«دراما رمضان».. اختبار وعي وليست ساحة لاستعراض النجوم
- «المشاهد» هو البطل الحقيقي في سباق الأعمال الدرامية
- المنافسة الرمضانية تنحاز فقط للعمل الذي يحترم وقت المتفرج
- الحلقة الأولى ليست مجرد بداية لكن اختبار لصدق التجربة الفنية بالكامل
- احترام عقل الجمهور هو الضمانة الوحيدة لاستمرار المتابعة أو السقوط المبكر
- جودة المضمون وحدها قادرة على استبقاء المشاهد في زحام الشاشات
مع اقتراب الموسم الرمضاني، تتجه الأنظار تلقائيا إلى خريطة المسلسلات، من أسماء النجوم، ميزانيات الإنتاج، وحجم الحملات الدعائية، ويدور الحديث عن المنافسة، الصدارة، نسب المشاهدة، ومن كسب الرهان ومن خرج مبكرا من السباق.
لكن وسط هذا الصخب كله، هناك طرف يبدو الأكثر حضورا والأقل حديثا عنه في الوقت ذاته ألا وهو المشاهد، فالمشاهد لم يعد متفرجا سلبيا يجلس منتظرا ما يقدم له، بل صار لاعبا أساسيا في المعادلة، بل الرهان الحقيقي الذي تتوقف عليه قيمة كل هذا الإنتاج الضخم، ومع ذلك، يبدو أن كثيرين ما زالوا يتعاملون معه بوصفه رقما لا إنسانا، ومؤشرا لا تجربة.
رمضان شهر مزدحم بالحياة، بالعمل، بالالتزامات الاجتماعية، وبضيق الوقت، والمشاهد الذي كان يخصص ساعات كاملة لمسلسل واحد، صار يتنقل بين الأعمال، يشاهد مشاهد متفرقة، ويكمل الحلقات على عجل أو لا يكملها أصلا، وهنا تكمن المفارقة الدراما تنتج بكثافة غير مسبوقة، بينما وقت المشاهد يتقلص، وفي السنوات الأخيرة، تغيرت علاقة المشاهد بالشاشة جذريا، لم يعد أسير موعد البث ولا رهينة قناة بعينها، بل أصبح صاحب القرار الكامل، يشاهد متى شاء، ويتوقف متى مل، ويعود أو لا يعود وفق ما يشعر به لا ما يفرض عليه، هذا التحول منح المشاهد قوة غير مسبوقة، لكنه في الوقت ذاته كشف هشاشة بعض الرهانات الإنتاجية التي ما زالت تتعامل بعقلية الزمن القديم، ولم يعد كافيا أن يبدأ المسلسل بقوة على أمل أن يتحسن لاحقا، لأن المشاهد لم يعد يمنح فرصا طويلة، ولا ينتظر وعودا مؤجلة، الحلقة الأولى باتت عقد ثقة، إذا لم يوقع بصدق، ينتهي كل شيء قبل أن يبدأ، وفي هذا الزحام، لم يعد السؤال: أي مسلسل أفضل؟ بل أصبح: أي عمل يحترم وقت المشاهد ووعيه ومزاجه؟
المشاهد الرمضاني اليوم أكثر حساسية من أي وقت مضى، لا يمنح ثقته بسهولة، ولا ينتظر كثيرًا حتى يقرر الانسحاب، حلقة أو حلقتان كافيتان لتحديد المصير، الإيقاع البطيء، الحشو، الاستعراض الزائد، أو المبالغة في الصراخ الدرامي، كلها أسباب كافية لقرار صامت لكنه حاسم سأغير القناة، واللافت أن المشاهد، رغم تشتته الظاهري، يمتلك حسا نقديا عاليا، حتى وإن لم يعبر عنه كتابة أو عبر منصات التواصل، هو يشعر قبل أن يحلل، ويميز بين ما يقدم له بحب وما يلقى عليه باعتباره واجبا موسميا، يشعر بالفرق بين عمل كتب ليقال، وآخر كتب ليشاهد، وبين شخصية تنبض بالحياة وأخرى تتحرك كأنها تؤدي واجبا تمثيليا، هذا الإحساس الجمعي هو ما يصنع السمعة الحقيقية للأعمال، بعيدا عن الضجيج المؤقت أو الترند العابر.
المفارقة أن بعض الأعمال تراهن على الاسم الكبير أو الضجة الدعائية، بينما الرهان الأصدق يجب أن يكون على الصدق الإنساني، المشاهد لا يبحث بالضرورة عن قصة خارقة، بل عن حكاية تشبهه، شخصية يرى فيها جزءا من حياته، أو سؤالا يمسه دون ادعاء، حتى الإعلانات، التي باتت شريكا ثقيل الظل في التجربة الرمضانية، أصبحت جزءا من هذا الاختبار، المشاهد يتسامح مع الفاصل حين يشعر بأن ما يشاهده يستحق الانتظار، لكنه يضيق ذرعا حين يشعر بأن العمل نفسه مجرد جسر لعبور الإعلانات. هنا، يفقد الموسم توازنه، ويتحول المشاهدة من متعة إلى عبء.
كما أن المشاهد لم يعد يبحث فقط عن الترفيه، بل عن مرآة خفية يرى فيها واقعه، أو نافذة صغيرة يطل منها على معنى أعمق للحياة، رمضان، بطبيعته الروحية والإنسانية، يرفع سقف التوقعات دون أن يعلن ذلك، المشاهد في هذا الشهر يكون أكثر استعدادا للتأثر، وأكثر حساسية تجاه الزيف والمبالغة.
لذلك تفشل بعض الأعمال الصاخبة رغم إمكاناتها، بينما تنجح أخرى هادئة لأنها التقطت المزاج العام دون ادعاء هنا، يصبح الهدوء شجاعة، والبساطة موقفا، والصدق اختيارا واعيا لا ضعفا فنيا.
واللافت للنظر أن بعض المسلسلات التي لا تدخل سباق "الترند" الصاخب، هي الأكثر بقاء في ذاكرة الجمهور لأنها خاطبت المشاهد كإنسان لا كمستهلك، وقدمت له تجربة تشبه جلسة هادئة لا حفلة صاخبة، وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: هل ما نريده في رمضان هو الصخب أم الأثر؟ ربما أخطأنا حين اختصرنا نجاح الموسم في نسب المشاهدة وحدها، النجاح الحقيقي هو أن يخرج المشاهد من الحلقة وهو يشعر بشيء: ابتسامة، حزن، سؤال، أو حتى صمت. أن يشعر بأن وقته لم يُهدر، وأن أحدًا ما احترم عقله ومشاعره.
وفي ظل هذا كله، يبقى السؤال معلقا أمام صنّاع الدراما: هل ننتج لنملأ خريطة العرض أم لنصنع تجربة؟ هل نخاطب المشاهد باعتباره مستهلكا يجب جذبه بأي وسيلة، أم شريكا في لحظة إنسانية تستحق الاحترام؟ الإجابة لا تقاس بعدد اللافتات الإعلانية ولا بحدة الصراع الدرامي، بل بقدرة العمل على البقاء حيا بعد انتهاء الحلقة، وبعد انقضاء الشهر الكريم.
النجوم يتغيرون، والشركات تتبدل، والعناوين تتكرر، لكن المشاهد هو الثابت الوحيد. هو من يمنح العمل حياته، وهو من يسحبها بصمت إذا لم يجد نفسه على الشاشة، ولهذا، وسط زحام الشاشات وتكدس الحكايات، يظل الرهان الحقيقي واحدا: أن تكسب إنسانا، لا مجرد مشاهدة.
ويتنافس فى السباق عدد كبير من المسلسلات منها "راس الأفعى" بطولة: أمير كرارة، شريف منير، و«إفراج» إخراج: أحمد خالد موسى، بطولة: عمرو سعد، تارا عماد، و«على كلاى» تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبدالسلام، بطولة: أحمد العوضي، درة، يارا السكري، و«المداح: أسطورة النهاية»، تأليف أمين جمال ووليد أبوالمجد، وإخراج أحمد سمير فرج، بطولة: حمادة هلال، فتحي عبدالوهاب، و«أولاد الراعي» تأليف ريمون مقار، وإخراج محمود كامل، بطولة: ماجد المصري، أمل بشوشة، و«الكينج» تأليف: محمد صلاح العزاب، وإخراج شيرين عادل، بطولة: محمد إمام، ميرنا جميل، و«درش » تأليف محمود حجاج، وإخراج أحمد خالد أمين، بطولة: مصطفى شعبان، سهر الصايغ، و«فن الحرب، تأليف عمرو سمير عاطف وإخراج محمود عبدالتواب، بطولة: يوسف الشريف، ريم مصطفى، و«وننسى اللي كان» تأليف عمرو محمود ياسين، وإخراج محمود الخبيرى، بطولة: ياسمين عبدالعزيز، كريم فهمي، و«على قد الحب» تأليف مصطفى جمال هشام، وإخراج خالد سعيد، بطولة: نيللى كريم، شريف سلامة.




