حين تتكلم المصانع بلغة الأرقام.. الصناعات الهندسية ترسم طريقًا جديدًا للصادرات المصرية

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- صادرات تتجاوز 3.3 مليار دولار في ستة أشهر وتؤكد قدرة المنتج الوطني على المنافسة رغم اضطرابات الاقتصاد العالمي

- من قلب المصانع إلى الأسواق العالمية.. كيف تحولت الصناعات الهندسية إلى الحصان الأسود للصادرات المصرية وواصلت النمو وسط أزمات التجارة الدولية وسلاسل الإمداد؟

- نمو مستدام يعكس تطور الجودة وتنوع الأسواق ويعزز مكانة المنتج المصري عالميًا

- نجاح إستراتيجية تنويع الأسواق وزيادة القيمة المضافة وتعزيز تنافسية المنتج المصري

- الاستثمار في التصنيع والتكنولوجيا هو الطريق الأسرع لبناء اقتصاد أكثر قوة واستدامة

- الطريق إلى اقتصاد قوي يبدأ من المصنع وينتهي بمنتج قادر على المنافسة في الأسواق الدولية

وسط عالم مرتبك لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى، تبدو الأخبار الاقتصادية الإيجابية نافذة ضوء في غرفة مزدحمة بالقلق.

وحين تأتي هذه الأخبار من قلب الصناعة المصرية، فإنها تستحق أن نتوقف أمامها لا للاحتفاء بالأرقام وحدها، بل لفهم الرسالة الأعمق: أن الاقتصاد الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بما تنتجه المصانع، وما تصدره الشركات، وما تصنعه أيدي العمال والمهندسين والفنيين كل يوم.

الأرقام التي حققتها صادرات الصناعات الهندسية المصرية خلال النصف الأول من عام 2026 ليست خبرًا عابرًا في تقرير اقتصادي، وإنما مؤشر مهم يؤكد أن قطاعًا صناعيًا مصريًا استطاع أن يتحرك في الاتجاه المعاكس للعواصف المحيطة به، وأن يحقق نموًا في وقت تعاني فيه التجارة الدولية من اضطرابات متلاحقة، وترتفع تكاليف الشحن والطاقة والتأمين، وتهتز سلاسل الإمداد بفعل الصراعات الإقليمية والدولية.

فقد ارتفعت صادرات القطاع خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 6.6% لتصل إلى نحو 3.348 مليار دولار، مقارنة بنحو 3.140 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وقد تبدو النسبة محدودة لمن يقرأ الرقم منفصلًا عن سياقه، لكن تحقيق نمو وسط اضطرابات الملاحة وتقلب أسعار المواد الخام وارتفاع تكاليف النقل يعني قبل كل شيء قدرة على الصمود، ومرونة في إدارة الأزمات، وثقة متزايدة في المنتج المصري داخل الأسواق الخارجية.

أما شهر يونيو وحده، فقد حمل دلالة أكثر وضوحًا، بعدما ارتفعت صادرات الصناعات الهندسية بنسبة 67% لتصل إلى 784.2 مليون دولار، مقابل 469.7 مليون دولار في الشهر نفسه من العام الماضي.

وهذه القفزة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مصادفة أو طفرة مؤقتة، لأنها تأتي امتدادًا لمسار صاعد وصل خلاله القطاع في عام 2025 إلى صادرات بلغت نحو 6.5 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في تاريخه.

في تقديري، فإن وصف الصناعات الهندسية بأنها «الحصان الأسود» للصادرات المصرية يبدو دقيقًا.

فهذا القطاع لم يكن دائمًا حاضرًا في صدارة النقاش العام، ولم يحظَ بالضجيج الإعلامي الذي نالته قطاعات أخرى، لكنه واصل العمل بهدوء، وطور منتجاته، وطرق أبواب أسواق جديدة، حتى أصبح أحد أهم محركات الصادرات غير البترولية.

والحصان الأسود لا يعني المفاجأة فقط، بل القدرة على التقدم حين لا يراهن عليك كثيرون.

وهذا ما فعلته الصناعات الهندسية المصرية؛ إذ حافظت على التزاماتها تجاه المستوردين، وواصلت تسليم تعاقداتها، وأثبتت أن المنتج المصري قادر على المنافسة ليس بالسعر وحده، وإنما بالجودة والمرونة وسرعة الاستجابة.

ومن المهم أن قصة النجاح لم تعتمد على منتج واحد أو سوق واحدة.

فقد تصدرت الصناعات الكهربائية والإلكترونية القطاعات الأكثر نموًا بزيادة بلغت 65%، تلتها الطلمبات والمراجل والمحركات بنسبة 31%، ثم الكابلات بنسبة 23%، ومكونات السيارات بنسبة 22%، وأدوات المائدة والمطبخ بنسبة 9%، والأجهزة المنزلية بنسبة 2%.

وهذا التنوع يعني أن الصناعة الهندسية المصرية باتت تمتلك قاعدة إنتاجية أوسع، تمتد من التكنولوجيا إلى الصناعات الثقيلة وقطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية والإسكان.

كما أن الانتشار الجغرافي للصادرات يحمل دلالة لا تقل أهمية عن قيمتها.

فالمنتجات الهندسية المصرية وصلت إلى أسواق أوروبية مثل فرنسا وألمانيا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا، وحققت حضورًا في أسواق عربية منها السعودية والمغرب والكويت وتونس وقطر، إلى جانب أسواق إفريقية مثل الكاميرون وجنوب أفريقيا وغانا وإثيوبيا، فضلًا عن الولايات المتحدة والأرجنتين.

هذه الخريطة الواسعة تقول إن المنتج المصري لم يعد محصورًا في الأسواق القريبة أو التقليدية، بل أصبح قادرًا على دخول أسواق شديدة التنافس تراجع الجودة بدقة، وتقيس الالتزام بمواعيد التسليم، وتختبر كفاءة المنتج وخدمات ما بعد البيع.

والوصول إلى هذه الأسواق لا يحدث بالمجاملات، ولا يستمر إلا بمنتج قادر على الوقوف أمام بدائل قادمة من آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.

لذلك فإن نجاح الشركات المصرية في توسيع وجودها داخل هذه الأسواق يعني أنها قطعت شوطًا حقيقيًا في تطوير الإنتاج وتحسين الجودة.

وربما تكون هذه هي النقطة الأهم، لأن الاقتصاد المصري يحتاج إلى الانتقال من فكرة تصدير ما يتوافر لدينا، إلى فكرة إنتاج ما يحتاج إليه العالم.

هناك فارق كبير بين مصنع ينتج سلعة ثم يبحث عن مشترٍ لها، ومصنع يدرس الأسواق أولًا، ويتعرف على احتياجاتها، ويصمم منتجاته وفقًا لمواصفاتها، ثم يطور قدراته باستمرار.

ويبدو أن عددًا متزايدًا من الشركات المصرية بدأ يدرك هذا الفارق، ويعمل وفق منطق الصناعة الموجهة للتصدير، لا الصناعة التي تلجأ إلى التصدير فقط عندما يتراجع الطلب المحلي.

وتعكس تصريحات المهندس شريف الصياد، رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، فهمًا واضحًا لهذه المعادلة؛ إذ يؤكد أن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة إستراتيجية اعتمدت على تنويع الأسواق، ورفع جودة المنتج، وزيادة القيمة المضافة، والتوسع في الصناعات ذات المحتوى التكنولوجي المرتفع.

وأنا أتفق مع هذه الرؤية، لأن الصادرات المستدامة لا يمكن أن تقوم على انخفاض تكلفة العمل وحده، ولا على تغيرات سعر الصرف، ولا على حوافز مؤقتة.

هذه العوامل قد تساعد، لكنها لا تصنع نجاحًا طويل المدى.

النجاح الحقيقي يقوم على جودة مستقرة، وتصميم جيد، وتكنولوجيا حديثة، ومكون محلي مرتفع، وقدرة على التطوير والابتكار.

إن رفع القيمة المضافة للمنتج المصري يجب أن يكون قضية وطنية.

فليس الهدف أن نصدر كميات أكبر فقط، وإنما أن نصدر منتجات أكثر تطورًا وأعلى سعرًا وأكثر اعتمادًا على المعرفة والتكنولوجيا.

تصدير مكون متقدم للسيارات يختلف اقتصاديًا عن تصدير مادة خام، وتصدير جهاز كهربائي متكامل يحمل علامة مصرية يختلف عن تصدير أجزاء بسيطة يضع الآخرون عليها أسماءهم.

وهنا يبرز ملف الصناعات المغذية، وهو من أهم الملفات التي يجب التركيز عليها. فنجاح الصناعات الهندسية لا يكتمل إذا ظلت نسبة كبيرة من مكوناتها مستوردة.

قد نستطيع التصدير وتحقيق نمو، لكننا سنظل معرضين لارتفاع أسعار المكونات وتقلبات الشحن ونقص الخامات إذا لم نعمل بجدية على تعميق التصنيع المحلي.

وتعميق التصنيع المحلي لا يعني إغلاق الأسواق أو إنتاج كل شيء مهما كانت التكلفة، بل يعني تحديد المكونات التي نملك فرصة حقيقية لتصنيعها بكفاءة، وتشجيع الاستثمار فيها، وربط المصانع الكبرى بالموردين المحليين، ونقل التكنولوجيا، ورفع جودة الشركات الصغيرة والمتوسطة حتى تصبح جزءًا من سلاسل التوريد المحلية والعالمية.

فالمصنع الكبير لا يعمل وحده. وراء كل مصنع ناجح شبكة من الموردين، وشركات للنقل والتعبئة، ومكاتب للتصميم، ومراكز للاختبار والجودة، ومؤسسات للتدريب، ومئات العمال والفنيين.

وعندما تتوسع الصادرات الهندسية، فإن أثرها لا يذهب إلى أصحاب المصانع وحدهم، بل يمتد إلى قطاعات واسعة من المجتمع.

وراء كل رقم تصديري قصة إنسانية لا تظهر في التقارير: عامل يقف أمام ماكينة ساعات طويلة، ومهندس يراجع تفاصيل المنتج حتى يطابق المواصفات، وفني يتعلم مهارة جديدة، وموظف تسويق يتابع مستوردين في معارض دولية حتى يحصل على تعاقد.

لذلك فالحديث عن الصناعة ليس حديثًا باردًا عن الآلات والأرقام، بل حديثا عن فرص العمل والكرامة والاستقرار ومستقبل الأبناء.

ومن أهم عناصر النجاح قدرة الشركات المصرية على الوفاء بالتزاماتها رغم الاضطرابات العالمية.

فالمستورد لا يبحث فقط عن السعر والجودة، وإنما عن شريك يمكن الاعتماد عليه.

وإذا تأخرت الشحنات أو تغيرت المواصفات دون اتفاق، تضيع الثقة سريعًا.

أما الشركة التي تقف بجوار عميلها وقت الأزمة، فإنها تبني رصيدًا قد يكون أكثر قيمة من الأرباح السريعة.

كما أن الموقع الجغرافي لمصر يمثل ميزة يجب استغلالها بذكاء.

نحن قريبون من أوروبا، وفي قلب العالم العربي، وعلى بوابة إفريقيا، ونملك شبكة من اتفاقيات التجارة الحرة.

لكن الموقع وحده لا يكفي؛ فالجغرافيا تمنح الفرصة، أما الجودة والتنظيم والبنية اللوجستية فهي التي تحولها إلى مكسب.

لقد ضاعت علينا فرص كثيرة حين تصورنا أن الموقع المتميز يعوض ضعف الخدمات أو بطء الإجراءات أو ارتفاع تكلفة النقل الداخلي.

والحقيقة أن المصدر يقيس الرحلة كاملة، من خروج المنتج من المصنع حتى وصوله إلى العميل، وكل ساعة تأخير أو تكلفة غير مبررة تقلل القدرة التنافسية.

لذلك فإن الحفاظ على نمو الصادرات الهندسية يتطلب استمرار تطوير الموانئ والجمارك وشبكات النقل، وتبسيط الإجراءات، وتسريع الإفراج عن مكونات الإنتاج، وتوفير بيئة مستقرة تستطيع الشركات من خلالها التخطيط والتوسع.

وإذا كان القطاع يستهدف الوصول إلى صادرات تبلغ 7.5 مليار دولار بنهاية 2026، فإن هذا الهدف يبدو ممكنًا في ضوء النتائج الحالية، لكنه ليس مضمونًا.

فالأرقام الجيدة لا تعني أن الطريق أصبح ممهدًا، بل إن المسؤولية أصبحت أكبر؛ لأن الحفاظ على النجاح أصعب من تحقيقه للمرة الأولى، والمنافسون في الأسواق العالمية لا يقفون في أماكنهم.

هناك دول تضخ استثمارات هائلة في الصناعة والبحث والتطوير، وشركات عالمية تعيد النظر في سلاسل التوريد وتبحث عن مواقع إنتاج بديلة.

وهذه فرصة كبرى لمصر، لكنها فرصة لن تنتظر طويلًا.

فالعالم يعيد توزيع خريطة الصناعة، ومصر تستطيع أن تكون مركزًا إقليميًا مهمًا للصناعات الهندسية لخدمة أوروبا وإفريقيا والمنطقة العربية.

لكن تحقيق ذلك يتطلب عقلية مختلفة.

لا نحتاج إلى مزيد من المؤتمرات التي تنتهي بتوصيات محفوظة، بل إلى خطط تنفيذية واضحة، وأهداف سنوية قابلة للقياس، ومتابعة مستمرة لما يواجهه المصنعون والمصدرون من تحديات.

نحتاج كذلك إلى ربط التعليم الفني باحتياجات المصانع، لأن أي توسع صناعي حقيقي سيصطدم بنقص العمالة الماهرة إذا لم نتحرك من الآن.

فالمصانع الحديثة تحتاج إلى فنيين قادرين على تشغيل وصيانة المعدات المتقدمة، وفهم نظم الجودة، والتعامل مع التكنولوجيا الرقمية.

وأعتقد أن النجاح الحالي للصناعات الهندسية يمنحنا نموذجًا يمكن البناء عليه في قطاعات أخرى: نحدد المجالات التي تمتلك فيها مصر قدرات إنتاجية وفرصًا في الأسواق العالمية، ثم نطورها وفق إستراتيجية متكاملة تشمل التمويل والتدريب والتكنولوجيا والتسويق والتصدير.

ومن المهم أيضًا بناء العلامة التجارية المصرية في الصناعات الهندسية. فبعض المنتجات المصرية يصل إلى الخارج لكنه يباع تحت أسماء شركات أخرى، وهذا يحقق عائدًا لكنه لا يبني حضورًا طويل المدى.

لذلك يجب تشجيع الشركات على الاستثمار في التصميم والتسويق وخدمات ما بعد البيع، حتى يصبح اسم الصناعة المصرية حاضرًا في ذهن المستهلك العالمي، لا مجرد اسم على شهادة منشأ.

ما تحقق خلال النصف الأول من 2026 يستحق التقدير، لكنه يجب أن يكون بداية لا نهاية.

وأفضل طريقة للاحتفال بالنجاح هي تحويله إلى قاعدة لنجاح أكبر: كيف نرفع الصادرات إلى عشرة مليارات دولار؟ كيف نضاعف عدد الشركات المصدرة؟ كيف نزيد نسبة المكون المحلي؟ وكيف نحول مصر إلى مركز إقليمي لتصميم وتصنيع المنتجات الهندسية والتكنولوجية؟

لدينا فرصة حقيقية، لكن الفرص لا تتحول إلى واقع بالأمنيات.

تحتاج إلى إدارة جيدة، وسياسات مستقرة، واستثمار في الإنسان، وإيمان بأن الصناعة ليست قطاعًا اقتصاديًا عاديًا، بل مسألة أمن قومي.

الدول القوية ليست فقط التي تملك احتياطيات مالية كبيرة، بل التي تعرف كيف تنتج احتياجاتها، وتطور تكنولوجيتها، وتصدر منتجاتها، وتحجز لنفسها مكانًا في سلاسل القيمة العالمية.

وما تفعله الصناعات الهندسية المصرية اليوم خطوة مهمة على هذا الطريق.

ولهذا فإن قصة الصناعات الهندسية ليست مجرد قصة صادرات ارتفعت، بل قصة قطاع قرر ألا يستسلم للظروف، وشركات آمنت بأن المنافسة ممكنة، وعمال ومهندسين أثبتوا أن المنتج المصري يستطيع أن يصل إلى أصعب الأسواق حين تتوافر له الإدارة والرؤية والفرصة.

إنها رسالة واضحة تقول إن مصر تستطيع أن تصنع وتنافس وتصدر، بشرط أن نثق في قدراتنا، وأن نعمل بعلم ونظام، وأن ندرك أن الطريق إلى اقتصاد قوي يبدأ من بوابة المصنع.

الأرقام التي تحققت تبعث على التفاؤل، لكن التفاؤل الحقيقي ليس أن نصفق لها ثم ننساها، بل أن نحمي هذا النجاح ونوسع دائرته ونزيل العقبات من أمامه، ونحوّل «الحصان الأسود» إلى قوة صناعية تقود الصادرات المصرية لسنوات طويلة قادمة.

عندها فقط لن تكون الصناعات الهندسية مفاجأة موسم واحد، بل عنوانًا دائمًا لمصر التي نريدها: مصر التي تنتج أكثر مما تستهلك، وتصدر أكثر مما تستورد، وتفتح لأبنائها أبواب العمل والمعرفة والأمل.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 473 الصادر بتاريخ 30 يوليو 2026
تم نسخ الرابط