عاصم سليمان يكتب: الرئيس السيسي يرسم معادلة الحكمة.. الصبر قوة والاستقرار طريق الشعوب إلى المستقبل

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- حديث الرئيس عن «الصبر الجميل» يكشف فلسفة الدولة في إدارة التحديات وتجاوز الإساءات دون انزلاق للتصعيد.

- تحذير الرئيس من التلاعب بالأسعار يعني أن حماية المواطن أولوية لا تقبل الاستغلال في أوقات الأزمات.

- رسائل الرئيس تعكس رؤية متزنة تقوم على الوعي والمسؤولية وصون استقرار الدولة في محيط إقليمي مضطرب.

يمثل الحديث الذي أدلى به الرئيس  عبد الفتاح السيسي خلال حفل الإفطار الذي نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية رسالة سياسية وإنسانية في توقيت بالغ الحساسية، حيث تمر منطقة الشرق الأوسط بواحدة من أكثر لحظاتها اضطراباً وتعقيداً في السنوات الأخيرة.

وفي مثل هذه اللحظات، تصبح الكلمات التي تصدر عن رأس الدولة أكثر من مجرد تصريحات عابرة، إنها تعبير عن رؤية إستراتيجية للدولة، وعن فلسفة في إدارة الأزمات تستند إلى الخبرة والتجربة، وإلى إدراك عميق لطبيعة التحديات التي تواجه المنطقة، فالرئيس تحدث بصراحة ووضوح عن الأزمة والحرب الدائرة في الإقليم، مؤكداً أن مصر كانت حريصة منذ البداية على منع الانزلاق إلى هذا التصعيد، ليس فقط انطلاقاً من موقعها السياسي ودورها الإقليمي، بل أيضاً من واقع تجربتها التاريخية التي تعرف جيداً أن الحروب لا تخلف سوى الخراب والدمار، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر حين تشتعل النيران في محيطها، وهذه الرؤية ليست مجرد موقف دبلوماسي تقليدي، بل تعكس فلسفة دولة تدرك أن الاستقرار هو الشرط الأول لأي مشروع تنموي حقيقي.

ومن يتابع مسار السياسة المصرية خلال السنوات الأخيرة يدرك أن هذا الموقف لم يكن وليد اللحظة، بل امتدادا لنهج ثابت يقوم على تغليب لغة التهدئة والحلول السياسية كلما أمكن ذلك، فالدولة المصرية تدرك بحكم موقعها الجغرافي وثقلها التاريخي أن أي اضطراب واسع في المنطقة ينعكس بشكل مباشر على أمنها القومي وعلى مصالح شعوبها، وهو ما يفسر حرصها الدائم على تجنب منطق الصدام والانزلاق إلى دوائر الصراع المفتوح.

وفي حديثه، لم يكتف الرئيس بتشخيص المشهد الإقليمي، بل استحضر كذلك ما مرت به مصر من ظروف صعبة وتحديات متلاحقة خلال السنوات الماضية، مؤكداً أن الدولة واجهت الكثير من الإساءة والتشكيك، لكنها اختارت أن تمارس ما وصفه بـ«الصبر الجميل»، وهذه العبارة ليست مجرد توصيف بلاغي، بل تلخص منهجاً سياسياً كاملاً في إدارة الأزمات، يقوم على ضبط النفس وعدم الانجرار وراء الاستفزازات، والرهان على الزمن وعلى قوة الحقائق في نهاية المطاف.

لقد أثبت هذا النهج ـ كما أشار الرئيس ـ جدواه في التعامل مع بعض الدول، حيث نجحت مصر في تجاوز كثير من الخلافات دون أن تنجرف إلى مسارات تصعيدية قد تضر بمصالحها أو بمصالح المنطقة. وهو درس مهم في فن إدارة العلاقات الدولية، فالقوة لا تعني دائماً الرد الفوري أو المواجهة المباشرة، بل قد تكون في القدرة على امتصاص الأزمات وإعادة توجيهها نحو مسارات أكثر اتزاناً.

غير أن حديث الرئيس لم يكن موجهاً إلى الخارج فقط، بل حمل أيضاً رسالة مباشرة إلى الداخل المصري، فقد خاطب المواطنين بلغة صريحة تؤكد أهمية الوعي والمسؤولية في هذه المرحلة الدقيقة، مشدداً على ضرورة أن يكون الفهم العام للأحداث مبنياً على العلم والدراسة لا على الشائعات أو الانطباعات السريعة التي قد تتشكل عبر منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه الدعوة إلى الوعي ليست مسألة شكلية، بل تمثل أحد أهم عناصر صلابة المجتمعات في أوقات الأزمات. فالدولة مهما امتلكت من أدوات وسياسات لا تستطيع مواجهة التحديات وحدها، بل تحتاج إلى مجتمع مدرك لحجم التحديات وقادر على التمييز بين الحقائق والشائعات، وبين النقد الموضوعي ومحاولات التشكيك المتعمدة.

وفي هذا السياق، أشار الرئيس بوضوح إلى أن الأزمة الإقليمية الحالية قد تترتب عليها بعض

 التداعيات الاقتصادية، ومن بينها تأثيرات محتملة على الأسعار.

 وهذه المصارحة تعكس منهجاً يقوم على الشفافية في عرض التحديات أمام الرأي العام، بدلاً من تجاهلها أو التقليل من شأنها، وهو أمر بالغ الأهمية في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

لكن في المقابل، شدد الرئيس على ضرورة عدم استغلال هذه الظروف لرفع الأسعار أو التلاعب بها، مؤكداً أنه وجه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري. ويعكس هذا التوجه رسالة حاسمة بأن حماية المواطن من أي ممارسات احتكارية أو استغلالية تمثل أولوية لا تقبل التهاون، خصوصاً في أوقات الأزمات التي تتطلب أعلى درجات الانضباط والمسؤولية.

ولعل العبارة التي استخدمها الرئيس حين قال إن البلاد في «حالة شبه طوارئ» تعكس إدراكاً واضحاً لحساسية المرحلة، فالأزمات الإقليمية الكبرى لا تتوقف آثارها عند حدود السياسة أو الأمن فقط، بل تمتد أيضاً إلى الاقتصاد وحياة الناس اليومية. ومن هنا تأتي أهمية أن يتكاتف الجميع ـ دولة ومجتمعاً وقطاعاً خاصاً ـ لتجاوز هذه المرحلة بأقل قدر ممكن من الضغوط.

ويمكن قراءة حديث الرئيس باعتباره دعوة مزدوجة، دعوة إلى التمسك بالسلام والاستقرار في محيط إقليمي مضطرب، ودعوة في الوقت ذاته إلى تعزيز التماسك الداخلي والوعي المجتمعي. فالدول القوية ليست فقط تلك التي تمتلك الجيوش والموارد، بل تلك التي تمتلك أيضاً مجتمعاً واعياً قادراً على الصمود في مواجهة التحديات، وهكذا، يظل جوهر الرسالة بسيطاً وواضحا: الحكمة في إدارة الأزمات، والصبر في مواجهة الاستفزازات، والوعي في التعامل مع التحديات، وهي ثلاثية تبدو اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى في عالم يموج بالاضطرابات، وتحتاج فيه الدول إلى قدر كبير من التعقل حتى تحمي مصالح شعوبها وتصون مستقبلها.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 455 الصادر بتاريخ  12 مارس 2026
تم نسخ الرابط