عاصم سليمان يكتب: توجيه الرئيس بتنظيم استخدام الأطفال الهواتف خطوة شجاعة لحماية الطفولة من فخ الإدمان الرقمي

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- الرئيس السيسي يفتح ملف التشريع لحماية الأجيال الجديدة من مخاطر الشاشات

- الصحة النفسية والتحصيل التعليمي على المحك في ظل الاستخدام غير المنضبط للتكنولوجيا

- بناء إنسان رقمي متوازن رؤية وطنية تتجاوز المنع إلى الوعي والتنظيم الرشيد

- تجارب دولية حاسمة تؤكد أن تقنين استخدام الأطفال الهواتف لم يعد خيارا ترفيهيا

لم يأت توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تنظيم استخدام الأطفال الهواتف المحمولة من فراغ، ولم يتم طرحه باعتباره فكرة نظرية قابلة للأخذ والرد، بل جاء كإشارة واضحة إلى إدراك عميق لحجم الخطر الذي بات يهدد أجيالًا كاملة في صمت.

والحق يقال حين تحدث الرئيس بصراحة عن ضرورة التفكير في تشريع يقيد أو ينظم استخدام الهواتف في سن الطفولة، كان يضع الدولة والمجتمع أمام مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود التكنولوجيا إلى جوهر بناء الإنسان نفسه، هذا التوجيه، الذي استند إلى تجارب دول كبرى سبقتنا في مواجهة الإدمان الرقمي، يعكس رؤية وقائية تسعى إلى حماية الوعي الجمعي للأطفال، وصون صحتهم النفسية والتعليمية، قبل أن تتحول الأزمة إلى واقع يصعب احتواؤه.

وللحق لم أتعامل مع توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تنظيم استخدام الأطفال الهواتف المحمولة بوصفه تصريحا عابرا أو فكرة مطروحة للنقاش فقط، بل رأيته خطوة وقائية شجاعة في توقيت بالغ الحساسية، ومحاولة جادة لاستباق أزمة تتفاقم بصمت داخل البيوت والمدارس والعقول الصغيرة، نحن لا نتحدث هنا عن تكنولوجيا في ذاتها، بل عن إنسان يتشكل وعيه في سنواته الأولى، وعن طفولة باتت محاصرة بالشاشات، وعن أجيال تنمو داخل عالم رقمي مفتوح بلا بوابات أمان كافية.

إشارة الرئيس إلى ضرورة التفكير في تشريع ينظم أو يقيد استخدام الهواتف المحمولة في سن الطفولة، كما قال نصا خلال احتفالية عيد الشرطة، لم تكن مجرد مقارنة بتجارب دول أخرى، بل كانت اعترافا صريحا بأننا أمام تحدٍ حقيقي لا يقل خطورة عن أي ملف أمني أو اقتصادي، حين قال الرئيس: "أفكر نفسي والحكومة وحتى البرلمان أن الأستراليين والإنجليز طلعوا تشريعات من أجل الحد أو منع استخدام الهواتف لسن معينة"، كان يضع يده على جوهر الأزمة: العالم كله بدأ يراجع علاقته بالتكنولوجيا بعدما تحولت من أداة تقدم إلى سلاح صامت يهدد الصحة النفسية والتعليمية والتوازن الاجتماعي للأطفال.

اللافت في هذا الطرح أنه لا ينطلق من منطلق المنع لمجرد المنع، بل من رؤية أعمق تسعى إلى بناء إنسان رقمي متوازن، يعرف متى يستخدم التكنولوجيا، وكيف، ولماذا، الطفل ليس نسخة مصغرة من الراشد، ولا يملك أدوات التمييز أو الحماية الذاتية في مواجهة المحتوى المفتوح، والإدمان الرقمي، وضغط المقارنات، والعنف البصري، والتشتت الذهني، الهاتف في يد طفل بلا ضوابط قد يكون نافذة على العالم، لكنه قد يتحول أيضا إلى عبء نفسي، وعزلة اجتماعية، وتشويه تدريجي لمفهوم التعلم والعلاقات الإنسانية.

ما يلفت الانتباه أن هذا التوجه لم يعد استثناء أو طرحا محليا، بل بات جزءا من مسار عالمي متسارع، دول كبرى بدأت بالفعل في سن تشريعات أو مناقشة قوانين صارمة للحد من استخدام الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي بين القاصرين، بعد أن دقت تقارير علمية وتربوية ناقوس الخطر بشأن الإدمان الرقمي وتداعياته على التركيز والتحصيل الدراسي والصحة النفسية، الحديث عن تجارب أستراليا وإنجلترا، وما يتداول عن توجهات مماثلة في دول أوروبية عدة، وصولا إلى ما أعلنته دول آسيوية مثل ماليزيا بشأن فرض قيود عمرية على استخدام المنصات الرقمية، يعكس إدراكا عالميا بأن ترك الطفل وحده في هذا الفضاء المفتوح لم يعد خيارا آمنا.

من وجهة نظري، الأهم في طرح الرئيس ليس فقط استلهام تجارب الآخرين، بل كسر حالة التردد التي تحيط عادة بمثل هذه الملفات، كثيرا ما نعرف الخطر، وندرك أبعاده، لكننا نؤجل المواجهة بدعوى أن العالم يتغير، أو أن التكنولوجيا لا يمكن إيقافها، الحقيقة أن التنظيم ليس عودة إلى الوراء، بل هو شكل من أشكال التقدم الواعي، الذي يضع الإنسان في مركز الاهتمام، لا الأداة، تنظيم استخدام الأطفال  الهواتف لا يعني عزلهم عن العصر، بل حمايتهم حتى يكتمل وعيهم وقدرتهم على الاختيار، هذا التوجه، إذا ما أُحسن صياغته تشريعيا وتربويا، يمكن أن يكون نقطة تحول حقيقية في مسار التربية والتعليم وبناء الوعي المجتمعي، نحن بحاجة إلى شراكة واضحة بين الدولة والأسرة والمدرسة، تعيد تعريف العلاقة بين الطفل والتكنولوجيا، وتؤكد أن الهاتف ليس بديلا عن اللعب، ولا عن الحوار، ولا عن الكتاب، ولا عن التفاعل الإنساني الحقيقي.

لا يمكن النظر إلى تنظيم استخدام الأطفال الهواتف المحمولة بمعزل عن واقع الأسرة اليوم، حيث أصبحت الشاشات في كثير من الأحيان بديلا عن الحوار، ووسيلة سهلة لتهدئة الطفل أو إشغاله، لكنها في المقابل تسحب منه بهدوء مهارات أساسية مثل التركيز، والقدرة على التعبير، وبناء العلاقات الطبيعية. 

نحن أمام جيل يتعامل مع العالم من خلف شاشة، يتلقى المعلومات بلا تمحيص، ويقيس ذاته بمعايير افتراضية قاسية، ما يخلق فجوة نفسية ومعرفية تتسع بمرور الوقت، من هنا، تأتي أهمية هذا التوجه الرئاسي بوصفه دعوة صريحة لإعادة الاعتبار لدور الأسرة، وإعادة ضبط الإيقاع داخل البيوت، بحيث يصبح الهاتف أداة منظمة لا محورا للحياة اليومية، ويستعيد الطفل حقه في طفولة حقيقية قائمة على اللعب والتفاعل والاكتشاف، وفي السياق نفسه، فإن أي تشريع محتمل لن يحقق أهدافه دون إطار توعوي وثقافي موازٍ، يخاطب المجتمع بلغة هادئة ومسؤولة، ويؤكد أن القضية ليست صراعا مع التكنولوجيا، بل محاولة عقلانية لترويضها، نحن بحاجة إلى سياسات تعليمية وإعلامية تشرح المخاطر بوضوح، وتقدم بدائل ذكية تشجع الأطفال على القراءة، والرياضة، والفنون، والعمل الجماعي، وتمنحهم مساحات آمنة للتعبير والإبداع بعيدا عن الإدمان الرقمي، حينها فقط يمكن أن تتحول هذه الخطوة من قرار تنظيمي إلى مشروع وطني متكامل، يهدف إلى بناء إنسان واعٍ، متوازن، قادر على استخدام التكنولوجيا دون أن يفقد ذاته أو إنسانيته.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 449 الصادر بتاريخ  29 يناير 2026
 

 

تم نسخ الرابط