6 أكتوبر.. حينما استعادت مصر ثقتها بنفسها وفرضت إرادتها على التاريخ
- نصر أكتوبر .. ملحمة الكرامة الخالدة والتاريخ الذي لا يزول
- عبقرية القرار وحكمة القائد.. رؤية السادات التاريخية صنعت النصر واستعادت الأرض
- الرئيس السيسي.. حمى أمانة النصر وصان مقدرات الوطن
- شهداء أكتوبر.. رجال كتبوا بدمائهم صفحة خالدة في تاريخ مصر
كلما جاء السادس من أكتوبر أشعر بأن هذا اليوم لا يمر على مصر مثل أي يوم آخر، فهو اليوم الذي تستعيد فيه ذاكرتنا واحدة من أكثر اللحظات التي صنعت شعورا مصريا خالصا بالعزة والكرامة، اليوم الذي لم تستعد فيه مصر أرضا فقط، وإنما استعادت ثقتها بنفسها، واسترد المصريون يقينهم بأن هذا الوطن مهما قست عليه الأيام ومهما كانت لحظات الانكسار قاسية، يظل قادرا على النهوض واستعادة حقه وصناعة انتصاره.
أكتب عن أكتوبر هذه المرة وأنا لا أنظر إليه فقط بعين الكاتب الذي يحاول أن يستعيد تفاصيل معركة مضى عليها أكثر من نصف قرن، وإنما بعين المصري الذي كلما عاد إلى هذه الذكرى شعر بالفخر بجيل لم يقبل أن يعيش تحت وطأة الهزيمة، وبجيش حمل على عاتقه مهمة ثقيلة، وبشهداء دفعوا أغلى ما يملكون حتى تظل مصر مرفوعة الرأس، ولذلك فإن أكتوبر بالنسبة لي ليس تاريخا نحتفل به ثم نطوي صفحته، وإنما جزء من وجداننا، وذكرى تذكرنا دائما بأن الكرامة الوطنية لها ثمن، وأن الأوطان لا تستعيد مكانتها بالكلمات وإنما برجال يؤمنون بها ويملكون الشجاعة للدفاع عنها.
لقد كنت في طفولتي أرى فرحة المصريين بهذا اليوم ولا أملك وقتها القدرة على فهم كل ما وراءها، كنت أرى وجوه الكبار وهي تتغير مع أخبار الانتصار، وأسمع كلمات العبور والنصر والشهداء والجبهة، وأشعر بأن هناك شيئا عظيما حدث لمصر، لكنني لم أكن أدرك أنني أشاهد لحظة ستظل تكبر معي، وأن ما بدا لي آنذاك فرحة عابرة سيصبح مع مرور السنوات معنى راسخا للعزة والانتماء، وكلما كبرت ازددت إدراكا بأن أعظم ما تركه لنا أكتوبر ليس فقط ذكرى الانتصار، وإنما ذلك الشعور الذي لا يزال يسكننا حتى اليوم، أن مصر تستطيع أن تنكسر لحظة لكنها لا تنحني، وأن المصري حين يؤمن بوطنه ويعرف قيمة أرضه وكرامته يستطيع أن يصنع من أصعب اللحظات بداية لانتصار جديد، واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن على حرب أكتوبر، أستطيع أن أقول إنني كلما قرأت تفاصيلها ازددت يقينا بأن قيمة ذلك النصر لا تختصر في عبور قناة السويس أو اقتحام خط بارليف، رغم عظمة ما تحقق في الميدان، وإنما تمتد إلى معنى أكبر يتعلق بإرادة المصريين وقدرتهم على تجاوز آثار لحظة قاسية واستعادة الثقة في النفس والقدرة على الفعل.
ولم تكن السنوات التي سبقت أكتوبر سهلة على مصر، فقد حملت آثار نكسة يونيو 1967 أثقالا سياسية وعسكرية ونفسية كبيرة، وكان المطلوب أكبر من مجرد إعادة بناء القوات المسلحة، كان المطلوب إعادة بناء الإنسان المصري نفسه، وإقناعه بأن ما حدث ليس نهاية الطريق، وأن الوطن الذي تعرض لضربة قاسية يستطيع أن يستعيد قوته إذا امتلك الإرادة والتخطيط والصبر، ومن هنا جاءت أهمية حرب الاستنزاف وما سبق حرب أكتوبر من إعداد طويل، فقد كان بناء القوات المسلحة وتطوير قدراتها والتدريب المستمر والاستعداد للمعركة جزءا من مسار طويل لم يبدأ في السادس من أكتوبر ولم ينته في يوم واحد، ولذلك فإن الحديث عن النصر لا ينبغي أن يختزل في لحظة العبور وحدها، لأن وراء تلك اللحظة سنوات من العمل والتخطيط والتضحيات.
وأعتقد أن هذه النقطة تحديدا تستحق أن نتوقف أمامها ونحن نحتفل اليوم بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، لأن الأمم لا تصنع انتصاراتها الكبرى بالمصادفة، وإنما تصنعها حين يتحول الإيمان بالهدف إلى عمل، وحين يصبح التخطيط جزءا من الإرادة، وحين يدرك الإنسان أن الطريق إلى النصر قد يكون طويلا لكنه ليس مستحيلا، ففي السادس من أكتوبر 1973 تحركت القوات المصرية في توقيت دقيق، وبدأت الضربة الجوية والتمهيد النيراني ثم عبور قناة السويس واقتحام التحصينات الإسرائيلية، لتتحول القناة التي كانت تمثل مانعا مائيا صعبا إلى طريق عبرت منه القوات المصرية إلى الضفة الشرقية، بينما بدأت تحصينات خط بارليف تتهاوى أمام إرادة الجنود المصريين وقدرتهم على تنفيذ ما تدربوا عليه، وقد وثقت وزارة الدفاع المصرية مراحل الحرب وما شهدته من عمليات العبور وتكوين رؤوس الكباري وصد الهجمات المضادة، كما وصفت الوثائق الرسمية حجم المخاطرة والتضحيات التي رافقت العمليات العسكرية، وهي تفاصيل تكشف أن ما جرى لم يكن مشهدا عابرا، وإنما معركة كبيرة خاضها الجيش المصري في ظروف شديدة التعقيد، لكن الصورة التي بقيت في وجداني دائما ليست صورة الخرائط العسكرية وحدها، وإنما صورة الجندي المصري وهو يحمل سلاحه ويتقدم إلى الأمام، لأن التاريخ مهما امتلأ بالأرقام والخطط والخرائط يظل في النهاية تاريخا يصنعه البشر، وهؤلاء الجنود كانوا أبناء أسر مصرية عادية، تركوا بيوتهم وذهبوا إلى الجبهة وهم يعرفون أن الطريق أمامهم قد يحمل الموت، لكنهم مضوا لأن هناك وطنا يستحق التضحية.
ولا يمكن الحديث عن حرب أكتوبر دون التوقف أمام الرئيس الراحل أنور السادات، ليس باعتباره قائدا سياسيا فقط، وإنما باعتباره صاحب قرار تاريخي احتاج إلى قدر كبير من الشجاعة والحساب الدقيق للظروف المحيطة بمصر في ذلك الوقت، لقد كان السادات يدرك أن استعادة الأرض لن تتحقق بالأمنيات، وأن مصر بحاجة إلى قرار عسكري وسياسي محسوب، ولذلك جاءت الحرب باعتبارها جزءا من رؤية أوسع لإعادة فتح الطريق أمام استعادة الحقوق وتحريك الجمود الذي فرضته سنوات ما بعد 1967، ومع مرور السنوات تتغير نظرتنا إلى القادة والأحداث، فنحن في لحظة الحدث نرى التفاصيل المتلاحقة، لكننا بعد عقود نرى الصورة الأشمل، ومن هذه المسافة الزمنية يبدو واضحا أن أكتوبر لم يكن قرارا منفصلا عن مرحلة كاملة من إعادة بناء الدولة والقوات المسلحة والاستعداد النفسي والسياسي والعسكري، وربما لهذا السبب ظل السادات حاضرا في ذاكرة أكتوبر، لأن القادة لا تخلدهم فقط المناصب التي شغلوها، وإنما القرارات التي اتخذوها في اللحظات التي كان التاريخ ينتظر فيها من يملك شجاعة القرار.
وقد يظن البعض أن أكتوبر ذكرى تخص الذين عاشوا الحرب فقط، لكنني أرى العكس تماما، لأن كل جيل مصري يملك نصيبه من هذه الذكرى، الجيل الذي حمل السلاح صنع النصر، والجيل الذي جاء بعده حمل مسؤولية الحفاظ على معناه، والأجيال الجديدة مطالبة بأن تعرف كيف صنعت مصر هذا الانتصار ولماذا كان ضروريا، ليس المطلوب من شباب اليوم أن يعيشوا تفاصيل حرب مضت، وإنما أن يفهموا القيم التي صنعتها، قيمة الانتماء، وقيمة العمل، وقيمة الصبر، وقيمة العلم، وقيمة التخطيط، وقبل ذلك كله قيمة الإيمان بأن المستحيل ليس حقيقة ثابتة، وهذا في رأيي هو المعنى الأهم الذي يجب أن يصل إلى الأبناء، فالوطن لا يحيا بالذكريات وحدها، والاحتفال بالماضي لا يصبح ذا قيمة إلا إذا تحول إلى وعي بالحاضر ومسؤولية تجاه المستقبل.
وربما تكون أجمل مفارقة في أكتوبر أن العبور لم يتوقف عند قناة السويس، فقد عبرت مصر أيضا من حالة نفسية إلى حالة أخرى، ومن شعور ثقيل بالانكسار إلى يقين جديد بالقدرة، ومن سؤال هل نستطيع؟ إلى إجابة واضحة تقول إننا نستطيع إذا امتلكنا الإرادة والإعداد والقرار، ولهذا لا أرى أكتوبر مجرد انتصار عسكري، بل أراه لحظة فارقة في الشخصية المصرية، لحظة قالت فيها مصر لنفسها قبل أن تقول للعالم إن الهزيمة مهما كانت قاسية لا تستطيع أن تلغي إرادة شعب.
وقد يكون هذا هو السبب الذي يجعل ذكرى أكتوبر مختلفة عن كثير من الذكريات، فهي لا تستحضر الماضي فقط، وإنما تدفعنا دائما إلى مراجعة حاضرنا، وتسأل كل جيل ماذا فعل بما ورثه من تضحيات، وماذا سيترك لمن يأتي بعده؟
وبعد ثلاثة وخمسين عاما، لم يعد السؤال فقط: ماذا حدث في أكتوبر؟ وإنما ماذا فعلنا نحن بهذا النصر؟ هل حافظنا على معناه، وهل نجحنا في نقل قصته إلى أبنائنا بصورة تليق بأصحابه؟ وهل فهمنا أن الأوطان لا تبنى بالشعارات وإنما بالعمل والوعي وتحمل المسؤولية؟ أعتقد أن الوفاء لجيل أكتوبر لا يكون فقط بوضع الأعلام أو إقامة الاحتفالات، وإنما بأن ندرك أن كل مرحلة لها معاركها، وأن أدوات الصراع تتغير، وأن الوطن يحتاج في كل عصر إلى من يحميه بالعلم والعمل والوعي والانتماء، لقد حمل جيل أكتوبر السلاح في أصعب لحظات التاريخ، أما أجيال اليوم فتحمل مسؤولية أكبر في ميادين مختلفة، في التعليم والعمل والإنتاج والمعرفة وحماية الوعي الوطني، وكلما اختلفت الأدوات بقيت القاعدة نفسها، الوطن يحتاج إلى أبنائه في كل وقت، لهذا ستظل أكتوبر أكثر من مناسبة وطنية، ستظل ذاكرة شخصية وذاكرة وطن في الوقت نفسه، وستظل كلما جاءت ذكراها تفتح في القلب مساحة للفخر والامتنان، فهناك أجيال صنعت النصر بدمائها، وهناك أجيال جاءت بعدها لتعيش ثماره.
رحم الله شهداء مصر الذين دفعوا أرواحهم ثمنا للعبور، وحفظ أبطال القوات المسلحة الذين حملوا السلاح في تلك الأيام، ورحم كل من شارك في صناعة ذلك النصر، وستظل مصر تتذكر السادس من أكتوبر لا باعتباره يوما من الماضي، وإنما باعتباره شاهدا دائما على أن الإرادة حين تقترن بالعلم والتخطيط والتضحية تستطيع أن تصنع من أصعب اللحظات بداية جديدة.




