«تغليب الحكمة .. لا لتغذية النيران».. لماذا يحاول البعض إشعال فتنة إعلامية وسياسية بين القاهرة ودول الخليج؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- ماذا قال الرئيس لقادة السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين؟.. وما سر رسالته الخاصة لسلطان عمان؟

- الذين ينكرون موقف مصر الواقع؟؟ والشريف مصابون بحول سياسي وافتراء لا إرادي

لم تكن كلمات الرئيس عبد الفتاح السيسي عن أمن الخليج مجرد تعبير دبلوماسي عابر، ولا جملة سياسية قيلت في لحظة حماس، بل كانت – كما يؤكد الواقع – تعهدًا إستراتيجيًا ثابتًا يعكس رؤية مصر لمحيطها العربي ولطبيعة التهديدات التي تواجه المنطقة.

فحين قال الرئيس المصري عبارته الشهيرة إن «أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمن مصر»، وإن المسافة بين مصر وأشقائها في الخليج «مسافة السكة»، لم يكن يطلق شعارًا للاستهلاك الإعلامي، بل كان يضع قاعدة واضحة للسياسة المصرية تجاه أمن واستقرار المنطقة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن القاهرة، بقيادة السيسي، تتعامل مع التهديدات التي تستهدف دول الخليج باعتبارها تهديدات مباشرة للأمن القومي المصري.

فالدولة المصرية تدرك أن استقرار المنطقة العربية مترابط، وأن أي محاولة لزعزعة أمن دول الخليج ستنعكس بالضرورة على مجمل الأمن العربي، بما في ذلك أمن مصر السياسي والاقتصادي والإستراتيجي.

وفي هذا السياق، تبرز المخاطر التي تمثلها السياسات التوسعية الإيرانية، والتي لم تعد تقتصر على النفوذ السياسي أو التدخل غير المباشر، بل امتدت إلى دعم جماعات مسلحة، وإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة تستهدف منشآت حيوية ومدنية في عدد من الدول العربية.

وقد شكلت هذه السياسات مصدر قلق متزايدا لدول المنطقة، خاصة في ظل تصاعد نشاط الميليشيات المرتبطة بطهران في أكثر من ساحة.

وتدرك مصر أن مواجهة هذا النوع من التهديدات لا يمكن أن تكون مسؤولية دولة واحدة، بل تتطلب موقفًا عربيًا موحدًا يضع الأمن الجماعي فوق أي اعتبارات أخرى.

ومن هنا جاء الدعم المصري الواضح لدول الخليج في مواجهة الاعتداءات التي تستهدف أمنها واستقرارها.

لقد أكد السيسي في أكثر من مناسبة أن مصر لن تتخلى عن أشقائها في الخليج، وأنها تقف إلى جانبهم في مواجهة أي تهديد يمس سيادتهم أو سلامة أراضيهم.

ولم تكن هذه المواقف مجرد بيانات سياسية، بل جاءت مدعومة بتنسيق عسكري وأمني واستخباراتي متواصل بين القاهرة والعواصم الخليجية، في إطار رؤية تقوم على حماية الأمن العربي المشترك.

وإذا كان البعض يحاول التقليل من أهمية هذا الدور، فإن الوقائع على الأرض تكشف عكس ذلك تمامًا.

فمصر تمتلك واحدا من أقوى الجيوش في المنطقة، وقد نجحت خلال السنوات الماضية في تطوير قدراتها العسكرية بشكل كبير، بما يتيح لها حماية مصالحها القومية والمساهمة في استقرار محيطها الإقليمي.

كما أن العلاقات المصرية- الخليجية ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى عقود طويلة من التعاون والتضامن، حيث وقفت دول الخليج إلى جانب مصر في محطات تاريخية مهمة، كما وقفت القاهرة بدورها إلى جانب أشقائها في أوقات الأزمات.

ولهذا فإن محاولة تصوير الموقف المصري وكأنه موقف متردد أو قابل للمساومة تبدو بعيدة تمامًا عن الواقع.

فالدولة المصرية تدرك أن التهديدات التي تواجه الخليج اليوم قد تتحول غدًا إلى تهديدات مباشرة لبقية الدول العربية إذا لم يتم التصدي لها بحزم.

"مسافة السكة" حقيقة لا تقبل التشكيك

في خضم هذه التحديات، يبرز تساؤل مهم: لماذا يسعى البعض إلى التشكيك في الموقف المصري أو التقليل من أهميته؟ ولماذا تحاول بعض الأطراف إشعال فتنة إعلامية وسياسية بين مصر ودول الخليج؟

الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في طبيعة الصراع الدائر في المنطقة.

فهناك أطراف عديدة لا يروق لها أن ترى تماسكًا عربيًا حقيقيًا، لأن هذا التماسك يحد من قدرتها على التمدد أو فرض نفوذها.

ولذلك تسعى هذه الأطراف، عبر أدوات إعلامية أو منصات إلكترونية، إلى نشر روايات مشوهة تهدف إلى خلق انطباع زائف بوجود خلافات أو تباينات بين القاهرة والعواصم الخليجية.

غير أن هذه المحاولات غالبًا ما تصطدم بحقائق راسخة على الأرض، فالعلاقات بين مصر ودول الخليج تقوم على أساس من الثقة المتبادلة والمصالح المشتركة، كما أنها مدعومة بتنسيق سياسي وأمني مستمر.

وقد أثبتت التجارب أن هذه العلاقات قادرة على تجاوز أي محاولات للتشويه أو التضليل، لأن ما يجمع الطرفين ليس مجرد مصالح آنية، بل روابط تاريخية وإستراتيجية عميقة.

إن عبارة «مسافة السكة» التي أطلقها الرئيس السيسي لم تكن مجرد جملة رمزية، بل كانت رسالة واضحة مفادها أن مصر لن تتردد في الوقوف إلى جانب أشقائها إذا تعرضوا للخطر.

وهذه الرسالة لم تكن موجهة فقط إلى الداخل العربي، بل كانت أيضًا إشارة إلى القوى الإقليمية والدولية بأن أمن الخليج خط أحمر بالنسبة للقاهرة.

رسالة طمأنة ورسالة حزم

في الاتصالات واللقاءات التي جمعت السيسي مع قادة دول الخليج، كان الموقف المصري واضحًا وصريحًا.

فقد أكد الرئيس المصري في أكثر من مناسبة دعم بلاده الكامل لأمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، مشددًا على أن أي تهديد لهذه الدول هو تهديد مباشر للأمن القومي العربي.

وشملت هذه الرسائل قيادات بارزة في المنطقة، من بينها قيادة المملكة العربية السعودية وقيادة الإمارات العربية المتحدة إضافة إلى الكويت وقطر والبحرين، حيث شدد الرئيس المصري على أهمية تعزيز التنسيق والتعاون المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية.

وقد حملت هذه الرسائل بعدين أساسيين؛ الأول هو الطمأنة، إذ أرادت القاهرة أن تؤكد لأشقائها أن مصر تقف إلى جانبهم ولن تتخلى عنهم.

أما البعد الثاني فهو الحزم، إذ تعكس هذه المواقف استعداد مصر لاتخاذ ما يلزم من خطوات لحماية الأمن العربي إذا اقتضت الضرورة.

كما وجه السيسي رسالة خاصة إلى قيادة سلطنة عُمان تقديرًا للدور الذي تقوم به السلطنة في تهدئة التوترات الإقليمية وتعزيز الحوار الدبلوماسي، وهو دور يحظى باحترام واسع في المنطقة.

مصر لا تتخلى عن أشقائها

على الرغم من وضوح الموقف المصري، فإن بعض الأصوات لا تزال تحاول إنكار هذه الحقائق أو التقليل من أهميتها.

غير أن هذا الإنكار لا يغير من الواقع شيئًا، لأن الوقائع الملموسة تتحدث بوضوح عن حجم التنسيق والتعاون بين مصر ودول الخليج.

إن الذين يروجون لروايات مضللة حول الموقف المصري لا يعكسون بالضرورة قراءة موضوعية للواقع، بل قد يكونون مدفوعين بحسابات سياسية أو أيديولوجية تجعلهم يتجاهلون الحقائق الواضحة.

لكن الحقيقة الثابتة هي أن مصر، بتاريخها وثقلها الإستراتيجي، تدرك جيدًا مسؤولياتها تجاه محيطها العربي.

وهي لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره قضية خارجية، بل باعتباره جزءًا من منظومة الأمن القومي العربي التي لا يمكن التفريط فيها.

ولذلك فإن الرسالة التي أراد السيسي توجيهها كانت واضحة: مصر لا تطلق وعودًا للاستهلاك السياسي، بل تلتزم بما تقوله وتتحمل مسؤولياتها عندما يحين الوقت.

فالدولة التي صمدت في وجه الإرهاب لسنوات طويلة، واستعادت استقرارها رغم التحديات الهائلة، تدرك أن معركة الأمن في المنطقة لم تنته بعد، وأن الحفاظ على الاستقرار يتطلب تضامنًا عربيًا حقيقيًا.

وفي النهاية، يبقى الثابت أن مصر لا يمكن أن تخذل من يطلب حمايتها أو يقف إلى جانبها.

هذه ليست مجرد كلمات، بل عقيدة راسخة في السياسة المصرية، تؤكد أن التضامن العربي ليس خيارًا مؤقتًا، بل ضرورة إستراتيجية لضمان مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا للمنطقة بأكملها.

الصفحة الثانية من العدد رقم 456 الصادر بتاريخ  19 مارس 2026
تم نسخ الرابط