بساطة: "أنا أملك ولا أحكم.. وأحكم ولا أملك".

يومها، خرجت من عنده وكل علامات الاستفهام تحاصر عقلي: فقلت في نفسي: طالما أنه لا يملك أي أعمال أو صلاحيات، فلماذا أتى بنا ضياء رشوان ليقول لنا هذا الكلام؟ ولماذا قامت الدولة بتعيينه أصلاً وهو بلا أدوار أو صلاحيات تذكر؟

خاصة أننا لسنا في حاجة لمن يكرر البديهيات، فهناك "المجلس الأعلى لتنظيم الاعلام" برؤسائه وصلاحياته الواضحة.. فلماذا جاء ضياء رشوان إذن؟

لقد بدا وكأن الرجل قد قايض هيبة منصب "وزير" بمقعد في جلسة "فضفضة بلا جدول أعمال".. ومنذ تلك اللحظة، اتضح الغرض، وعلمنا أن الرجل لم يأت ليدير ملف أمن قومي، بل ليقضي وقت فراغه بين جنبات الوزارة، حتى كشف الغطاء عن الغاية الكبرى لرحلة "الفضفضة" ومنذ تلك اللحظة فتح أبواب الوزارة الرسمية لتلك الدكاكين الخاوية.

هل هانت علينا شاشاتنا وعقول شبابنا إلى هذا الحد؟ هل تحولت المنصات الرسمية للدولة المصرية، التي قادت وعي الأمة العربية لعقود، إلى مجرد باحث عن "لايك" و"شير" في دهاليز الفضاء الرقمي الأزرق؟

ما يفعله الكاتب الصحفي ضياء رشوان في أروقة وزارة الدولة للإعلام لا يمكن تصنيفه تحت بند "التطوير" أو "مواكبة العصر"، بل هو "ردة فكرية" واضحة المعالم.

سلسلة من الاجتماعات الدورية واللقاءات الهلامية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، انتهت بالفاجعة الحقيقية: فتح أبواب الوزارة الرسمية لشرذمة من عاطلين بالوراثة، يطلقون عليهم زوراً وبهتاناً اسم "المؤثرين".

الخديعة الكبرى التي سقط فيها الوزير - أو أسقطوه فيها - هي ظنه أن ملايين المتابعين تمنح المرء عقلاً أو صكاً بالمسؤولية.

لا يا معالي الوزير.. هؤلاء ليسوا مؤثرين، هؤلاء مجرد "دكاكين خاوية" في فضاء استهلاكي هبط بالذوق العام إلى القاع.

التأثير الحقيقي هو أن تقود مجتمعك نحو البناء، أن تصنع فكرة، أن تحمي وطناً بكلمة حق، وليس أن تقف خلف كاميرا الهاتف لتروي حكايات منزوعة الدسم، أو تبيع الوهم للشباب على طريقة "التيك توك" وتجارة "التريند".

عندما يجلس الوزير ليناقش مستقبل إعلام وطن بحجم مصر مع صناع التسلية، فإنه يعلن - رسمياً - هزيمة الثقافة أمام الهيافة.

المصيبة الكبرى لا تقف عند حدود تدني المستوى الثقافي للمدعوين، بل تمتد إلى عشوائية إدارية قاتلة جعلت اسم الوزارة يقرن بأسماء متورطة في قضايا وأزمات تمس السلم الأخلاقي للمجتمع.

حتى لو خرجت الأصوات التي تنفي وتؤكد أن القوائم "مفبركة" أو لم تعتمد، فإن مجرد وضع شعار وزارة الدولة للإعلام بجانب صور هؤلاء هو "سقطة سياسية" تضرب هيبة المؤسسة في مقتل.

أين مستشارو الوزير؟ أين أجهزة الفحص والتدقيق قبل توجيه الدعوات الرسمية؟ إن إدخال الوزارة في هذه المهاترات يثبت أن البوصلة قد انحرفت تماماً، وأننا أمام إدارة تدار بعقلية "أدمن صفحة فيسبوك"، لا بعقلية رجل دولة يدرك أبعاد الأمن القومي الإعلامي.

ارفعوا أيديكم عن وعي المصريين

إن الإعلام الرسمي المصري ليس حيزاً للتجارب الفاشلة أو ساحة لترضية نجوم "السوشيال ميديا".

إذا كان الهدف تعليمه قواعد الإعلام، فالأولى بالوزارة أن تلتزم هي أولاً بأبسط هذه القواعد: الجدية، والمسؤولية، والوقار.

كفى عبثاً باسم التطوير.

قفوا بحزم في وجه هذه السيولة الرقمية، وأعيدوا للوزارة هيبتها، وللوطن فرسانه الحقيقيين من المفكرين والكتاب، بدلاً من تكريم جيوش اللاشيء.

تم نسخ الرابط