عاصم سليمان يكتب: حين يتحدث «القائد» تطمئن الدولة

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- الرئيس السيسي يبعث رسائل طمأنة من الأكاديمية العسكرية بشأن استقرار الدولة وتحسن المؤشرات الاقتصادية

- تشديد رئاسي على تطوير التعليم كمدخل أساسي لبناء الإنسان المصري

- التقييم الرقمي العادل دون تدخل بشري ركيزة إصلاح التعليم وضمان تكافؤ الفرص

ليست كل الزيارات الرسمية متشابهة، وبعضها يتجاوز حدود البروتوكول ليحمل رسائل أعمق، تتوجه إلى الوعي العام قبل أن تدون في الأخبار، هكذا بدت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى الأكاديمية العسكرية، زيارة لا يمكن قراءتها فقط في إطار متابعة مؤسسة تعليمية أو عسكرية، بل باعتبارها رسالة طمأنة مباشرة إلى المصريين في لحظة إقليمية ودولية بالغة التعقيد.

الرئيس، وهو يتحدث من داخل مؤسسة تجسد الانضباط والصرامة وبناء الإنسان قبل السلاح، اختار أن يبعث برسالة واضحة لا تحتمل الالتباس: الوضع الداخلي مستقر، والاقتصاد يسير في مسار تحسن، وفرص الاستثمار ما زالت قائمة وتزداد قوة، لم تكن الكلمات منمقة أو إنشائية، بل جاءت هادئة، واثقة، تحمل نبرة من يعرف حجم التحديات، لكنه في الوقت ذاته يرى الصورة الكاملة ولا ينشغل بالضجيج، حيث بدا حديث الرئيس أقرب إلى حديث مسؤول يصارح شعبه، لا يعد بمعجزات، ولا ينكر صعوبة الطريق، لكنه يؤكد أن الدولة لم تفقد بوصلتها، وأن ما تحقق من إصلاحات اقتصادية بدأ يؤتي ثماره، خاصة في ملف جذب الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال.

لكن اللافت في الزيارة لم يكن فقط الشق الاقتصادي، بل التركيز الواضح على التعليم بوصفه معركة الدولة الحقيقية، الرئيس شدد على أن الجهد القائم داخل الأكاديمية العسكرية ليس هدفه تخريج دفعات جديدة فحسب، بل تقديم نموذج يحتذى به لجدارة التعليم الحقيقي الذي تحتاجه مصر، نموذج يقوم على الانضباط، والشفافية، والعدالة، ويعيد الاعتبار لفكرة التقييم الموضوعي.

وحين تحدث الرئيس عن نظام التقييم الرقمي، الخالي من التدخل البشري أو المجاملة، بدا وكأنه يضع إصبعه على جرح مزمن في منظومة التعليم المصرية، فالمشكلة لم تكن يوما في نقص العقول أو ضعف الإمكانات، بقدر ما كانت في غياب معايير عادلة تضمن تكافؤ الفرص وتفرز الكفاءات الحقيقية، وفي هذا السياق، جاءت الإشارة المهمة إلى أن الوزارات المختصة كالمالية أو النقل هي التي تضع البرامج والمناهج الفنية للدارسين التابعين لها داخل الأكاديمية، بينما يقتصر دور الأكاديمية على توفير البيئة التعليمية، والمعايير، ومسار الدراسة، دون تدخل في المحتوى الفني.

هذه الفكرة، وإن بدت إجرائية، إلا أنها تعكس فلسفة أعمق، وهى فصل الإدارة عن التخصص، وضمان أن يكون المحتوى نابعا من احتياجات الدولة الفعلية، لا من اجتهادات بيروقراطية، الرئيس لم يخف رغبته الصريحة في إحداث تغيير حقيقي، تغيير يتجاوز الشكل إلى الجوهر، وحين تحدث عن التوأمة مع الجامعات الأوروبية والعالمية، لم يطرحها كشعار، بل كتجربة خاضتها الدولة بالفعل؛ نجحت في أحيان، وتعثرت في أحيان أخرى، والأهم هنا هو الاعتراف بأن المراجعة الذاتية كشفت أن بعض الجامعات لم تحقق الأهداف المطلوبة لتطوير الدولة، وهي مصارحة نادرة في ملف اعتاد المجاملات.

واللافت للنظر في هذه الزيارة، ليس فقط مضمون الرسائل، بل توقيتها، نحن نعيش مرحلة يختلط فيها القلق المشروع بالتهويل المقصود، وتتعرض فيها المجتمعات لاختبارات نفسية لا تقل قسوة عن الاختبارات الاقتصادية، ومن هنا، بدا ظهور الرئيس في الأكاديمية العسكرية وكأنه اختيار واعٍ للمكان والرمز، فالمؤسسات الصلبة لا تستخدم للزينة بل حين يكون المطلوب تثبيت المعنى قبل تثبيت المعلومة، حديثه عن تحسن الاقتصاد وفرص الاستثمار لم يأت منفصلًا عن الواقع، بل مرتبطا بسياق دولة تتحرك، تتألم أحيانا، لكنها لا تتوقف، كانت الرسالة واضحة: نعم، الطريق صعب، لكن الدولة لا تدار بردود الأفعال، بل برؤية طويلة النفس، تعرف متى تصمت ومتى تتكلم، ومتى تطمئن الناس لأن الاطمئنان في ذاته عنصر من عناصر الاستقرار.

وهناك البعد الأعمق، الذى يظل حاضرا في وعي من يتابع المشهد عن قرب: رهان الدولة على التعليم الجاد لا الشكلي، حين يتحدث الرئيس عن التعليم داخل الأكاديمية كنموذج، فهو لا يقصد مؤسسة بعينها بقدر ما يطرح سؤالا ضمنيا على كل مؤسساتنا التعليمية: هل نخرج طلابا أم نبني عقولا؟ هل نكتفي بالشهادات أم ننتج كفاءات قادرة على المنافسة عالميا؟ حديثه عن الرقمنة والتقييم العادل، وعن التوأمة مع الجامعات العالمية، لا يبدو ترفا فكريا، بل ضرورة وجودية لدولة تريد أن تحجز لنفسها مكانا في عالم لا يعترف إلا بالجودة، وربما كانت أهم جملة غير مباشرة في هذا السياق، هي الاعتراف بأن بعض التجارب لم تنجح، فالدول القوية لا تخشى الاعتراف، لأنها تعتبره أول خطوات التصحيح، لا علامة ضعف.

إن زيارة الرئيس السيسي للأكاديمية العسكرية كانت زيارة رسائل بامتياز، رسالة طمأنة في الشأن الاقتصادي، ورسالة ثقة في استقرار الدولة، ورسالة حاسمة بأن التعليم بكل أشكاله هو سلاح مصر الحقيقي في معركة المستقبل، هي زيارة تؤكد أن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء المشروعات، وأن الدولة التي تريد أن تصمد، لا بد أن تستثمر في عقل أبنائها قبل أي شيء آخر.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 450 الصادر بتاريخ  5 يناير 2026
تم نسخ الرابط