« الشرق يختار.. وسيده يقود ».. كيف أعاد الرئيس صياغة توازن القوى بآسيا وحول جولته لمكاسب لمصر؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- ما الذي دفع آسيا للانحناء للقاهرة؟.. كلمة السر: قوة القرار وعزة الأوطان

- لماذا اتجهت عيون العالم إلى جولة السيسي؟.. لأن مصر لا تبحث عن زيارة بل تصنع التاريخ

في عالم لا يعترف إلا بمن يمتلك أوراق القوة، وفي منطقة تحاصرها النيران من كل اتجاه، وتتصارع على أرضها المصالح والنفوذ، عاد الرئيس عبد الفتاح السيسي من جولته الآسيوية محملًا برسائل تتجاوز حدود الزيارات الرسمية، بعدما انتقل بمصر إلى ثلاث محطات مهمة في قلب آسيا، والتقى قادة كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، وفتح مسارات جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والإستراتيجي. 

لم تكن الرحلة مجرد جولة دبلوماسية عابرة، ولا كانت الاستقبالات الحافلة التي أحاطت بالرئيس مجرد مشاهد بروتوكولية، بل عكست حجم الرهان على مصر بوصفها دولة ذات ثقل إقليمي، وموقع جغرافي استثنائي، وقدرة على بناء علاقات متوازنة مع قوى دولية متعددة. 

وبين لحظة الوصول إلى العواصم الآسيوية ومشهد العودة إلى القاهرة، برزت صورة دولة تتحرك خارج دوائرها التقليدية، وتبحث عن فرص جديدة في عالم يعيد رسم خرائطه الاقتصادية والسياسية، فيما تظل الأولوية المصرية هي حماية المصالح الوطنية، وتوسيع الشراكات، وتحويل الحضور السياسي إلى مكاسب ملموسة.

وعندما وقف الرئيس السيسي في مطار القاهرة عقب عودته، متحدثًا إلى الشعب بثقة وهدوء، لم يكن المشهد منفصلًا عن سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتشابك فيه الحروب والأزمات مع حسابات الأمن والاقتصاد، وتصبح فيه قدرة الدول على الحركة وبناء العلاقات عنصرًا أساسيًا في حماية مصالحها.

تحدث الرئيس عن حفاوة الاستقبال التي لمسها في الدول الثلاث، وعن التقدير الذي حظيت به مصر وشعبها وسياستها الخارجية، وأشار إلى توقيع نحو 20 اتفاقية ومذكرة تفاهم، مؤكدًا ضرورة التحرك سريعًا لتفعيل ما جرى الاتفاق عليه. 

وكانت الرسالة واضحة: إن قيمة التحرك الخارجي لا تتوقف عند ما تحققه الزيارات من حضور سياسي أو اهتمام رسمي، بل تمتد إلى ما يمكن أن تفتحه من أبواب أمام الاستثمار والتجارة والتصنيع ونقل التكنولوجيا، وما قد تتيحه من فرص جديدة للاقتصاد المصري.

وفي حديثه إلى المصريين، ربط الرئيس بين ما شهدته الجولة من استقبال وتقدير وبين مكانة الدولة المصرية، مشيرًا إلى أن ما تحقق لم يكن منفصلًا عن صمود الشعب وقدرته على تحمل التحديات.

وهذه الإشارة تحمل معنى مهمًا في لحظة تتطلع فيها الدولة إلى تعزيز حضورها الخارجي، بينما يواجه الداخل أعباء اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها، فالدبلوماسية تتحرك باسم الدولة، لكنها تستمد جزءًا من قوتها من تماسك مؤسساتها، وقدرتها على مواصلة العمل، وامتلاكها رؤية واضحة لما تريد تحقيقه.

ومن هنا، فإن الحديث عن احترام مصر في الخارج لا ينبغي أن يظل حبيس التصريحات، وإنما يجب أن يترجم إلى نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية، سواء من خلال فرص العمل، أو زيادة الإنتاج والصادرات، أو جذب استثمارات تضيف قيمة حقيقية للاقتصاد.

أما اختيار كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، فيكشف عن اتجاه واضح نحو تنويع الشراكات وتوسيع نطاق الحركة المصرية في شرق آسيا وجنوب شرقها.

فهذه الدول ليست متشابهة في تجاربها الاقتصادية أو أولوياتها، لكنها تلتقي عند امتلاكها أسواقًا مهمة وخبرات متنوعة وفرصًا يمكن أن تتكامل مع احتياجات مصر.

كوريا الجنوبية، بما لديها من قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، تتيح مجالًا واسعًا للتعاون في التصنيع والطاقة والتكنولوجيا والتعليم، بينما تمثل ماليزيا شريكًا يمكن تطوير العلاقات معه في التجارة والاستثمار والسياحة والتعليم العالي.

أما إندونيسيا، بسوقها الواسعة وثقلها السياسي والاقتصادي في جنوب شرق آسيا، فتفتح المجال أمام توسيع التعاون التجاري والصناعي والتنسيق بشأن القضايا الإقليمية والدولية.

في كوريا الجنوبية، اتجهت المباحثات إلى رفع مستوى العلاقات بين البلدين إلى شراكة إستراتيجية، مع توقيع 12 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وإطلاق مفاوضات بشأن اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة.

وتحمل هذه الخطوة أهمية تتجاوز إطار العلاقات السياسية، لأنها تفتح الباب أمام صياغة أكثر تنظيمًا للتعاون الاقتصادي، وتتيح بحث فرص جديدة أمام الشركات والاستثمارات في البلدين.

فالتجربة الكورية في التصنيع والتكنولوجيا تقدم مجالات للتعاون يمكن أن تستفيد منها مصر، خصوصًا إذا ارتبطت المشروعات الجديدة بالإنتاج المحلي، ونقل الخبرات، وتأهيل العمالة، وتعزيز قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.

كما أن موقع مصر وبنيتها التحتية ومناطقها الاقتصادية يمكن أن يمنح الشركات الكورية فرصًا للتوسع والوصول إلى أسواق إقليمية أوسع.

وفي ماليزيا، اتجهت الزيارة إلى توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز العلاقات في قطاعات متعددة، من بينها السياحة والتعليم العالي وتمكين المرأة.

وتكتسب هذه الملفات أهميتها من أنها تتجاوز التعاون الحكومي المباشر إلى مجالات يمكن أن تتسع فيها مشاركة المؤسسات والشركات والجامعات، بما يخلق فرصًا لتبادل الخبرات وتطوير العلاقات التجارية.

كما أن نمو التبادل التجاري بين البلدين يوفر أساسًا يمكن البناء عليه، لكنه يطرح في الوقت نفسه ضرورة العمل على إزالة المعوقات أمام حركة السلع والاستثمارات، والتعريف بالفرص المتاحة، وتشجيع الشركات على دخول أسواق جديدة.

فالعلاقات الاقتصادية القوية لا تنشأ من الاتفاقات وحدها، بل تحتاج إلى مصالح متبادلة ومشروعات قابلة للتنفيذ، وإلى متابعة مستمرة تضمن ألا تبقى التفاهمات في حدود النوايا.

أما إندونيسيا، فقد مثلت محطة مهمة في مسار توسيع العلاقات المصرية مع دول جنوب شرق آسيا، في ضوء ما يمتلكه البلدان من فرص للتعاون التجاري والاستثماري، وما يجمعهما من مصالح مشتركة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية.

وشملت المباحثات تطوير الشراكة الإستراتيجية وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والدفاعي، إلى جانب بحث توسيع مجالات التصنيع والاستثمار.

كما اتفق الجانبان على استهداف رفع حجم التجارة الثنائية إلى خمسة مليارات دولار بحلول عام 2030، وهو هدف يضع أمام المؤسسات المعنية مهمة واضحة تتعلق بزيادة حركة التجارة، وتحديد القطاعات القادرة على تحقيق نمو حقيقي، وتشجيع الشركات على استغلال الفرص المتاحة لدى الطرفين.

ولم يقتصر التعاون على الاقتصاد، بل امتد إلى التنسيق بشأن القضايا الدولية، بما في ذلك دعم الجهود الإنسانية في قطاع غزة والدعوة إلى خفض التصعيد الإقليمي.

وهنا تتضح دلالة الجولة بأكملها؛ فالقاهرة لا تتحرك باتجاه آسيا لمجرد توسيع قائمة الزيارات الخارجية، وإنما في إطار السعي إلى تنويع الشراكات، وتوسيع الأسواق، وجذب استثمارات جديدة، والاستفادة من تجارب اقتصادية أثبتت قدرتها على تطوير الصناعة والتكنولوجيا والتجارة.

وفي عالم تتزايد فيه المنافسة على الاستثمار والأسواق وسلاسل الإمداد، يصبح تنويع العلاقات ضرورة اقتصادية وسياسية، لأنه يمنح الدولة خيارات أوسع، ويقلل من الاعتماد على عدد محدود من الشركاء، ويفتح أمامها مسارات جديدة للتعاون في أوقات الأزمات.

لكن نجاح هذا الاتجاه يتوقف على قدرة مصر على تقديم فرص تنافسية واضحة، وتوفير بيئة جاذبة للاستثمار، وربط الاتفاقات الجديدة بخطط تنفيذية محددة.

أما الاستقبالات الحافلة التي صاحبت الزيارات، فقد حملت دلالات سياسية تعكس مستوى الاهتمام الرسمي بالعلاقات مع مصر، وتؤكد أن القاهرة ما زالت حاضرة في حسابات شركائها، بما تمتلكه من موقع جغرافي مهم، ودور إقليمي، وفرص اقتصادية.

غير أن القراءة الموضوعية لهذه المشاهد تقتضي التمييز بين رمزية الاستقبال ونتائج العلاقات؛ فالمراسم الرسمية تعبر عن مستوى من التقدير والاهتمام، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على حجم المكاسب التي تحققت.

وتظل القيمة الحقيقية لهذه الزيارات رهينة بما ينتج عنها من تعاون مستدام، واستثمارات فعلية، واتفاقات تدخل حيز التنفيذ، وشراكات يشعر الطرفان بعائدها.

ومن هنا يبرز مفهوم «الاتزان الإستراتيجي» بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم حركة السياسة الخارجية المصرية، فالمقصود بهذا النهج هو الحفاظ على مساحة واسعة للحركة، وتنويع العلاقات مع القوى الدولية، وإدارة المصالح المتباينة دون الارتهان الكامل لطرف واحد، مع الاحتفاظ بالقدرة على اتخاذ المواقف التي تقتضيها المصالح الوطنية.

ولا يعني الاتزان غياب المواقف أو الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف في كل القضايا، بل يعني تقدير طبيعة المصالح والمخاطر، واختيار أدوات التحرك بما يحافظ على الاستقلال في القرار ويوسع فرص التعاون.

وتزداد أهمية هذا النهج في منطقة تعصف بها الأزمات، حيث تتداخل ملفات الأمن والطاقة والتجارة والملاحة، وتنعكس التطورات الإقليمية بصورة مباشرة على الأوضاع الاقتصادية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح الحفاظ على قنوات الاتصال مع أطراف متعددة أداة لإدارة الأزمات، كما يتيح للدولة فرصًا أوسع للتنسيق بشأن الملفات المشتركة والدفاع عن مصالحها عبر المسارات الدبلوماسية.

ويمنح تنويع العلاقات القاهرة مساحة للتحرك مع شركاء تختلف مصالحهم وتجاربهم، دون أن تكون خياراتها الخارجية محصورة في دائرة جغرافية أو سياسية واحدة.

لكن الاتزان الإستراتيجي لا يتحول إلى قوة مؤثرة بمجرد الإعلان عنه، وإنما تتحدد فاعليته بقدرته على تحقيق نتائج عملية، فالعلاقات المتوازنة ينبغي أن تفتح أسواقًا جديدة، وتدعم الاستثمار والإنتاج، وتساعد على تأمين الاحتياجات الإستراتيجية، وتمنح الاقتصاد فرصًا إضافية للنمو.

كما أن احترام الدول لا يُقاس بمشهد واحد أو تصريح منفرد، بل يتراكم عبر وضوح السياسات، واستقرار العلاقات، والقدرة على الوفاء بالالتزامات، وبناء مصالح متبادلة تجعل استمرار التعاون أمرًا مفيدًا لجميع الأطراف.

وفي هذا الإطار، فإن الجولة الآسيوية تضع أمام الدولة المصرية فرصة مهمة، لكنها تضع أمامها أيضًا اختبارًا لا يقل أهمية عن نجاح الزيارات نفسها، فالاتفاقيات الموقعة تحتاج إلى جداول زمنية للتنفيذ، ومتابعة دقيقة من الجهات المعنية، وتحديد واضح للمشروعات ذات الأولوية.

كما أن جذب الاستثمارات يتطلب إزالة العقبات أمام المستثمرين، وتوفير المعلومات اللازمة عن الفرص المتاحة، وضمان قدرة المشروعات على المنافسة والاستمرار.

أما التوسع التجاري، فيحتاج إلى دعم الصادرات المصرية، وتحسين جودة المنتجات، وتعزيز حضور الشركات الوطنية في الأسواق الآسيوية، حتى لا تظل فرص التعاون أكبر من قدرة الاقتصاد على الاستفادة منها.

وهنا يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل ما تحقق في سيول وكوالالمبور وجاكرتا إلى مكاسب ملموسة؟ الإجابة تبدأ من الانتقال السريع من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ، ومن التعامل مع الاتفاقيات باعتبارها أدوات لفتح الأسواق وتطوير الإنتاج، لا غايات مستقلة بذاتها.

فنجاح الشراكات الجديدة ينبغي أن يظهر في مشروعات قائمة، واستثمارات دخلت حيز التنفيذ، وزيادة في حجم الصادرات، وفرص عمل جديدة، وتعاون صناعي وتكنولوجي يضيف إلى قدرات الاقتصاد المصري.

وعندها فقط يمكن قياس العائد الحقيقي من الجولة، بعيدًا عن الانطباعات الأولية ومظاهر الاحتفاء المصاحبة لها.

لقد عاد الرئيس السيسي من آسيا برسالة سياسية عن رغبة مصر في توسيع شراكاتها، وبحصيلة معلنة من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، وبمسارات جديدة للتعاون مع ثلاث دول مهمة.

لكن الأهم من لحظة العودة هو ما سيأتي بعدها؛ فالدبلوماسية الناجحة لا تنتهي بانتهاء الزيارة، وإنما تبدأ مرحلة اختبارها الفعلية عندما تتحول الكلمات إلى قرارات، والتفاهمات إلى مشروعات، والعلاقات السياسية إلى مصالح اقتصادية مستدامة.

وبين الثقة في الحركة ومتطلبات الإنجاز، تتحدد قيمة الجولة وقدرتها على الإسهام في تعزيز مكانة مصر وتوسيع خياراتها.

«الشرق يختار.. وسيده يقود».. عنوان يلخص صورة التحرك بثقة وسط عالم مضطرب، لكنه يضع أيضًا معيارًا أكثر صرامة للنجاح: أن تكون الثقة مدعومة بالعمل، وأن يتحول الحضور الخارجي إلى مكاسب في الداخل، وأن يصبح الاتزان الإستراتيجي أداة لحماية المصالح الوطنية وفتح آفاق أوسع للتنمية، فالمكانة الدولية لا تُمنح مرة واحدة، ولا تُحسم باستقبال حافل، وإنما تُبنى يومًا بعد يوم، بقدرة الدولة على إدارة علاقاتها، وصون مصالحها، واستثمار الفرص التي تتيحها تحركاتها الخارجية.

ومن هنا، فإن الحصيلة الأهم للجولة الآسيوية لن تكون فقط ما حملته من اتفاقيات وصور ورسائل، بل ما ستتركه من أثر في الاقتصاد المصري، وما ستفتحه أمام مصر من مسارات جديدة في عالم تتغير موازينه باستمرار.

الصفحة الثانية من العدد رقم 484 الصادر بتاريخ 15 أكتوبر 2026
تم نسخ الرابط