"الضريبة العقارية".. من الحسابات الرسمية إلى وجدان المواطن
- الضريبة العقارية لن تمس الغالبية العظمى من المواطنين.. وغير القادرين ستتحمل الدولة عنهم العبء
- المعاشات ستظل بعيدة عن أي إجراءات تمس كرامة أصحابها
- استهداف العقارات الأعلى قيمة لا المساكن البسيطة.. وإعفاء الشريحة الأوسع من المواطنين
- ربط الضريبة العقارية بالخدمات العامة يظل محورًا أساسيًا في بناء الثقة
- الضرائب ليست مجرد استقطاع بل استثمار في مستقبل أفضل
- الضريبة العقارية يمكن أن تكون أداة إيجابية إذا أحسن التعامل معها وإذا أديرت بعقل بارد وقلب حاضر
أتابع النقاش الدائر حول الضريبة العقارية ليس باعتباره ملفًا ماليًا فقط، بل باعتباره مرآة دقيقة لحالة العلاقة بين الدولة والمواطن.
فهناك مسافة، أراها وأشعر بها، بين ما يُكتب في القوانين وما يستقر في وجدان الناس.
هذه المسافة لا تُقاس بالأرقام، ولا تُردم بالتصريحات، بل تتشكل من التجربة، ومن الإحساس المتراكم عبر سنوات طويلة من القلق والترقب.
حين تتحدث الدولة عن الضرائب، فإنها تتحدث بلغة الحسابات، بلغة الموازنة، بلغة الأرقام التي لا تعرف الخوف ولا تعرف القلق. أما المواطن، فيسمع الكلمة ذاتها بلغة مختلفة تمامًا؛ لغة البيت، والاستقرار، والمستقبل.
هنا تحديدًا يبدأ الاختلاف، لا في النوايا، بل في زاوية النظر.
فالعقار بالنسبة للدولة أصل اقتصادي، أما بالنسبة للمواطن فهو حياة كاملة، وملاذ، وشعور بالأمان في عالم لا يمنح الكثير من الثوابت.
أرى أن الحكومة حاولت، هذه المرة، أن تعبر هذه المسافة بخطاب أقل حدة وأكثر وعيًا.
رسائل طمأنة خرجت لتؤكد أن الضريبة العقارية لن تمس الغالبية العظمى من المواطنين، وأن غير القادرين ستتحمل الدولة عنهم العبء، وأن المعاشات ستظل بعيدة عن أي إجراءات تمس كرامة أصحابها.
هذه اللغة، في حد ذاتها، تطور لا يمكن تجاهله، لأنها تعكس إدراكًا لحساسية اللحظة، ومحاولة لإدارة القلق قبل أن يتحول إلى أزمة ثقة.
لكنني، وأنا أستمع إلى هذه الرسائل، لا أستطيع أن أفصلها عن إحساس الناس.
فالمواطن لا يتعامل مع القرارات الجديدة كنقطة بداية، بل كنقطة في مسار طويل.
ذاكرة التجارب السابقة حاضرة، وتجعل الطمأنة وحدها غير كافية.
ليس لأن الدولة لا تريد الطمأنة، بل لأن المواطن تعلّم، بحكم الواقع، أن يسأل دائمًا: ماذا بعد؟
الضريبة العقارية، من حيث المبدأ، ليست فكرة مرفوضة.
أعرف، كما يعرف كثيرون، أنها مطبقة في دول عديدة، وأنها تُعد أداة لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، بحيث يسهم من يملك أصولًا أكبر في دعم الخدمات العامة.
هذا منطق لا يختلف عليه اثنان.
لكن المشكلة، كما أراها، لا تكمن في الفكرة، بل في التجربة الإنسانية المصاحبة لها. التجربة التي تبدأ حين يتحول المواطن من مستمع لبيان رسمي إلى طرف في إجراء إداري.
أتوقف كثيرًا عند فكرة الاستهداف التي تكررها الدولة.
الحديث يدور عن استهداف العقارات الأعلى قيمة، لا المساكن البسيطة، وعن إعفاء الشريحة الأوسع من المواطنين. كلام مطمئن في ظاهره، لكنه يحتاج إلى ترجمة دقيقة على الأرض.
المواطن لا يقرأ القانون بعين الخبير، بل بعين الخائف من المفاجآت.
يخشى أن يجد نفسه، فجأة، ضمن فئة لم يكن يتوقعها، بسبب تقدير لا يفهمه أو معيار لم يُشرح له بما يكفي.
ما يقلق الناس، في تقديري، ليس دفع الضريبة في حد ذاتها، بل الإحساس بفقدان السيطرة.
الخوف من أن يصبح البيت، الذي يمثل آخر خطوط الأمان، محل تقييم ونقاش وجدل.
الخوف من أن يتحول الخطأ الإداري إلى عبء طويل الأمد.
هذه المخاوف لا تُبددها النصوص وحدها، بل تبديدها يحتاج إلى تجربة إنسانية عادلة، يشعر فيها المواطن بأن الدولة لا تتعامل معه بوصفه رقمًا، بل بوصفه إنسانًا له ظروفه وحدوده.
الحديث عن تحمل الدولة للضريبة عن غير القادرين يحمل بعدًا إنسانيًا مهمًا، وأراه خطوة إيجابية إذا طُبّق بوضوح ومرونة. لكنني، في الوقت نفسه، أتساءل عن التفاصيل.
من هو غير القادر؟ وكيف يُثبت ذلك؟ وهل ستكون الإجراءات رحيمة بما يكفي؟ فالفارق كبير بين أن يكون الحق مكتوبًا في القانون، وأن يكون سهل المنال في الواقع.
التجربة هي الفيصل، لا النص.
أشعر بأن المواطن البسيط لا يخشى المشاركة في أعباء الدولة بقدر ما يخشى أن يُترك وحيدًا أمام منظومة لا يفهمها.
هو لا يرفض المساهمة، لكنه يريد أن يشعر بأن مساهمته عادلة، ومفهومة، ومتناسبة مع قدرته.
يريد أن يشعر بأن الدولة، حين تطلب، تفعل ذلك وهي مدركة تمامًا حقيقة وضعه، لا وهي تنظر إليه من خلف الأرقام.
كما أن ربط الضريبة العقارية بالخدمات العامة يظل، في رأيي، محورًا أساسيًا في بناء الثقة.
المواطن يريد أن يرى أثر ما يدفعه، ولو بشكل غير مباشر.
يريد أن يشعر بأن الضرائب ليست مجرد استقطاع، بل استثمار في مستقبل أفضل. التعليم، والصحة، والبنية الأساسية ليست شعارات، بل اختبارات حقيقية لجدوى أي سياسة ضريبية.
ما يشغلني في هذا الملف ليس حجم الضريبة، ولا عدد الخاضعين لها، بل الرسالة التي تصل إلى الناس.
الرسالة التي تقول لهم إن الدولة تراهم، وتسمع قلقهم، وتحاول أن توازن بين احتياجاتها واحتياجاتهم.
هذه الرسالة لا تُبنى بجملة واحدة، بل بسلوك متكامل يبدأ من صياغة القانون، ويمر بطريقة شرحه، وينتهي بكيفية تطبيقه.
أرى أن الضريبة العقارية تمثل اختبارًا أوسع من كونها بندًا في الموازنة.
إنها اختبار لقدرة الدولة على إدارة الحوار مع مواطنيها، وعلى تحويل الخوف إلى فهم، والقلق إلى مشاركة.
اختبار لفكرة الشراكة، لا الفرض.
فإذا نجحت الدولة في هذا الاختبار، فإنها لا تحل أزمة مؤقتة، بل تؤسس لعلاقة أكثر نضجًا واستقرارًا مع المجتمع.
الناس لا تطلب المستحيل.
لا تطلب إعفاءً دائمًا، ولا ترفض الإصلاح، لكنها تريد وضوحًا وعدالة وإحساسًا بالأمان.
تريد أن تعرف موقعها الحقيقي من القانون، دون لبس أو اجتهاد.
تريد أن تشعر بأن بيتها ليس محل اشتباه، وأن استقرارها ليس ورقة ضغط.
في النهاية، أرى أن الضريبة العقارية يمكن أن تكون أداة إيجابية إذا أُحسن التعامل معها، وإذا أُديرت بعقل بارد وقلب حاضر. يمكن أن تتحول من مصدر قلق إلى التزام مفهوم، ومن عبء نفسي إلى مساهمة واضحة.
لكن هذا لن يتحقق بالتصريحات وحدها، بل بما سيجده المواطن حين يتعامل مع الواقع اليومي.
وحين تصل الحسابات الرسمية إلى وجدان المواطن دون أن تجرحه أو تربكه، عندها فقط يمكن القول إن الدولة نجحت في عبور المسافة الأصعب، تلك التي لا تُقاس بالأرقام، بل بالشعور.



