الجمعة 19 يوليو 2024
الشورى
رئيس مجلسى الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة
رئيس مجلسى
الإدارة و التحرير
محمود الشويخ
رئيس مجلس الأمناء
والعضو المنتدب
محمد فودة

«ضيف بكين الكبير».. كيف تتحرك دبلوماسية "القوة الناعمة" وسط العالم المضطرب؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشفية

ماذا يفعل السيسى و"شى" فى الملفات الساخنة؟.. وأسرار غرفة عمليات القاهرة - بكين 

وسط إقليم مضطرب وحدود مشتعلة وعالم يعيش على برميل بارود، يجرى الرئيس عبدالفتاح السيسى زيارة فى غاية الأهمية إلى الصين، تزامناً مع الذكرى العاشرة لترفيع العلاقات بين مصر والصين إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية الشاملة، حيث عقد الرئيس عبد الفتاح السيسى والرئيس الصينى شى جين بينج، جلسة مباحثات هامة على مستوى القمة بقصر الشعب الرئاسى بالعاصمة الصينية بكين، تناولت سبل تعزيز العلاقات الثنائية وفتح آفاق أوسع للتعاون فى مختلف المجالات. وقد بحث الزعيمان خلال القمة مختلف القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك، وعلى رأسها الحرب فى غزة، وسبل استعادة الاستقرار فى المنطقة، بما يحقق تطلعات شعوبها نحو السلام والأمن والتنمية. كما شهدا مراسم التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التعاون المشترك فى العديد من المجالات.

أيضا أجرى الرئيس السيسى  - خلال الزيارة التى تستمر حتى مطلع يونيو - عددا من اللقاءات مع كبار قيادات الدولة الصينية، مثل رئيسى مجلس الدولة، والنواب الصينيين، لمناقشة سبل تعزيز التعاون المشترك بين البلدين فى كافة المجالات. 

ومن المقرر أن يلتقى الرئيس برؤساء عدد من كبرى الشركات الصينية العاملة فى مجالات متعددة، حيث ستتم مناقشة فرص جذب مزيد من الاستثمارات إلى مصر، فى ضوء توجه الدولة لتعزيز آليات توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا، من خلال التعاون مع القطاع الخاص والاستثمار الأجنبى المباشر.

ويشارك الرئيس السيسى إلى جانب الرئيس الصينى وزعماء كلٍ من البحرين والإمارات وتونس وأمين عام جامعة الدول العربية، فى الجلسة الافتتاحية للاجتماع الوزارى العاشر لمنتدى التعاون العربى- الصينى الذى يعقد الخميس لمناقشة مختلف أوجه العلاقات العربية- الصينية وسبل تعزيزها. 

ويضم منتدى التعاون الصينى العربى الصين و22 عضوا فى الجامعة العربية، ويهدف إلى تعزيز الحوار والتعاون وتدعيم السلام والتنمية.

وتتمتع مصر والصين بعلاقات تاريخية عميقة. 

انطلقت هذه العلاقات من أسس الاحترام المتبادل والتعاون البنّاء، وشهدت تطورات هائلة خلال العقود الأخيرة، لتصل اليوم إلى مستوى شراكة إستراتيجية قوية، فى جميع المجالات، سواء السياسية أو الاقتصادية أو غيرها، ويُعَد هذا التحالف نموذجًا فريدًا للتعاون بين الدول النامية، وله تأثير كبير على الساحة الدولية والإقليمية. وفيما يلى أهم أشكال العلاقات بين القاهرة وبكين التى تسببت فى قوة الترابط بين البلدين، وفرص تطور هذه العلاقات بشكل أكبر فى المستقبل.

وتتميز العلاقات السياسية بين مصر والصين بنشاط دبلوماسى على كافة المستويات. تتبادل الدولتان الزيارات الرسمية بشكل دورى، حيث يلتقى الرؤساء وكبار المسؤولين بانتظام لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك على سبيل المثال، قام الرئيس عبد الفتاح السيسى بزيارة رسمية للصين عام 2014، كما ردّ الرئيس الصينى شى جين بينج الزيارة عام 2018 لحضور افتتاح قناة السويس الجديدة، واستمر تبادل الزيارات، حتى كان آخرها زيارة الرئيس السيسى للصين فى فبراير 2022 للمشاركة فى حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية الرابعة والعشرين فى العاصمة الصينية بكين. بالإضافة إلى ذلك، تشارك مصر والصين بانتظام فى المحافل الدولية والإقليمية، وتعملان على تنسيق مواقفهما تجاه القضايا العالمية المهمة.

علاوة على الدبلوماسية، شهد التعاون الأمنى بين البلدين تعزيزاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، حيث يتبادل الجانبان الخبرات فى مجالات مكافحة الإرهاب والجرائم المنظمة، وتنظيم عمليات حفظ السلام، وتعزيز الأمن السيبراني. وتجرى مصر والصين تدريبات عسكرية مشتركة بشكل دورى، وتتعاون فى مجال تصنيع وتطوير الأسلحة، مما يجعل مصر من أهم شركاء الصين فى مجال الأمن الإقليمى.

وتتضمن العلاقات السياسية أيضاً دعمًا متبادلاً بين البلدين، حيث تؤكد مصر على سياسة "الصين الواحدة" وتعارض أى محاولات لتقسيمها، بينما تساعد الصين مصر، بمساعدات مادية وتقنية، فى دعم جهودها فى تحقيق السلام والاستقرار فى المنطقة، ولطالما أشادت بالجهود المصرية فى هذا الشأن، أيضًا إشارة دينج لى إلى أنه سيكون هناك موقف مشترك بين الصين والدول العربية بشأن القضية الفلسطينية يؤكد دعم الصين لمصر فى موقفها من القضية الفلسطينية وجهود الوساطة الشاقة التى تقوم بها فى الصراع.

وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية: تعد الصين من أكبر الشركاء التجاريين لمصر، حيث بلغ حجم التبادل التجارى بين البلدين فى عام 2023 ما يقارب 30 مليار دولار أمريكى. وتتزايد الاستثمارات الصينية فى مصر بشكل مستمر، خاصة فى مجالات البنية التحتية والطاقة والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، فعلى سبيل المثال، تم توقيع اتفاقية استثمارية بقيمة 50 مليار دولار أمريكى بين البلدين عام 2021، كما افتتحت الصين منطقة تجارية حرة فى مصر عام 2022.

ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية على التجارة والاستثمار المباشر، حيث تُعَد مصر بوابة الصين لإفريقيا، وهو ما يمكن الشركات الصينية من تنفيذ مشروعات ضخمة فى القارة الإفريقية من خلال مصر. بالإضافة إلى ذلك، تُعَد مصر من الدول المؤسسة لمبادرة الحزام والطريق الصينية، والتى تهدف إلى تعزيز الترابط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، وتساهم مصر بشكل فعال فى تنفيذ مشروعات المبادرة، خاصة فى مجال النقل البحرى والبرى، حيث يُعَد افتتاح قناة السويس الجديدة عام 2019 أحد أهم مشروعات مبادرة الحزام والطريق.

وللتعزيز والتسهيل المستمرين للتعاون الاقتصادى، تم إنشاء منطقة اقتصادية خاصة صينية -مصرية فى العين السخنة. كما تقدم الصين قروضاً ميسرة لمصر لتمويل مشروعات تنموية، وتشارك مصر فى بنك التنمية الآسيوى، الذى تُعَد الصين أكبر مساهم فيه. 

أيضًا شهد الاستثمار المشترك مؤخرًا ازدهارًا ملحوظًا، خاصة بعدما تحركت القاهرة لتشجيع المستثمرين الأجانب، بخطوات الإصلاح الاقتصادى الأخيرة، ونتيجة لذلك كان أكثر المستثمرين الأجانب الذين وسعوا استثماراتهم فى مصر من الصين، نتيجة لقوة التعاون الاقتصادى بين البلدين.

وكان آخر أشكال هذا التعاون المميز فى أبريل الماضى، حيث التقى وليد جمال الدين، رئيس مجلس إدارة منطقة السويس الاقتصادية، بوفد صينى رفيع المستوى برئاسة نى يو فانج، سكرتير لجنة الحزب الشيوعى الصينى لمقاطعة خبى Hebei الصينية، لمناقشة سبل التعاون بين المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومقاطعة خبى الصينية فى المجالات ذات الاهتمام المشترك. 

وفى مارس الماضى التقى م. أحمد سمير وزير التجارة والصناعة بنظيره الصينى، وبحثا إمكانية إنشاء منطقة صناعية صينية على البحر المتوسط لتلبية احتياجات السوق المحلية والتصدير للأسواق الأوروبية والأمريكية.

وأشار سمير أيضًا إلى أن مقترح إقامة هذه المنطقة يتضمن إنشاء منطقة صناعية تقليدية وأخرى متخصصة فى الصناعات التكنولوجية ذات القيمة المضافة العالية الأمر الذى سيسهم فى نقل الخبرات وتوفير أحدث التكنولوجيات للعمالة المصرية وجعل مصر محوراً صناعياً وتصديرياً للمنتجات الصينية، ويعتبر هذا اللقاء مهدا لمرحلة جديدة من التعاون وتعزيز العلاقات بين البلدين من خلال الاهتمام بدفع أطر التعاون المشترك بين البلدين فى إطار الشراكة الإستراتيجية الشاملة، وهو ما يؤكد ليس فقط على قوة التعاون الاقتصادى بين البلدين، لكن أيضًا على أن هذا التعاون فى حركة تطور وتقدم دائمة.

ومن المهم الإشارة إلى أن العلاقات المصرية- الصينية تتجاوز المجالين السياسى والاقتصادى لتشمل جوانب ثقافية وشعبية مهمة، حيث تُقام العديد من الفعاليات الثقافية المشتركة بين البلدين، لتؤكد أن التقارب والعلاقات القوية بين مصر وبكين ليست قاصرة فقط على العلاقات الرسمية بين حكومات البلدين، لكنها تمتد أيضًا إلى تقارب الروابط الثقافية والشعبية، وهو ما لا يقل أهمية عن العلاقات السياسية والاقتصادية، حيث إن ضمان قوة وازدهار العلاقات بين شعوب البلدين، يضمن استمرار نمو وتطور العلاقات الرسمية فى المجالات السياسية والاقتصادية ويؤكد قوة التقارب بين البلدين بشكل عام.

وتُقام العديد من الفعاليات الثقافية المشتركة بين البلدين، مثل المعارض الفنية والمهرجانات الموسيقية. على سبيل المثال، أقيم معرض فنى مشترك بين مصر والصين فى القاهرة عام 2019، كما أقيم مهرجان موسيقى مشترك بين البلدين فى بكين عام 2020. 

بالإضافة إلى ذلك، يتم تبادل البعثات التعليمية والبحثية بين البلدين، مما يساهم فى تعزيز التفاهم الثقافى المتبادل. ويُعَد تعلم اللغة الصينية من اللغات الأكثر رواجاً فى مصر فى الفترة الأخيرة، خاصة بعد صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية ضخمة، والعكس صحيح أيضًا، حيث ارتفع اهتمام الصينيين بتعلم اللغة العربية، والبعض منهم يهتم بتعلم اللهجة المصرية على وجه الخصوص، وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد بالثقافتين.

وتتسم العلاقات الشعبية بين مصر والصين بالقوة والحيوية، حيث يزداد عدد السياح الصينيين الوافدين إلى مصر سنويًا بشكل ملحوظ، وهو ما يعزز النشاط الاقتصادى ويعزز التواصل بين الشعبين أيضًا. 

بالإضافة إلى ذلك تُقام العديد من الفعاليات الشعبية المشتركة، مثل احتفالات رأس السنة الصينية التى تشهد إقبالاً جماهيريًا كبيرًا فى مصر. كما يمتد التعاون إلى المجال الرياضى، حيث تشارك مصر والصين بانتظام فى الفعاليات الرياضية الدولية والإقليمية، وتُقام مباريات ودية بين المنتخبات الرياضية للبلدين، فى مختلف الرياضات، مما يساهم فى تعزيز روح التعاون والرياضة على المستوى الشعبى.

ولا شك أن العلاقات المصرية- الصينية تتجه نحو مزيد من التطور والتعزيز فى جميع المجالات، فمن المتوقع أن تزداد الاستثمارات الصينية فى مصر بشكل كبير فى المستقبل، خاصة فى مجالات البنية التحتية والطاقة المتجددة والابتكار التكنولوجى. 

بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يزداد حجم التبادل التجارى بين البلدين بشكل ملحوظ، مع استمرار تنفيذ مشروعات مبادرة الحزام والطريق، وتعزيز دور مصر كبوابة تجارية للصين فى إفريقيا. 

أما على الصعيد السياسى، فمن المتوقع أن يستمر التعاون الأمنى بين البلدين فى التصدى للتحديات الأمنية المشتركة، مثل الإرهاب والجرائم الإلكترونية. كما من المرجح أن يزداد التنسيق المصرى- الصينى فى المحافل الدولية، خاصة فيما يتعلق بالقضايا التى تهم الدول النامية.

وعلى المستوى الثقافى والشعبى، فمن المتوقع أن تشهد العلاقات المصرية- الصينية مزيدًا من التقارب والتفاهم المتبادل، وسيعمل البلدان على تعزيز التبادل الثقافى والتعليمى، وتشجيع السياحة المتبادلة، بالإضافة إلى زيادة التعاون فى المجال الرياضى.

ختاما أقول:

تُعَد العلاقات المصرية- الصينية نموذجًا يحتذى به للتعاون بين الدول النامية. وبالنظر إلى الأسس المتينة التى تقوم عليها هذه العلاقات، والتطلعات المشتركة للبلدين، من المؤكد أن يشهد المستقبل مزيدًا من التعاون والتنسيق والتنمية المشتركة بين مصر والصين، حيث تُعَد الشراكة الإستراتيجية بين مصر والصين تحالفاً قوياً له تأثير إيجابى على كلا البلدين. 

وبالاستفادة من تاريخهما العريق، وإمكاناتهما الاقتصادية الهائلة، وتطلعاتهما المستقبلية المشتركة، فإن مصر والصين على أهبة الاستعداد لرسم خارطة طريق لمستقبل مشرق يعمه التعاون والتنمية والازدهار.

ودائما وأبدا: تحيا مصر.

الصفحة الثانية من العدد رقم 364 الصادر بتاريخ 30 مايو 2024
تم نسخ الرابط