صابر سالم يكتب: السياحة المصرية تستحق أفضل من ذلك

صابر سالم - صورة
صابر سالم - صورة أرشيفية

تملك مصر واحدة من أهم المقومات السياحية في العالم، ليس فقط بما تمتلكه من آثار عمرها آلاف السنين، وإنما بما تقدمه من تنوع يصعب أن تجده مجتمعًا في وجهة واحدة.

فهنا الأهرامات والمعابد والمقابر والمتاحف، وهناك البحر الأحمر وشواطئه وشعابه المرجانية، وفي الجنوب سحر النيل والأقصر وأسوان، وعلى امتداد الساحل مدن ومنتجعات قادرة على المنافسة، فضلًا عن السياحة الدينية والعلاجية والبيئية والثقافية وسياحة المؤتمرات وغيرها.

ومع ذلك، فإن الحقيقة التي يجب أن نعترف بها بوضوح هي أن السياحة المصرية تستحق أفضل من ذلك.

تستحق أن تحصل على ما يتناسب مع حجم المقومات التي تمتلكها، وأن تنتقل من فكرة امتلاك المنتج السياحي إلى القدرة على تقديمه وتسويقه وإدارته بالشكل الذي يليق بمكانة مصر.

المشكلة لم تكن يومًا في غياب المقومات.

مصر لا تحتاج إلى اختراع تاريخ جديد حتى تجذب السائح، ولا تحتاج إلى البحث عن قصة ترويها للعالم؛ فالتاريخ المصري نفسه واحد من أعظم القصص التي عرفتها البشرية.

لكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تقديم هذه القصة، وكيف يتحول الأثر من مجرد حجر إلى تجربة متكاملة يعيشها السائح ويتحدث عنها ويكررها وينصح الآخرين بخوضها.

السائح اليوم لم يعد يبحث فقط عن زيارة مكان أثري والتقاط الصور أمامه، وإنما يريد تجربة متكاملة تبدأ من لحظة وصوله إلى المطار، مرورًا بسهولة التنقل والإقامة والخدمات والإرشاد، وصولًا إلى جودة المواقع السياحية والمطاعم والأنشطة والفعاليات.

وكل تفصيلة صغيرة يمكن أن تصنع الفارق بين سائح يغادر بانطباع جيد وسائح يتحول إلى سفير حقيقي لمصر في بلاده.

ولهذا، فإن تطوير السياحة يجب ألا ينحصر في زيادة أعداد الغرف الفندقية أو افتتاح مشروعات جديدة، رغم أهمية ذلك، وإنما يجب أن يمتد إلى جودة الخدمة ورفع كفاءة العاملين وتطوير المناطق السياحية وتحسين تجربة الزائر في كل مراحل رحلته.

كما أن المنافسة السياحية العالمية أصبحت أكثر شراسة. هناك دول لا تمتلك تاريخ مصر ولا تنوعها الطبيعي، لكنها استطاعت بناء صناعة سياحية قوية لأنها فهمت أن السائح يشتري التجربة قبل أن يشتري الرحلة.

وبالتالي، فإن مصر مطالبة بأن تتعامل مع السياحة باعتبارها صناعة متكاملة تحتاج إلى الاستثمار المستمر في الإنسان والتكنولوجيا والتسويق والبنية الأساسية.

ومن أهم الملفات التي تحتاج إلى مزيد من الاهتمام أيضًا التسويق السياحي. فمصر معروفة عالميًا، لكن المعرفة وحدها لا تكفي.

المطلوب هو تقديم صورة حديثة ومتنوعة لمصر، لا تختصرها في الأهرامات وأبو الهول فقط، رغم عظمتهما، وإنما تكشف للعالم عن مصر أخرى تمتلك الشواطئ والمدن الحديثة والثقافة والفنون والموسيقى والمطبخ والتراث والأسواق والرحلات النيلية والتجارب الصحراوية.

كما أن السياحة الداخلية تستحق نصيبًا أكبر من الاهتمام، لأنها ليست فقط وسيلة لدعم القطاع في فترات التراجع، وإنما جزء من بناء علاقة المصريين ببلدهم واكتشاف تنوعها.

المواطن المصري نفسه يمكن أن يكون أحد أهم سفراء السياحة المصرية عندما يعيش تجربة جيدة وينقلها إلى أسرته وأصدقائه ومتابعيه.

والأهم من كل ذلك هو أن تتحول السياحة إلى أولوية اقتصادية وثقافية مستمرة، لا إلى ملف موسمي يرتفع الاهتمام به مع زيادة أعداد الوافدين وينخفض بعدها.

فالسياحة قادرة على خلق فرص العمل، وجذب العملة الأجنبية، ودعم قطاعات النقل والطيران والمطاعم والتجزئة والحرف والصناعات الثقافية، ولذلك فإن تأثيرها يتجاوز حدود الفنادق والمواقع الأثرية.

مصر لديها كل ما يلزم لتكون واحدة من أكبر المقاصد السياحية في العالم، لكن امتلاك الإمكانات لا يعني تلقائيًا تحقيق أقصى استفادة منها.

ما نحتاجه هو إدارة أكثر كفاءة، وتسويق أكثر جرأة، وخدمات أفضل، وتجربة أكثر احترامًا للسائح، واستثمار أكبر في العامل البشري.

السياحة المصرية لا تحتاج إلى معجزة، وإنما تحتاج إلى أن تحصل على حقها من التخطيط والاهتمام والتطوير.

وإذا نجحنا في تحويل الزيارة إلى تجربة لا تُنسى، فإن السائح لن يكون مجرد زائر يدفع مقابل إقامة ورحلة، بل سيكون شريكًا في الترويج لمصر.

لهذا أقولها بوضوح: السياحة المصرية تستحق أفضل من ذلك؛ تستحق أن نستثمر في عظمتها، وأن نقدمها للعالم بالصورة التي تليق بها، وأن ندرك أن مصر لا تمتلك مجرد آثار ومقاصد سياحية، وإنما تمتلك واحدة من أعظم العلامات السياحية في تاريخ الإنسانية.

ويبقى التحدي الحقيقي هو أن نعرف كيف نحول هذه الثروة الاستثنائية إلى صناعة أكثر قوة واستدامة، وإلى تجربة تجعل من يزور مصر مرة يريد أن يعود إليها مرات أخرى.

الصفحة الثامنة من العدد رقم 475 الصادر بتاريخ 13 أغسطس 2026
تم نسخ الرابط