السينما المصرية تستعيد عرشها

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- موسم استثنائي يعيد الثقة ويعلن عودة الروح إلى الشاشة الكبيرة

- 10 أفلام في دور العرض .. وشباك التذاكر يحصد الملايين ويعيد الجمهور إلى القاعات

- «السلم والثعبان.. لعب عيال» يتربع على قمة إيرادات الموسم ويؤكد عودة الفيلم الجماهيري

- طارق العريان .. مخرج يصنع المعادلة الصعبة ويوازن بين نبض السوق وعمق الرؤية الفنية

دائما أؤمن بأن السينما المصرية لا تموت، لكنها أحيانا تمر فقط بلحظات صمت، تراجع فيها خطواتها لتعيد ترتيب نفسها قبل الانطلاق من جديد، هذا الموسم تحديدا، شعرت بأن الشاشة الكبيرة استعادت نبضها القديم، ليس عبر فيلم واحد أو نجم واحد، بل من خلال حالة عامة من الوعي والجرأة والتنوع، عودة الجمهور بقوة إلى دور العرض، وازدحام شباك التذاكر، لم يكن مجرد حدث عابر، بل إعلان واضح بأن السينما حين تحترم عقل المشاهد وتخاطب روحه، يجد طريقه إليها دون تردد، وما نشهده اليوم هو لحظة استعادة ثقة طال انتظارها، وإشارة صادقة إلى أن السينما المصرية قادرة، متى أرادت، أن تعود إلى موقعها الطبيعي كقوة ناعمة مؤثرة ومرآة حقيقية لوجدان الناس.

وإحقاقا للحق فإن موسمي رأس السنة ومنتصف العام شهدا حالة انتعاش غير مسبوقة، حيث عرض ما يقرب من 10 أفلام دفعة واحدة، تنوعت في موضوعاتها وأشكالها، ونجحت في استقطاب جمهور عريض أعاد الثقة مجددا في المنتج السينمائي المصري، لم يكن النجاح صدفة، بل نتيجة تراكمات واضحة، تطور في الصناعة، وجرأة في الاختيارات، ووعي حقيقي بذوق المشاهد الذي لم يعد يقبل بالحد الأدنى.

ووسط هذا الزخم السينمائي، تصدر المشهد فيلم «السلم والثعبان: لعب عيال»، ليصبح العلامة الأبرز في هذا الموسم، ليس فقط بسبب الإيرادات، بل لما يحمله من دلالات فنية وصناعية مهمة، فقد حقق الفيلم إيرادات بلغت 88 مليون جنيه، ليؤكد أن الجمهور لا يزال متعطشا لأعمال تحترم عقله وتلامس وجدانه، الفيلم من قصة وإخراج وإنتاج طارق العريان، الذي يواصل حضوره كمخرج يمتلك رؤية واضحة وقدرة على قراءة السوق دون أن يتنازل عن البعد الفني.

ويقود البطولة عمرو يوسف في دور أحمد، المهندس المعماري المبدع الذي يجد نفسه ممزقا بين طموحه المهني وعلاقته العاطفية، أمام أسماء جلال في دور ملك، رائدة الأعمال الطموحة، علاقة إنسانية معاصرة، تُختبر بالمسافات، والضغوط، والعلاقات الجديدة، في رحلة مواجهة الذات واكتشاف ما فُقد في زحام الحياة، ويشارك في البطولة ظافر العابدين، ماجد المصري، حاتم صلاح، آية سليم، فدوى عابد، هبة عبد العزيز، مع ظهور خاص ومؤثر للفنانة القديرة سوسن بدر كضيفة شرف، في إضافة تحمل ثقلًا إنسانيا وفنيا واضحا، الفيلم لا يقدم قصة حب تقليدية، بل يطرح أسئلة حقيقية عن الاختيارات.

اللافت هذا الموسم لم يكن فيلما واحدا فقط، بل حالة تنوع صحية تؤكد أن السينما المصرية لم تعد تراهن على قالب واحد، ففيلم «إن غاب القط»، بطولة آسر ياسين، وبمشاركة أسماء جلال، رحاب الجمل، محمد شاهين، علي صبحي، سماح أنور، ومن إخراج سارة نوح وتأليف أيمن وتار، حقق 32 مليون جنيه، ليؤكد أن الأفكار المختلفة والأساليب الإخراجية غير التقليدية قادرة على تحقيق حضور جماهيري حقيقي، كما حقق فيلم «طلقني»، بطولة كريم محمود عبد العزيز ودينا الشربيني، ومعهما حاتم صلاح، دنيا سامي، محمود حافظ، ياسمين رحمي، ياسر الطوبجي، شريف حسني، عابد عناني، علاء مرسي، إيرادات وصلت إلى 29 مليون جنيه، معتمدًا على كوميديا ناضجة تلامس الواقع الاجتماعي بخفة ظل وذكاء، أما فيلم «جوازة ولا جنازة»، بطولة نيللي كريم وشريف سلامة، وبمشاركة لبلبة، عادل كرم، انتصار، محمود البزاوي، أمير صلاح الدين، دنيا ماهر، ومن إخراج أميرة دياب، فقد حقق 6 ملايين جنيه، في تجربة مختلفة تؤكد أن السوق تتسع لأعمال متنوعة حتى وإن لم تتصدر القمة.

ما حدث في هذين الموسمين ليس مجرد أرقام، بل رسالة واضحة بأن الجمهور المصري عاد إلى السينما عندما وجد أعمالا تشبهه، وتناقش قضاياه، وتقدم بحرفية حقيقية، الصناعة بدأت تستعيد توازنها بين الترفيه والفكرة، بين النجم والموضوع، وبين السوق والفن.

ازدهار السينما المصرية اليوم ليس لحظة عادية بل مؤشرا على مرحلة جديدة، عنوانها أن النجاح ممكن، والجودة مطلوبة، والجمهور شريك أساسي في المعادلة وإذا استمرت هذه الروح، فالقادم قد يكون أكثر إشراقا، وأكثر ثقة في سينما طالما كانت مرآة لهذا المجتمع وذاكرته.

إن ما حققته السينما المصرية في هذا الموسم لا يمكن التعامل معه كصدفة عابرة أو موجة مؤقتة، بل كإشارة واثقة إلى أن الصناعة بدأت تستعيد وعيها بنفسها وبجمهورها، الأرقام مهمة، نعم، لكنها ليست كل الحكاية، الأهم أن الجمهور عاد لأنه وجد نفسه على الشاشة، ووجد قصصا تشبهه وتعبر عن قلقه وطموحه وأسئلته اليومية، هذه اللحظة تستحق أن نتوقف عندها، نحافظ عليها، ونبني عليها، لأن السينما حين تكون صادقة، تصبح قادرة على المنافسة والبقاء والتأثير، شخصيا، أرى أن ما نعيشه اليوم هو بداية مرحلة جديدة، إذا أُحسن استثمارها، سيعاد للسينما المصرية مكانتها التي تستحقها، ليس فقط في شباك التذاكر، بل في الوعي والوجدان والذاكرة.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 448 الصادر بتاريخ  22 يناير 2026

 

تم نسخ الرابط