بورصة دراما رمضان 2026.. قراءة أولية في خريطة المكاسب والخسائر

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- هيمنة مشاهد العنف والأكشن على الشاشة.. وتراجع واضح لمساحات الدراما الراقية

- الدراما الشعبية تتصدر في سباق المشاهدة.. والكوميديا في ذمة الله

- «الترند» كلمة السر في معادلة النجاح… وبوصلة الاهتمام تتجه إلى مواقع التواصل

- صعود نموذج البطل الأوحد.. وانحسار نسبي للبطولة النسائية

- السوشيال ميديا تتحكم في الصعود والهبوط.. والنجومية تحكمها معادلات التسويق

منذ اللحظة الأولى لانطلاق ماراثون دراما رمضان 2026، بدا المشهد أشبه بساحة سباق مفتوحة على كل الاحتمالات؛ نجوم تتقدم بخطى واثقة، وأعمال تتعثر قبل أن تلتقط أنفاسها، وجمهور يقف حائرا بين إغراء العناوين والسوشيال ميديا وحنينه إلى دراما تعرف طريقها إلى القلب قبل العين، في كل عام نقول إن المنافسة اشتعلت، لكن هذا العام تحديدا بدا وكأن الجميع قرر أن يضغط على دواسة السرعة إلى أقصاها منذ الحلقة الأولى، فلا تمهيد طويل، ولا مقدمات هادئة، بل طلقات مدوية، ومشاهد صادمة، وموسيقى تصويرية تصرخ في وجه المشاهد "انتبه نحن هنا".

ومع مرور  عرض بعض الحلقات، سقطت رهانات، وارتفعت أسهم، وبدأت خريطة الموسم تتشكل بوضوح نسبي، وبين الصعود والهبوط، يمكن القول إن دراما رمضان هذا العام تعيش حالة تذبذب حادة، فإما قفزات واسعة نحو الإثارة الشعبية، أو تراجع ملحوظ في مساحات الدراما الراقية التي طالما ميّزت الشاشة المصرية.

وللحق الذهب أينما يكون فهو ذهب، وقيمته تظل كما هي حتى لو كان وسط التراب، هكذا حال بعض الأعمال التي اكتظت بها الشاشات هذا العام، فعلى الرغم من هذا الكم الهائل من المسلسلات والبرامج الترفيهية التي تتدفق على مدار الساعة، لم أجد صعوبة حقيقية في أن أضع يدي على الأعمال الجيدة والنجوم الأكثر تألقًا، كما لم أحتج إلى جهد كبير لاكتشاف من هبطوا سريعا مع بداية عرض الحلقات الأولى.

المشهد العام يكشف عن موسم يميل إلى التذبذب أعمال إما أن تضرب بقوة منذ البداية، أو تتوارى في الخلفية بلا أثر، لم تعد هناك تلك "المنطقة الرمادية" التي تسمح للعمل بأن ينمو تدريجيا في وجدان الجمهور، اليوم، إما أن تخطف الأنظار في أول أسبوع، أو تخرج مبكرًا من حسابات السباق.

المتابع للمشهد يدرك أن الأعمال التي تصدرت الحديث والمشاهدة تنتمي في معظمها إلى التيمة الشعبية أو الأكشن السياسي، في مقدمة هذه الأعمال يأتي مسلسل "رأس الأفعى"، الذي يتناول مخططات جماعة إرهابية تستهدف الدولة المصرية، مسلطا الضوء على شخصية الإرهابي محمود عزت، التي يجسدها الفنان شريف منير، في أداء اتسم بالهدوء المريب والبرود المحسوب، إلى جانب حضور قوي للفنان أمير كرارة الذي واصل ترسيخ صورته كبطل للأعمال ذات الطابع الأمني والسياسي، العمل، منذ حلقاته الأولى، قدم جرعة مكثفة من التشويق، مع توظيف واضح لمشاهد المداهمات والمطاردات، مدعومة بإيقاع سريع وحوار مباشر لا يعرف المواربة، وربما يكمن سر نجاحه الأولي في أنه خاطب وجدان شريحة واسعة من الجمهور، الباحث عن عمل يمزج بين الوطنية والإثارة، ويعيد إلى الأذهان أجواء الأعمال التي تمجد المواجهة مع الإرهاب.

وعلى الجانب الآخر، فرضت الدراما الشعبية حضورها بقوة من خلال مسلسل "إفراج" بطولة عمرو سعد، الذي ينطلق من قصة مستوحاة من الواقع؛ زوج يُتهم بقتل زوجته وابنتيه، يدخل السجن سنوات، ثم يخرج باحثًا عن الحقيقة الضائعة، منذ مشهد خروجه من السجن، بدا أن عمرو سعد يعيش الشخصية بكل تفاصيلها؛ نظراته المكسورة، خطواته الثقيلة وهو يعود إلى الحارة، ومواجهته المؤلمة لابنه، كلها لحظات صنعت حالة من التعاطف الصادق مع بطل مأزوم، هذا النوع من الدراما، الذي يستند إلى "وجع الحارة" وأسئلة العدالة والظلم، يظل الأقرب إلى شريحة عريضة من المشاهدين. فالناس، في نهاية المطاف، يبحثون عمن يشبههم، أو على الأقل يلامس مخاوفهم اليومية، وينضم إلى هذا التيار مسلسل "علي كلاي"   بطولة أحمد العوضي، الذي يواصل رهانه على شخصية البطل الشعبي صاحب القوة الجسدية والسطوة في محيطه، وكذلك مسلسل "درش" للفنان مصطفى شعبان، الذي يحاول تقديم خلطة تجمع بين الغموض والصراع الاجتماعي، ومسلسل "الكنج" بطولة محمد إمام، الذي يمضي على خطى الأكشن الخفيف الممزوج بلمسة شعبية، كلها أعمال تؤكد أن الشارع ما زال الرقم الأصعب في معادلة رمضان، وأن "البطل الشعبي" لم يفقد بريقه بعد، بل ربما استعاد بعضا من ألقه في ظل تراجع أنماط أخرى من الدراما.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تحول السباق إلى منافسة في عدد مشاهد القتل والانفجارات؟ فمن يتابع الحلقات الأولى سيلاحظ أن الأكشن لم يعد مجرد عنصر من عناصر الحبكة، بل صار هو العمود الفقري لمعظم الأعمال، طلقات رصاص، مطاردات، دماء، انتقام، وصراخ متواصل، الدراما الهادئة، القائمة على صراع نفسي عميق أو حوار فلسفي رصين، تكاد تكون غائبة، لم نعد نرى تلك الأعمال التي تبني شخصياتها على مهل، وتترك للمشاهد مساحة للتأمل، كل شيء سريع، صاخب، حاد، وكأن صناع الدراما يخشون أن يفقدوا انتباه المشاهد لثوانٍ معدودة، في عصر صار فيه الهاتف المحمول منافسًا شرسًا للشاشة، هذا التحول يعكس في رأيي أزمة ثقة، فبدلا من الاعتماد على قوة النص، يتم التعويض بجرعات مكثفة من الإثارة البصرية، لكن السؤال يبقى: إلى متى يستطيع هذا النمط أن يحافظ على جاذبيته قبل أن يتحول إلى تكرار ممل؟

أما الكوميديا، فيمكننا القول دون مبالغة إنها في حالة احتضار، الضحكة التي كانت تملأ البيوت في رمضان، تراجعت إلى ابتسامات باهتة أو محاولات مفتعلة للإضحاك، المثال الأبرز هذا العام هو تصنيف مسلسل فخر الدلتا ضمن الأعمال الكوميدية، بينما العمل في حقيقته لا يرتقي من وجهة نظري إلى مستوى الدراما المتماسكة، فضلًا عن الكوميديا الذكية، فالكوميديا ليست "إيفيهات" متناثرة، ولا صراخا مبالغا فيه، بل بناء دراميا متكاملا يعتمد على المفارقة والموقف والشخصية، وما نفتقده هذا العام هو النص الجيد الذي يمنح الممثل فرصة حقيقية لصناعة الضحك من قلب الحدث، لا من خارجه.

لقد اعتادت الدراما المصرية أن تقدم أعمالا كوميدية خفيفة الظل، تعيش طويلا في ذاكرة الجمهور، أما اليوم، فنجد أنفسنا أمام محاولات مرتبكة، وكأن صناعها يراهنون على اسم البطل أكثر من رهانهم على جودة السيناريو.

ومن الملامح اللافتة أيضا تراجع البطولة النسائية عن صدارة المشهد، في موسم طالما شهد حضورا نسائيا قويا، نجد هذا العام أن المساحة تقلصت، وأن معظم الأعمال التي تتصدر الحديث يقودها أبطال رجال، الفنانة نيللي كريم لم توفق في مسلسلها "على قد الحب"، حيث بدا العمل تقليديا في طرحه، غير قادر على صناعة دهشة حقيقية، رغم محاولاتها المستمرة للحفاظ على مكانتها كإحدى نجمات الدراما الجادة، وفي المقابل، تحاول ياسمين عبد العزيز إثبات حضورها من خلال مسلسل "وننسى اللي كان"، في تجربة تسعى إلى استعادة بريقها الجماهيري، معتمدة على خلطة تجمع بين الرومانسية والدراما الاجتماعية، أما مي عمر، فتواصل التألق بمسلسل "الست موناليزا"، الذي منحها مساحة أوسع لتقديم شخصية مركبة نسبيا، بعيدة عن القوالب النمطية التي حاصرتها في بداياتها، ورغم هذه المحاولات، يظل السؤال مطروحا: لماذا لم نشهد هذا العام عملا نسائيا كاسحا يتصدر السباق بجدارة؟ هل هي أزمة نصوص تكتب من منظور ذكوري؟ أم حسابات سوقية ترى في البطل الرجل ضمانا أعلى للإعلانات والمشاهدة؟

واللافت للنظر أن المتحكم الحقيقي في سوق الدراما لم يعد القناة الفضائية، ولا حتى شركة الإنتاج، بل السوشيال ميديا، الترند أصبح عملة رائجة، بل وسوقا قائما بذاته، هناك من يدفع ليتصدر، وهناك من يكتفي بانتظار عاصفة الانتقادات، خلال أيام قليلة، تحولت بعض المشاهد إلى مقاطع متداولة على نطاق واسع، صنعت شهرة سريعة لأعمال ربما لم تكن لتحصل على هذا الزخم لولا إعادة تدويرها على المنصات الرقمية، وفي المقابل، سقطت أعمال أخرى ضحية "حملات" انتقاد مكثفة، ربما مبالغ فيها أحيانا، ولم يعد الحكم فنيا خالصا، بل صار مزيجا من التفاعل الرقمي، وعدد المشاهدات، وحجم الجدل، ومع انتعاش سوق "الترند المدفوع"، يصبح السؤال الأخلاقي مطروحا: هل ما نراه انعكاس حقيقي لذوق الجمهور، أم نتيجة حملات تسويق ذكية تعرف كيف تصنع الضجيج؟ السوشيال ميديا منحت الجمهور صوتا قويا، وهذا أمر إيجابي بلا شك، لكنها في الوقت ذاته خلقت مناخا من الاستعجال في إصدار الأحكام، لم يعد العمل يحصل على فرصة كافية لينمو، بل يحاكم منذ الحلقة الأولى، وأحيانا منذ الإعلان التشويقي، وأعود إلى المقولة الأولى الذهب يظل ذهبا، مهما أحاطت به الأتربة، وسط هذا الكم من الأعمال، تظل هناك تجارب تستحق المشاهدة، وأداءات تستحق الإشادة، حتى لو لم تتصدر "الترند".

إنني ما زلت أؤمن بأن الدراما المصرية قادرة على استعادة توازنها، قادرة على الجمع بين الشعبية والرقي، بين الأكشن والفكرة، بين الترند والقيمة، فالجمهور، مهما انشغل بالهاتف، لا يزال يبحث عن حكاية صادقة تمسه من الداخل، والسباق لم ينته بعد فما زال في جعبة الحلقات المقبلة الكثير، وربما تحمل الأيام القادمة مفاجآت تعيد ترتيب الأوراق، وتثبت أن الحكم الحقيقي لا يصدر في الأسبوع الأول، بل في الذاكرة.

الصفحة السابعة من العدد رقم 453 الصادر بتاريخ  26 فبراير 2026
تم نسخ الرابط