عاصم سليمان يكتب: الدولة المصرية تمضي في توسيع مظلة الحماية الاجتماعية وترسيخ مسار التنمية الشاملة

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- الموازنة الجديدة تجسد رؤية الرئيس السيسي لتحقيق التوازن بين الإصلاح الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية.

- الإنفاق الاجتماعي يتوسع لدعم السلع الأساسية والخدمات ودعم برامج الحماية للفئات الأولى بالرعاية.

- المواطن في صدارة الأولويات.. التنمية الشاملة تستهدف الارتقاء بجودة الحياة وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

لم يعد الإنفاق على الحماية الاجتماعية في مصر مجرد بند مالي داخل الموازنة العامة للدولة، بل أصبح أحد أهم المؤشرات التي تكشف فلسفة الدولة في إدارة المرحلة الحالية، والتي تقوم على تحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي وحماية المواطن من تداعيات التحديات الاقتصادية العالمية والمحلية.

ومن هذا المنطلق، جاء تصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على قانون ربط الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026/2027، ونشره في الجريدة الرسمية، ليؤكد استمرار هذا النهج، ويعكس رؤية واضحة تضع المواطن في قلب عملية التنمية.

وتحمل الموازنة الجديدة رسالة مهمة، مفادها أن الدولة لا تنظر إلى التنمية باعتبارها أرقاما ومؤشرات اقتصادية فقط، وإنما باعتبارها قدرة حقيقية على تحسين جودة حياة المواطنين، وتوفير شبكة أمان اجتماعي قوية، تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتخفف من الأعباء المعيشية عن الأسر الأكثر احتياجا.

ومن أبرز ما يلفت الانتباه في الموازنة الجديدة، الزيادة الكبيرة في مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، والتي بلغت 832.326 مليار جنيه، بما يعادل 3.4% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنحو 742.554 مليار جنيه في موازنة العام المالي 2025/2026، بزيادة بلغت 89.772 مليار جنيه، وبمعدل نمو يصل إلى 12.1%.

وهذه الأرقام لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد زيادة مالية، لكنها تعبر عن قرار سياسي واقتصادي واضح، يهدف إلى استمرار توسيع مظلة الحماية الاجتماعية، وضمان استمرار برامج الدعم التي تمس حياة ملايين المواطنين بشكل مباشر، سواء من خلال دعم السلع الأساسية، أو الخدمات، أو برامج الرعاية الاجتماعية، أو المبادرات التي تستهدف الفئات الأولى بالرعاية.

ومن وجهة نظري، فإن أهمية هذه المخصصات لا تكمن فقط في قيمتها المالية، وإنما في توقيتها أيضا، فالعالم لا يزال يواجه تقلبات اقتصادية وضغوطا تضخمية متواصلة، وهو ما يفرض على الحكومات البحث عن معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على الاستقرار المالي، وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية، ويبدو أن الموازنة الجديدة تسعى إلى تحقيق هذه المعادلة عبر استمرار الإنفاق الاجتماعي بالتوازي مع دعم النشاط الاقتصادي.

كما أن رفع مخصصات الدعم يؤكد أن الدولة لا تتعامل مع الحماية الاجتماعية باعتبارها حلولا مؤقتة، وإنما باعتبارها سياسة مستدامة، تتطور عاما بعد عام وفقا لاحتياجات المجتمع والمتغيرات الاقتصادية، وهو ما يعزز من قدرة المواطنين على مواجهة الأعباء، ويحافظ في الوقت نفسه على الاستقرار الاجتماعي.

ومن اللافت أيضا أن الموازنة الجديدة لا تكتفي بزيادة الإنفاق الاجتماعي، بل تربط بين الحماية الاجتماعية وتحفيز الاقتصاد، فالدعم لم يعد موجها فقط لتخفيف الأعباء، بل أصبح أداة لدعم النشاط الاقتصادي، والحفاظ على معدلات الاستهلاك، وتشجيع الإنتاج، ومساندة القطاعات الحيوية التي تمثل محركا رئيسيا للنمو.

وفي تقديري، فإن هذه الرؤية تعكس فهما عميقا لطبيعة المرحلة، لأن تحقيق النمو الاقتصادي لا يمكن أن ينفصل عن تحقيق العدالة الاجتماعية، كما أن الاستثمار في الإنسان يظل أفضل أنواع الاستثمار وأكثرها استدامة.

وكلما شعر المواطن بوجود شبكة حماية قوية، ازدادت قدرته على المشاركة في عملية الإنتاج والتنمية، وهو ما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني بأكمله.

وخلال السنوات الماضية، حرصت الدولة على تطوير منظومة الدعم بصورة مستمرة، مع العمل على توجيه الموارد بكفاءة أكبر، وضمان وصولها إلى الفئات المستحقة، بالتوازي مع إطلاق العديد من المبادرات الاجتماعية وبرامج الحماية التي استهدفت تحسين مستوى المعيشة، ودعم الأسر الأكثر احتياجا، وتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين، واليوم، تأتي موازنة 2026/2027 لتبني على ما تحقق، وتؤكد أن هذا المسار مستمر، وأن الدولة ماضية في تعزيز الإنفاق على القطاعات التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، وفي مقدمتها الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، بما يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ولا شك في أن تخصيص أكثر من 832 مليار جنيه لهذا القطاع يعكس إدراكا بأن الاستثمار في المواطن يمثل الركيزة الأساسية لبناء الجمهورية الجديدة، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وتستهدف تحسين حياته، ورفع مستوى الخدمات المقدمة له، وتوفير بيئة أكثر استقرارا تمكنه من العمل والإنتاج والمشاركة في مسيرة البناء.

ولا يمكن قراءة هذه الزيادة في مخصصات الدعم بمعزل عن النهج الذي تتبناه الدولة خلال السنوات الأخيرة، والقائم على بناء منظومة حماية اجتماعية أكثر شمولا واستدامة، تتكيف مع المتغيرات الاقتصادية وتستجيب لاحتياجات المواطنين، فمع كل موازنة جديدة، يتضح أن الحكومة تعمل على توسيع نطاق الإنفاق الذي ينعكس بشكل مباشر على حياة الأسر، سواء من خلال دعم السلع الأساسية، أو تعزيز الخدمات العامة، أو توفير التمويل اللازم للبرامج الاجتماعية التي تستهدف الفئات الأولى بالرعاية، ويمنح هذا التوجه الاقتصاد الوطني قدرا أكبر من التوازن، إذ يسهم في الحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين، ويعزز الاستقرار المجتمعي، ويدعم الطلب المحلي، وهو ما يمثل أحد المحركات المهمة للنشاط الاقتصادي، كما أن استمرار زيادة مخصصات الدعم يؤكد أن الدولة تنظر إلى الإنفاق الاجتماعي باعتباره استثمارا في الإنسان قبل أن يكون مجرد التزام مالي، لأن بناء مجتمع قادر على الإنتاج والمشاركة في التنمية يبدأ بتوفير مقومات الحياة الكريمة، وضمان وصول الخدمات الأساسية إلى جميع المواطنين، بما يرسخ الثقة في مسار الإصلاح الاقتصادي ويؤكد أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا إذا انعكست آثارها بصورة ملموسة على حياة المواطن اليومية.

ويمكننا القول إن موازنة العام المالي 2026/2027 تحمل رسالة واضحة مفادها أن الدولة تواصل السير في مسار يجمع بين الإصلاح الاقتصادي والانحياز الاجتماعي، وأنها حريصة على الحفاظ على التوازن بين متطلبات التنمية واحتياجات المواطنين، ومع استمرار زيادة مخصصات الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، تبدو الأولوية واضحة وهي تعزيز الحماية الاجتماعية، ودعم الفئات الأولى بالرعاية، وترسيخ مفهوم التنمية التي يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية، وهو ما يمثل أحد أهم مرتكزات بناء اقتصاد قوي ومجتمع أكثر استقرارا وتماسكا.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 473 الصادر بتاريخ 30 يوليو 2026
تم نسخ الرابط