حين تتحول التشريعات إلى قوة دفع للاقتصاد وبناء الجمهورية الجديدة
- الحصاد التشريعي لمجلس النواب.. 162 قانونًا و1580 مادة تعيد رسم ملامح الاقتصاد والحماية الاجتماعية والأمن القومي وتواكب متطلبات الجمهورية الجديدة
- البرلمان يعيد ترتيب البيئة القانونية لمواكبة الإصلاح الاقتصادي وحماية الفئات الأولى بالرعاية وتعزيز الأمن القومي
- التشريعات الحديثة ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد والاستثمار وحماية المواطن ومواكبة التحولات العالمية
- قوانين الاقتصاد والاستثمار والضرائب والحماية الاجتماعية والأمن ترسم ملامح مرحلة جديدة في مسار بناء الدولة المصرية
- من النصوص إلى الواقع.. لماذا يبقى تنفيذ القوانين وقياس أثرها على المواطن والمستثمر التحدي الأكبر بعد إقرار 162 قانونًا خلال دور الانعقاد الأول؟
ربما لا تحظى التشريعات والقوانين بنفس القدر من الاهتمام الذي تحظى به المشروعات الكبرى أو المؤشرات الاقتصادية أو القرارات التي يشعر المواطن بتأثيرها المباشر، لكنني أعتقد أن هناك حقيقة مهمة يجب أن نتوقف أمامها، هي أن أي دولة تريد أن تتحرك إلى الأمام لا تستطيع أن تفعل ذلك بجدية دون بنية تشريعية قوية تسبق الحركة وتحميها وتفتح الطريق أمامها، لأن التنمية في النهاية ليست مجرد طرق ومصانع ومدن جديدة، وإنما منظومة متكاملة تحتاج إلى قانون حديث، وإدارة قادرة، ومؤسسات تعرف حدود مسؤولياتها، ومناخ يمنح المستثمر والمواطن معاً قدراً كافياً من الثقة والاستقرار.
ومن هذه الزاوية تحديداً أرى أن الحصاد التشريعي لمجلس النواب خلال دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي الثالث يستحق قراءة تتجاوز الأرقام المجردة، فرغم أن إقرار 162 قانوناً بإجمالي 1580 مادة يمثل في حد ذاته نشاطاً تشريعياً ضخماً، فإن الأهم بالنسبة لي ليس عدد القوانين بقدر ما تعكسه خريطة هذه التشريعات من أولويات الدولة المصرية في هذه المرحلة، وهي أولويات تمتد من الاقتصاد والاستثمار والضرائب إلى الحماية الاجتماعية والصحة والدفاع والأمن والتعليم والتكنولوجيا وغيرها من الملفات التي تمس بصورة مباشرة مستقبل الدولة وحياة المواطن.
وأظن أننا بحاجة دائماً إلى النظر إلى التشريع باعتباره جزءاً من عملية التنمية وليس عملاً منفصلاً عنها، فالمستثمر الذي نطالبه بضخ أمواله في السوق المصرية يحتاج قبل أي شيء إلى قواعد واضحة ومستقرة، والمصنع الذي نريد منه زيادة الإنتاج والتصدير يحتاج إلى بيئة تشريعية تساعده ولا تربكه، والمواطن الذي يتحمل أعباء مرحلة اقتصادية صعبة يحتاج إلى مظلة اجتماعية تحميه، والدولة التي تخطط لعقود مقبلة تحتاج إلى قوانين تتعامل مع المستقبل وليس مع مشكلات الماضي فقط.
وهنا تكتسب القوانين المرتبطة بالاقتصاد والاستثمار والضرائب أهمية خاصة، لأن مصر تخوض خلال السنوات الأخيرة معركة حقيقية من أجل إعادة بناء الاقتصاد على أسس أكثر قدرة على الإنتاج والمنافسة وجذب الاستثمار.
وقد قلت أكثر من مرة إن المستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز المالية، ولا يتخذ قراره لأن هناك إعفاءً هنا أو ميزة هناك، وإنما يبحث قبل ذلك عن وضوح القواعد وسهولة الإجراءات واستقرار السياسات وقدرته على معرفة حقوقه والتزاماته بصورة لا تحتمل عشرات التفسيرات.
لذلك فإن أي تحرك تشريعي يستهدف تبسيط المنظومة الضريبية وإنهاء المنازعات وتخفيف التعقيدات وتطوير قواعد التعامل مع مجتمع الأعمال يمثل، في تقديري، رسالة اقتصادية مهمة.
وقد تضمنت الأجندة التشريعية بالفعل حزمة مرتبطة بالضرائب وتسوية المنازعات الضريبية، إلى جانب تعديلات تتعلق بضريبة الدخل والقيمة المضافة وغيرها من التشريعات الاقتصادية.
والمسألة هنا ليست في تغيير نص قانوني فقط، وإنما في فلسفة يجب أن تستمر وتتوسع، وهي الانتقال من العلاقة القائمة على الشك بين الإدارة والمستثمر إلى علاقة تقوم على الشراكة والانضباط والوضوح.
فالاقتصاد الحديث لا يمكن أن يتحرك بكفاءة داخل متاهة من الإجراءات، ولا يستطيع القطاع الخاص أن يؤدي الدور المطلوب منه إذا كان جزء كبير من طاقته يذهب إلى التعامل مع التعقيدات الإدارية والقانونية.
وكل خطوة تختصر هذه المسافة هي في حقيقتها خطوة في اتجاه تحسين مناخ الاستثمار، حتى وإن لم تظهر نتائجها في اليوم التالي.
وفي المقابل، فإن التركيز على الاقتصاد لا يعني أن المواطن يجب أن يكون بعيداً عن المشهد، وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية في قراءة الحصاد التشريعي.
وجود تشريعات تمس التأمينات والمعاشات والتأمين الصحي والحوافز والعلاوات وغيرها من الملفات الاجتماعية يكشف أن هناك محاولة لتحقيق قدر من التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضرورة الحفاظ على شبكة الحماية الاجتماعية.
وهذا التوازن لم يعد ترفاً، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية العالمية والإقليمية التي فرضت ضغوطاً كبيرة على الاقتصادات المختلفة، وكانت مصر بطبيعة الحال جزءاً من هذه البيئة الصعبة.
المواطن يريد أن يرى ثمار الإصلاح في حياته، والدولة في الوقت نفسه مطالبة باستكمال مسار اقتصادي طويل لا يمكن اختزاله في قرار أو موازنة أو عام مالي واحد. ومن هنا تصبح التشريعات الاجتماعية واحدة من أدوات الحفاظ على هذا التوازن الدقيق.
وأعتقد أن نجاح أي سياسة اقتصادية في النهاية لا يقاس فقط بالأرقام الكلية، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس.
قد يكون معدل النمو مهماً، وحجم الاستثمار مهماً، وزيادة الصادرات شديدة الأهمية، لكن المواطن البسيط يقرأ كل هذه الأرقام من زاوية مختلفة تماماً: ماذا تغير في مستوى معيشته؟ وهل يحصل على خدمة صحية أفضل؟ وهل معاشه أكثر قدرة على مواجهة أعباء الحياة؟ وهل يجد ابنه فرصة عمل حقيقية؟ هذه هي الأسئلة التي تمنح الأرقام معناها الإنساني.
ومن اللافت أيضاً أن الخريطة التشريعية لم تتعامل مع الاقتصاد باعتباره ملفاً منعزلاً، وإنما امتدت إلى قضايا الأمن والدفاع والتكنولوجيا والسلامة البيولوجية والأنشطة النووية والإشعاعية وغيرها من الملفات التي ربما تبدو بعيدة عن المواطن العادي، لكنها في الحقيقة جزء من مفهوم أوسع بكثير للأمن القومي.
فالعالم تغير، ومفهوم الأمن نفسه تغير معه.
لم يعد أمن الدول مرتبطاً فقط بقدرتها العسكرية، رغم أنها ستظل عنصراً أساسياً لا يمكن التهاون فيه، وإنما أصبح الأمن الاقتصادي والغذائي والصحي والتكنولوجي والبيولوجي جزءاً من معادلة واحدة.
والدولة التي تريد حماية مستقبلها يجب أن تمتلك تشريعات قادرة على التعامل مع هذه المساحات الجديدة.
ولهذا أرى أن تحديث التشريعات المرتبطة بالدفاع والخدمة العسكرية والتعليم العسكري والأنشطة ذات الطبيعة الإستراتيجية يعكس إدراكاً لطبيعة التحولات التي يشهدها العالم.
فنحن نعيش في منطقة شديدة الاضطراب، وتشهد حدود مصر ومحيطها الإقليمي أزمات متلاحقة، وبالتالي فإن تحديث أدوات الدولة ومؤسساتها وتشريعاتها ليس اختياراً يمكن تأجيله.
لكن هناك جانباً آخر لا يقل أهمية، هو أن الجمهورية الجديدة التي نتحدث عنها منذ سنوات لا يمكن أن تعتمد على بنية تشريعية صُممت بالكامل لعصر مختلف.
المدن الجديدة تغيرت، وأنماط الاستثمار تغيرت، والتكنولوجيا دخلت كل القطاعات تقريباً، وطبيعة الوظائف تتغير بسرعة، كما تغيرت أشكال التجارة والإنتاج والخدمات، ومن الطبيعي أن يواكب القانون كل ذلك.
وهنا تحديداً تكمن قيمة النشاط التشريعي عندما يكون مرتبطاً برؤية للمستقبل، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحرك الدولة بسرعة بينما يظل القانون واقفاً في مكانه.
هذه الفجوة تخلق مشكلات ضخمة، وتجعل المؤسسات أحياناً مضطرة إلى التعامل مع واقع جديد بأدوات قديمة.
ومع ذلك، فإن إصدار القوانين وحده لا يكفي، وهذه نقطة لا بد من التأكيد عليها بوضوح.
لدينا في مصر تجارب كثيرة أثبتت أن القانون الجيد يمكن أن يفقد جانباً كبيراً من قيمته إذا اصطدم بإجراءات تنفيذية معقدة أو بطء إداري أو تعدد جهات أو تفسير مختلف للنص من مؤسسة إلى أخرى.
ولهذا فإن المرحلة التالية بعد هذا النشاط التشريعي يجب أن تكون مرحلة قياس الأثر.
ماذا حدث بعد صدور القانون؟ هل اختصر بالفعل إجراءات الاستثمار؟ هل انتهت المشكلة التي صدر لمعالجتها؟ هل شعر المواطن بتأثيره؟ هل انخفض زمن الحصول على الخدمة؟ هل أصبحت تكلفة ممارسة النشاط أقل؟ وهل تحولت فلسفة القانون إلى ممارسة يومية داخل المؤسسات؟
هذه الأسئلة في رأيي أهم من الاحتفال بعدد التشريعات نفسها، لأن القانون ليس غاية في حد ذاته وإنما وسيلة لتحسين الواقع.
والأمر نفسه ينطبق على المستثمر.
إذا كانت الدولة تريد من القطاع الخاص أن يقود جانباً أكبر من النمو خلال السنوات المقبلة، فإن التشريعات الاقتصادية يجب أن تتحول إلى حالة من اليقين داخل السوق.
رأس المال بطبيعته يبحث عن الاستقرار، وقد يقبل مخاطرة تجارية لكنه لا يحب المخاطرة الناتجة عن عدم وضوح القواعد.
وهذا هو السبب الذي يجعلني أرى أن أحد أهم مكاسب تطوير المنظومة التشريعية هو بناء الثقة.
الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وبين المستثمر والإدارة، وبين السوق وصانع القرار.
وكلما أصبحت القوانين أبسط وأكثر وضوحاً واستقراراً، ارتفعت هذه الثقة وأصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الحركة.
كما أن البرلمان في هذه المرحلة لا يقوم بدور تشريعي بمعزل عن التحولات التي تحدث على الأرض.
مصر تنفذ مشروعات ضخمة في البنية الأساسية، وتسعى إلى توطين الصناعة، وزيادة الصادرات، وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وتطوير منظومة الصحة والتعليم.
وكل مسار من هذه المسارات يحتاج إلى غطاء تشريعي يضمن استمراره ويحمي نتائجه.
ومن هنا يمكن فهم دلالة هذا العدد الكبير من التشريعات خلال دور انعقاد واحد.
نحن أمام محاولة لإعادة ترتيب أجزاء واسعة من البيئة القانونية بما يتناسب مع دولة تتحرك في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه.
لكن التحدي الأكبر سيظل دائماً في التنفيذ، لأن المواطن لا يتعامل مع نص القانون المنشور في الجريدة الرسمية، وإنما يتعامل مع الموظف والشباك والمنصة الإلكترونية والمستشفى ومكتب الضرائب وهيئة الاستثمار ومختلف مؤسسات الدولة.
وإذا لم تصل روح التشريع إلى هذه المستويات، ستظل هناك مسافة بين ما يريده المشرع وما يشعر به المواطن.
ولذلك أتمنى أن يكون قياس الأثر التشريعي جزءاً ثابتاً من عمل البرلمان والحكومة خلال المرحلة المقبلة، وأن نعرف بصورة دورية ماذا حقق كل قانون بعد تطبيقه، وأين ظهرت مشكلات التنفيذ، وما الذي يحتاج إلى تعديل.
فالدول الحديثة لا تعتبر تعديل القانون اعترافاً بالفشل، وإنما تعتبره دليلاً على أن التشريع كائن حي يتطور مع المجتمع والاقتصاد.
وفي النهاية، أعتقد أن قراءة الحصاد التشريعي بهذه الطريقة تجعلنا أمام صورة أكبر من مجرد 162 قانوناً و1580 مادة.
نحن أمام جزء من عملية إعادة بناء واسعة تحاول فيها الدولة أن تجعل تشريعاتها أكثر اتصالاً باحتياجات الاقتصاد والمجتمع والأمن القومي ومستقبل التنمية.
والنجاح الحقيقي لهذه الخارطة لن يكون في عدد القوانين التي صدرت، وإنما في عدد المشكلات التي اختفت بسببها، وحجم الاستثمارات التي تحركت، والفرص التي تم خلقها، والخدمات التي تحسنت، والوقت الذي تم توفيره على المواطن والمستثمر.
فالجمهورية الجديدة لا تُبنى بالخرسانة وحدها، ولا بالمشروعات الكبرى وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى قانون حديث وإدارة حديثة وفكر قادر على استيعاب المستقبل.
وإذا نجحنا في تحويل هذا الزخم التشريعي إلى واقع يشعر به المواطن ويلمس أثره المستثمر، فسوف تكون هذه القوانين قد أدت دورها الحقيقي، ليس باعتبارها صفحات جديدة أضيفت إلى كتب التشريعات، وإنما باعتبارها جزءاً من خارطة طريق لدولة تعرف جيداً إلى أين تريد أن تذهب.

- درة
- تنفي
- مجلس النواب
- طرة
- مؤشرات
- التجارة
- الصناعة
- الاقتصاد
- العالم
- قانون
- الأولى
- حماية
- طالب
- الجمهور
- الصحة
- شبكة
- عامل
- النواب
- التنمية
- صلاح
- وظائف
- البيئة
- البرلمان
- ضرائب
- الحكومة
- اقتصاد
- الاستثمار
- الانعقاد
- طلبات
- المشروعات
- المرحلة
- تعزيز
- مصنع
- خالد الطوخى يكتب
- الدولة المصرية
- الحماية الاجتماعية
- قرار
- الحصاد
- اجتماع
- ملفات
- تنفيذ
- نشاط
- منع
- اول
- التزام
- مشروع
- استقرار
- راب
- المصري
- النجاح
- احتفال
- الطب
- فلسفة القانون
- مستشفى
- سوق
- طريق
- روح
- مطالب
- ساحات
- داخل
- منطقة
- القطاع الخاص
- الأمن القومي
- طالبة
- الاول
- حركة
- قائمة
- الدول
- امن
- ادا
- تعرف
- الامن
- الاصلاح الاقتصادي
- خالد الطوخى
- المؤشرات الاقتصادية
- مصر



