محمد فودة يكتب: شعبان.. شهر تهيئة القلوب واستعداد الأرواح لرمضان

الشورى

 نفحات روحانية تسبق الشهر المعظم وتفتح أبواب الصفاء والتقرب إلى الله

 رحلة داخل النفس لإصلاح القلوب وتعزيز الطاعة استعدادا لشهر الرحمة والمغفرة 

 كيف نغتنم روحانيات شعبان لإصلاح القلوب وترسيخ معاني الطاعة؟

 فرصة ذهبية للتجديد الروحي والاستعداد لرمضان بقلوب عامرة وأرواح مطمئنة

مع بداية شهر شعبان، أشعر وكأن الزمن يبطئ خطواته قليلا ليمنحنا فرصة نادرة للمراجعة والتهيؤ، شعبان ليس شهرا عابرا في التقويم الهجري، بل مساحة رحبة لإعادة ترتيب القلب قبل ازدحام الأيام بالطاعات، وقبل أن يطرق رمضان الأبواب بكل ما يحمله من نفحات ورحمة ومغفرة، في هذا الشهر تحديدا، تتجه الأنظار إلى الداخل أكثر من الخارج، وتصبح الأسئلة الهادئة عن حال النفس والنية أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

وشعبان بالنسبة لي ليس موسما للشعارات الكبيرة، بقدر ما هو موسم للعمل الصامت، طاعات لا يراها أحد، ونوايا تصلح في الخفاء، وقلب يحاول أن يخفف من أعبائه قبل أن يدخل ضيفا على شهر الصيام، هو شهر التهيئة الحقيقية، حيث تتصالح النفس مع التقصير، وتبدأ رحلة التجديد بروية بعيدا عن صخب البدايات المفاجئة، فيه نتعلم أن القرب من الله لا يكون دفعة واحدة، بل خطوات ثابتة تتراكم أثرا ونورا.

ومع بدء شعبان، يتجدد الإحساس بأن الفرص ما زالت قائمة، وأن باب العودة مفتوح، وأن الله يمنحنا هذا الشهر كجسر رحيم نعبر به من عاداتنا الثقيلة إلى روحانية أخف وأكثر صدقا، هو تذكير عملي بأن رمضان لا يستقبل فجأة، بل يصنع له طريق في القلوب قبل الأيام، وأن من أحسن الاستعداد في شعبان، ذاق حلاوة القرب في رمضان بشكل أعمق وأبقى، ودائما مع بدايات شهر شعبان، أشعر بقرب حلول شهر رمضان المعظم، فها هى الأيام تقترب من قدوم أفضل شهر فى السنة وهو شهر رمضان، إن شهر شعبان يأتى ليحمل معه نسمات الشهر الكريم وروحانيات خاصة، فهذا الشهر يحمل في طياته معاني عظيمة من الروحانية والقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ويتزامن هذا الشهر مع تحول جديد في حياة المؤمنين، حيث يظل أمامهم فرصة عظيمة للتحضير لشهر رمضان المبارك، شهر الطاعة والتقوى.

وشهر شعبان هو الشهر الذي ورد فيه الحديث الشريف على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "رجبٌ شَهرُ اللَّهِ تعالى وشعبانُ شَهرى ورمضانُ شَهرُ أمَّتى"، وهو تعبير عن خصوصية هذا الشهر وعظمته، وقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم به بشكل كبير، إذ كان يصوم معظم أيامه أو يعكف على العبادة والذكر، فهو شهر تتضاعف فيه الأعمال الصالحة، فشهر شعبان يقع بين شهري رجب ورمضان، ويُعتبر شهرًا مميزًا بفضائله، ففيه تتجلى نعمة الله على عباده بالعديد من الفرص لتقوية العلاقة مع الله عز وجل، فقد ورد في الحديث الذي رواه الصحابي الجليل أسامة بن زيد، رضي الله عنه، حيث سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شهر شعبان، فقال: "ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم"، من هذا الحديث نجد أن شهر شعبان فرصة عظيمة للمسلمين لتكثيف أعمالهم الصالحة والتوبة إلى الله استعدادًا للثقل الروحي الذي يقدمه رمضان.

روحانية شهر شعبان تعود إلى تلك اللحظات التي يعكف فيها المسلمون على الاستغفار والصيام والذكر، وهذا ما يرفع أعمالهم إلى الله، وهو فرصة للتوبة والتجديد الروحي، حيث يتحقق فيها توازن النفوس وعودة العبد إلى ربه في مسعى لصلاح حياته وقربه من الله، على الرغم من أن هذا الشهر يشهد غفلة البعض بسبب انشغالهم في أعمال الحياة اليومية، إلا أن من يداوم على الطاعات يستشعر في هذا الشهر بركة لا تُعد ولا تُحصى، ويُعد صيام شهر شعبان من أبرز مظاهر العبادات في هذا الشهر الفضيل، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من صيامه في هذا الشهر، فقد قال أسامة بن زيد، رضي الله عنه، في الحديث السابق: "فأحب أن يُرفَعَ عملي وأنا صائم"، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يوضح أهمية الاستعداد لشهر رمضان عبر الصيام في شعبان، مما يعكس لنا فضل هذا الشهر في التقرب إلى الله، إذ يعد بمثابة تدريب للجسم والروح على الصيام والتزام عبادة الطاعة قبل حلول الشهر العظيم.

إن شهر شعبان هو شهر التوبة والعودة إلى الله، فيه يستشعر المسلمون فرصة لطلب المغفرة عن ذنوبهم السابقة، وما يزيد من أهمية هذا الشهر هو اقتراب شهر رمضان الذي يمثل فرصة عظيمة للطاعات، ولذلك يُعد شهر شعبان مرحلة تحضيرية لتهذيب النفس وتصفية القلوب، لتكون أكثر استعدادًا لتقبل بركات الشهر الفضيل. وقد يكون هذا الشهر فرصة عظيمة للتوبة الصادقة، والتخلص من الذنوب والمعاصي عبر الاستغفار، وليت كل من فاته فضل الاغتراف من نفحات شهر رجب عليه أن يقتنص تلك الأيام الروحانية المباركة التى نعيشها، ونجعل منها نقطة انطلاق حقيقية وصادقة ونابعة من القلب، فأبواب السماء مفتوحة دائمًا لمن يدعو من قلبه وبإخلاص شديد وأبواب السماء مفتوحة لتقبل كل عمل صالح نفعله خالصًا لوجه الله، خاصة ونحن مقبلون على شهر رمضان المعظم الذى ننتظره من العام للعام، لذلك يتوجب علينا أن نستثمر هذه الأيام بالشكل الأمثل، وبالطريقة التى تفوق كونها مجرد أيام مباركة، بل علينا أن نجعل منها نقطة انطلاق حقيقية لتنقية القلوب والتخلص من منغصات الحياة التى للأسف الشديد، تحولت إلى شبح يهدد استقرارنا الوجدانى نتيجة طغيان لغة المصالح وتفشى الآثام، والبعد عن تعاليم الدين السمحة التى تحض على المحبة والود وسمو المشاعر والأحاسيس من أجل العيش فى سلام وسكينة وراحة فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"«يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ" ومن أفضل الأشياء التى يحبها الله هى كثرة الاستغفار، فهذه الأيام بمثابة كنز عطاء من الله سبحانه وتعالى، حيث تسمى أيام شهر شعبان بـ"النفحات"، حيث يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم "إن لربكم فى أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها لعل أحدكم أن تدركه نفحة فلا يشقى بعدها أبداً"، ولشهر شعبان فضائل كبرى فهو الشهر الثامن من شهور السنة الهجرية، حيث يأتى بعد شهر رجب وقبل رمضان، وكان شهر شعبان من أحب وأفضل الشهور عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، مصداقًا لما رُوى عن أم المؤمنين عائشة، رضى الله عنها، أنها قالت: (كانَ أحبَّ الشُّهورِ إلى رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أن يَصومَهُ: شعبانُ، ثمَّ يصلُهُ برمضانَ)، وكان الصحابة، رضى الله عنهم، يستعدون لاستقبال رمضان فى ذلك الشهر المبارك، ويتسابقون خلاله بالطاعات، فتجدهم يكثرون من الصدقات.

ويظل شهر شعبان هو شهر العبادات والروحانيات، وهو فرصة عظيمة للاقتراب من الله، ورفع الأعمال إليه بنية الطاعة والاستغفار، وهو أيضًا فرصة للتحضير النفسي والروحي لشهر رمضان الذي يعتبر قمة الطاعات، لنجعل من هذا الشهر فرصة للتجديد الروحي، ولنبذل فيه جهدًا أكبر في العبادة والصيام، لعل الله يرفع عنّا من أعباء الدنيا ويغفر لنا ذنوبنا.

تم نسخ الرابط