عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي يقود مصر نحو اقتصاد رقمي أكثر قوة

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- توطين صناعة الإلكترونيات يفتح الطريق أمام زيادة الإنتاج والصادرات الرقمية

- الجيل الخامس يوسع قدرات مصر الرقمية ويدعم اقتصادا أكثر اتصالا

- كارت الخدمات الحكومية الموحد يضع المواطن في قلب التحول الرقمي

تابعت باهتمام بالغ، متابعة الرئيس عبد الفتاح السيسي لملفات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي، والتى أراها تكشف عن توجه يتجاوز فكرة تطوير الخدمات الحكومية في صورتها التقليدية، إلى بناء بنية رقمية قادرة على استيعاب متطلبات الاقتصاد الجديد وتحولات التكنولوجيا المتسارعة، وهو ما ظهر بوضوح خلال الاجتماع الذي عقده الرئيس مؤخرا مع الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والمهندس رأفت هندي وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، واللواء أركان حرب هاني محمود منصور مدير إدارة الإشارة بالقوات المسلحة، حيث امتد النقاش من كارت الخدمات الحكومية الموحد إلى الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والأمن السيبراني وتوطين صناعة الإلكترونيات.

وأرى أن أهمية هذا التوجه تكمن في أنه ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها بنية أساسية للتنمية وليست مجرد أدوات حديثة لتحسين بعض الإجراءات، فالدولة التي تريد أن تنافس في الاقتصاد العالمي تحتاج إلى شبكات قوية وسريعة، ومراكز بيانات قادرة على استيعاب الأحجام المتزايدة من المعلومات، وقواعد بيانات مترابطة، وأمن سيبراني يحمي الخدمات، وصناعة إلكترونيات تستطيع أن تنتج جزءا متزايدا من احتياجات السوق، إلى جانب كوادر بشرية قادرة على التعامل مع هذه المنظومة الجديدة، ومن هنا تأتي أهمية اجتماع هذه الملفات على مائدة واحدة.

إن التوجيه بالتوسع في نشر شبكات الجيل الخامس يحمل دلالة تتجاوز تحسين سرعة الاتصال بالنسبة للمستخدم العادي، فالجيل الخامس يرتبط بمجموعة واسعة من التطبيقات التي تقوم عليها اقتصادات المستقبل، وفي مقدمتها إنترنت الأشياء والمدن الذكية والخدمات الرقمية المتقدمة والتطبيقات الصناعية والأنظمة التي تعتمد على الاتصال اللحظي ونقل كميات كبيرة من البيانات، ومصر بدأت بالفعل تقديم خدمات الجيل الخامس في يونيو 2025، كما شهد قطاع الاتصالات توسعا في البنية الأساسية واستثمارات جديدة في الترددات، وهو ما يجعل التوجيه بالتوسع في نشر الشبكات امتدادا لمسار بدأته الدولة وليس تحركا منفصلا عن إستراتيجية أوسع لتطوير قطاع الاتصالات.

واللافت في التوجيه الرئاسي أنه لم يركز فقط على الانتشار الجغرافي للشبكات، بل ربط التوسع في الجيل الخامس بتعزيز مرونة البنية التحتية للاتصالات والحد من مخاطر التمركز، وهي نقطة شديدة الأهمية في عالم أصبحت فيه الاتصالات جزءا من البنية الحيوية للدولة والاقتصاد والمجتمع، فاستدامة الشبكة وقدرتها على العمل بكفاءة في مواجهة الضغوط والأعطال والتحديات المختلفة أصبحت مسألة لا تقل أهمية عن سرعة الشبكة نفسها، فمن الصعب الحديث اليوم عن اقتصاد حديث  دون الحديث عن البنية الرقمية التي تقف خلفه، فالمصانع والموانئ والمطارات والبنوك والشركات والخدمات الحكومية كلها أصبحت تعتمد بدرجات متفاوتة على البيانات والاتصال المستمر والأنظمة الذكية، ولذلك فإن تطوير شبكات الاتصالات ومراكز البيانات والحوسبة السحابية لم يعد ملفا فنيا محدودا بوزارة بعينها، وإنما أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بكفاءة الاقتصاد وقدرته على جذب الاستثمارات وتطوير الخدمات.

وفي هذا السياق، فإن توجيه الرئيس بالتوسع في تشييد مراكز البيانات العملاقة وتعزيز الاستثمارات في الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يعكس أهمية بناء قدرة محلية على استضافة ومعالجة البيانات، خصوصا مع التوسع المتوقع في التطبيقات الرقمية والخدمات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وهي تطبيقات تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على التعامل مع كميات ضخمة من البيانات وسرعات عالية في المعالجة والاتصال، وهنا تصبح الميزة الجغرافية لمصر عاملا مهما أيضا، فالموقع المصري على مسارات الكابلات البحرية الدولية يمنح البلاد دورا مهما في حركة البيانات بين مناطق مختلفة من العالم.

ووسط الحديث عن الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، يظل كارت الخدمات الحكومية الموحد أحد الملفات الأكثر ارتباطا بالحياة اليومية للمواطن، لأن القيمة الحقيقية للتحول الرقمي لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات في التكنولوجيا، وإنما بما يصل منها إلى المواطن في صورة خدمة أسرع وإجراء أبسط ووقت أقل وبيانات أكثر تكاملا، وقد تابع الرئيس خلال الاجتماع مستجدات التوسع في تطبيق منظومة كارت الخدمات الحكومية الموحد، ووجه بمتابعة موقفها التنفيذي بصورة مستمرة بما يضمن تكامل قواعد البيانات وكفاءة التشغيل، مع استمرار التعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزارة التموين والتجارة الداخلية لتطوير المنظومة والتوسع التدريجي في نطاق الخدمات المقدمة من خلالها، وهذه النقطة تحديدا تستحق التوقف، لأن نجاح أي منظومة رقمية حكومية لا يعتمد فقط على إصدار بطاقة أو إطلاق تطبيق، وإنما يحتاج إلى تكامل حقيقي بين قواعد البيانات والجهات المختلفة، وهو ما يمكن أن يقلل من تكرار الإجراءات ويحد من الاعتماد على المستندات الورقية ويجعل حصول المواطن على الخدمة أكثر وضوحا وسهولة.

إن أحد أهم جوانب الاجتماع في رأيي هو الجمع بين تطوير البنية التحتية الرقمية وتوطين صناعة الإلكترونيات، لأن التحول الرقمي المستدام يحتاج إلى قاعدة إنتاجية محلية تستطيع المشاركة في صناعة الأجهزة والمكونات والأنظمة التي يقوم عليها الاقتصاد الرقمي، ووفقا لما تم استعراضه خلال الاجتماع، تستهدف مصر الوصول بحجم صادراتها الرقمية إلى 8 مليارات دولار بحلول عام 2028، مع توقع ارتفاع صادرات خدمات التعهيد الرقمية إلى 12 مليار دولار عام 2029، إلى جانب استهداف زيادة عدد الشركات العاملة في مجال تصميم الإلكترونيات إلى 120 شركة بحلول عام 2030، وهذه المستهدفات تعني أن الرؤية لا تتوقف عند استهلاك التكنولوجيا أو استيراد منتجاتها، وإنما تتجه أيضا إلى تحويل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى مصدر للإيرادات وفرص العمل والاستثمار، وهو مسار مهم في اقتصاد عالمي أصبحت فيه الخدمات الرقمية وتصميم الإلكترونيات والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مجالات رئيسية للتنافس بين الدول.

والحديث عن الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرا في كل المجالات تقريبا، لكن الفارق الحقيقي بين الاستخدام المحدود والتوظيف المؤثر لهذه التكنولوجيا يكمن في امتلاك البنية التحتية والبيانات والكوادر البشرية والبيئة التنظيمية القادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقات عملية، ومن هنا تبدو أهمية توجيه الرئيس بجذب وتنشيط الاستثمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية بالتوازي مع التوسع في مراكز البيانات، إلى جانب متابعة البرنامج الحكومي للذكاء الاصطناعي كرنك الذي يستهدف توفير قاعدة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي باللغة العربية ودعم جهود تحقيق السيادة الرقمية، كما أن وجود مركز للابتكار التطبيقي يعمل على تطوير حلول تعتمد على التكنولوجيا الناشئة يمثل جانبا مهما في تحويل الأفكار التقنية إلى تطبيقات يمكن استخدامها في قطاعات حيوية، لأن التكنولوجيا لا تحقق أثرا اقتصاديا واجتماعيا بمجرد امتلاكها، وإنما عندما تتحول إلى حلول عملية تخدم قطاعات الإنتاج والخدمات والمواطنين.

وعلى الرغم من كل ما يحمله التطور التكنولوجي من إمكانات، فإن العنصر البشري يظل العامل الأكثر تأثيرا في نجاح التحول الرقمي، ولذلك تكتسب المبادرات التي تستهدف تدريب وتأهيل الشباب أهمية خاصة، ومن بينها مبادرة الرواد الرقميون التي تم استعراض موقفها التنفيذي خلال الاجتماع، والتوجيه بالالتزام بالدقة والشفافية والحياد في إجراءات قبول المستفيدين من المبادرة يضع معيارا مهما لأي برنامج يستهدف بناء الكفاءات، لأن الاستثمار في الإنسان يحتاج إلى آليات اختيار واضحة وفرص تدريب حقيقية وربط مباشر بين المهارات التي يتم اكتسابها والاحتياجات الفعلية لسوق العمل، وهنا يمكن النظر إلى قطاع الاتصالات باعتباره مساحة تجمع بين الاستثمار في البنية الأساسية والاستثمار في البشر، فمصر تمتلك قاعدة شبابية كبيرة من خريجي الجامعات.

وللحق فإن الملفات التي جرى تناولها خلال الاجتماع تبدو مترابطة بصورة واضحة، فالجيل الخامس يحتاج إلى بنية تحتية قوية، والذكاء الاصطناعي يحتاج إلى مراكز بيانات وحوسبة سحابية، والخدمات الحكومية الرقمية تحتاج إلى قواعد بيانات متكاملة وأمن سيبراني، وتوطين صناعة الإلكترونيات يحتاج إلى كوادر واستثمارات وبنية تكنولوجية، بينما تحتاج صادرات الخدمات الرقمية إلى شبكات قوية وبيئة أعمال قادرة على جذب الشركات والأسواق، وبالتالي فإن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون فقط في إطلاق المزيد من المشروعات الرقمية، وإنما في ضمان التكامل بينها وتحويل الاستثمارات في البنية الأساسية إلى قيمة اقتصادية واجتماعية ملموسة، وهذا هو المعيار الذي يمكن من خلاله قياس نجاح التحول الرقمي على المدى الطويل.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 481 الصادر بتاريخ 24 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط