الوجه القبيح لـ «تجارة الدموع» على مواقع التواصل
- صناع المحتوى يتاجرون بالمآسي ويبيعون الوجع للمشاهدين
- غياب الضمير.. فبركة بعض القصص الإنسانية بهدف جذب التفاعل انحراف يقترب من الجريمة الأخلاقية
- غش المشاعر.. الدموع تتحول إلى محتوى قابل للاستهلاك.. وتمثيل الفقر أداة لزيادة المشاهدات
- المبالغة في عرض الألم تسهم في صناعة "الترند" وتوسيع نطاق الانتشار
- الجمهور شريك في إعادة تدوير المحتوى عبر التفاعل والمشاركة دون تحقق كافٍ من المصداقية
أعترف بأنني لم أعد أتعامل مع الدموع على الشاشة كما كنت من قبل، في كل مرة يمر أمامي مقطع لإنسان منكسر أو استغاثة تفيض ألما، أجد نفسي ممزقا بين رغبة صادقة في التعاطف، وشك متزايد في أن ما أراه ليس سوى مشهد آخر أُحسن إخراجه، لم يعد الأمر بسيطا كما يبدو، هناك شيء تغير في علاقتنا بالمأساة، شيء جعل الحزن قابلا للعرض، والوجع قابلا للقياس، والتعاطف نفسه قابلا للتوظيف، ما يقلقني ليس وجود المعاناة، فهي جزء أصيل من الحياة، بل الطريقة التي تقدم بها، كيف تحول الألم من تجربة إنسانية خاصة إلى مادة عامة تنشر وتعاد مشاركتها وتحاط بالمؤثرات، كأنها منتج يحتاج إلى تسويق، وكيف أصبح السؤال الضمني خلف كثير من هذه القصص ليس من يحتاج المساعدة، بل أي قصة قادرة على جذب الانتباه أكثر؟!
وبين صدق المشاعر وحسابات الانتشار، نشأ واقع جديد يمكن وصفه دون مبالغة بأنه تجارة قائمة على التعاطف، اقتصاد لا يكتفي بعكس الألم، بل يعيد تشكيله، يضخمه أحيانا، ويعيد تقديمه في صورة تضمن أعلى قدر من التفاعل، هنا لم تعد الدموع مجرد تعبير عن وجع، بل تحولت إلى لغة مشتركة بين صانع المحتوى والجمهور، لغة تدر مشاهدات وتفتح أبوابا للربح، وتمنح أصحابها حضورا لا يتحقق بطرق أخرى، لذلك يبدو ضروريا أن نعيد طرح الأسئلة الصعبة متى يكون التعاطف فعلا إنسانيا خالصا، ومتى يتحول إلى سلعة؟ وأين يقف الحد الفاصل بين نقل المعاناة وممارستها كنوع من الاستعراض؟ هذه الأسئلة هي ما يدفعني إلى التوقف، لا؛ لأدين بقدر ما أحاول أن أفهم؛ لأن ما يحدث حولنا لم يعد مجرد حالات فردية، بل ظاهرة تتسع وتتشكل يوما بعد يوم، وتستحق أن ننظر إليها بقدر من الصراحة والعمق.
إنني لا أنكر أن منصات التواصل منحت أصواتا كثيرة فرصة للظهور، وفتحت أبوابا لدعم حالات إنسانية كانت ستظل مجهولة لولا انتشارها، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الألم نفسه مادة خام، وحين تتحول المعاناة إلى محتوى قابل للتعبئة والتسويق، وحين يغدو السؤال المركزي ليس كيف نساعد، بل كيف نجذب أكبر قدر من التفاعل؟
لقد نشأت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة يمكن وصفها دون مبالغة بـ "تجارة التعاطف"، هنا لا نتحدث عن تعاطف عفوي نابع من إنسانية خالصة، بل عن تعاطف مصاغ، مدروس، موجه، يخضع لمنطق العرض والطلب، كلما كانت القصة أكثر إيلاما، ارتفعت فرص انتشارها، وكلما زادت احتمالات تحقيق أرباح، سواء عبر الإعلانات أو التبرعات أو بناء قاعدة جماهيرية قابلة للاستثمار لاحقا، واللافت في هذا السياق أن بعض صناع المحتوى لم يعودوا ينتظرون وقوع المأساة، بل باتوا يصنعونها أو يعيدون صياغتها بما يتناسب مع شروط السوق، يتم اختيار الزوايا بعناية، انتقاء الكلمات المؤثرة، إضافة مؤثرات صوتية، أحيانا حتى إعادة تمثيل المشهد.
نحن هنا أمام نوع جديد من السرد، حيث تختلط الحقيقة بالتمثيل، ويذوب الفاصل بين الواقع والدراما، وفي أحد الأمثلة التي لا تغيب عن ذاكرتنا، مقاطع لأناث يروون قصة عن المرض والفقر، ويبكون بحرقة.
ويتعاطف معهم الآلاف، وانهالت عليهم التبرعات، بعد أيام، تكشفت معلومات تشير إلى أن القصة تم تضخيمها، وأن هؤلاء ليسوا بتلك الحالة التي ظهرت، لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تبين أن هناك من ساعد في إخراج المشهد وتوجيهه، السؤال هنا ليس عن حالة فردية، بل عن نموذج يتكرر بأشكال مختلفة.
الأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لا تقتصر على التزييف الكامل، بل تشمل أيضا المبالغة في عرض الألم الحقيقي، قد تكون هناك معاناة بالفعل، لكن يتم تقديمها بطريقة تركز على استدرار الشفقة أكثر من عرض الواقع بموضوعية، يتم اختزال الإنسان في ضعفه، في دموعه، في لحظة انكساره، بينما تغيب قصته الكاملة، وكرامته، وسياقه، وهنا يأتي السؤال: ما الذي يدفع إلى ذلك؟ الإجابة ببساطة تكمن في الخوارزميات، هذه الأنظمة التي تحكم ما نراه على شاشاتنا لا تفهم الأخلاق بقدر ما تفهم التفاعل، المحتوى الذي يثير مشاعر قوية، سواء كانت حزنا أو غضبا أو صدمة، يحظى بانتشار أوسع، وهنا يدرك صانع المحتوى أن الطريق الأقصر إلى الجمهور يمر عبر بوابة العاطفة.
ليس أي عاطفة، بل العاطفة الأكثر حدة، وفي هذا الإطار، يصبح الألم سلعة نادرة ذات قيمة عالية، وكلما تمكن صانع المحتوى من تقديم جرعة أكبر من المأساة، ارتفع سعر هذه السلعة في سوق المشاهدات، وهكذا ندخل في دائرة مغلقة، حيث يتم إنتاج المزيد من المحتوى المؤلم، لأن الجمهور يتفاعل معه، والجمهور يتفاعل لأنه يتعرض له باستمرار.
لكن هل الجمهور بريء تماما؟ في الحقيقة، نحن جميعا شركاء بدرجات متفاوتة، نحن من نضغط على زر الإعجاب، نحن من نشارك الفيديو، نحن من نكتب التعليقات التي تعزز الانتشار، قد نفعل ذلك بدافع إنساني صادق، لكننا في الوقت نفسه نغذي هذه التجارة دون أن نشعر، نحن لا نتحقق دائما من صحة القصص، ولا نسأل عن مصير التبرعات، ولا نتوقف عند سؤال بسيط: هل ما أراه حقيقي أم مجرد عرض متقن؟
وفي خضم هذا المشهد، تضيع قصص إنسانية حقيقية لا تملك أدوات الجذب، هناك من يعاني بصمت، من لا يعرف كيف يقف أمام الكاميرا، من لا يملك من يصوغ له قصته بطريقة مؤثرة، هؤلاء لا يصلون إلى دائرة الضوء، لأن معاناتهم لا تتوافق مع شروط السوق، وهنا تتجلى مفارقة مؤلمة ليس الأكثر احتياجا هو من يحظى بالدعم، بل الأكثر قدرة على جذب الانتباه.
جانب آخر لا يقل خطورة يتمثل في الأثر النفسي على الأفراد الذين يتم تصويرهم، حين يتم عرض شخص في لحظة ضعف قصوى أمام ملايين المتابعين، فإن ذلك قد يترك أثرا عميقا على كرامته وصورته الذاتية، قد يحصل على دعم مادي مؤقت، لكنه يدفع ثمنا معنويا باهظا، يتحول إلى رمز للمعاناة، وقد يظل أسير هذه الصورة حتى بعد تحسن ظروفه، كما أن تكرار التعرض لمثل هذه المحتويات قد يؤدي إلى نوع من التبلد العاطفي لدى الجمهور.
حين نشاهد يوميا عشرات القصص المؤلمة، قد نفقد تدريجيا قدرتنا على التفاعل الحقيقي، يتحول الألم إلى مشهد عادي، إلى جزء من روتين التصفح، وهنا تكمن مفارقة أخرى: الإفراط في عرض المعاناة قد يؤدي إلى تآكل التعاطف نفسه، ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بوصفها انعكاسا لتحولات أعمق في علاقتنا بالواقع.
نحن نعيش في عصر تتداخل فيه الحدود بين الحقيقي والمصطنع، بين الخاص والعام، حياتنا اليومية أصبحت مادة للنشر، ومشاعرنا أصبحت قابلة للعرض، في هذا السياق، يصبح من السهل أن تتحول المأساة إلى محتوى، وأن يغدو الألم جزءا من اقتصاد الانتباه، لكن هل هناك مخرج من هذه الدائرة؟ أعتقد أن البداية تكون بالوعي، وعي صناع المحتوى بمسؤوليتهم الأخلاقية، ووعي الجمهور بدوره وتأثيره، على صانع المحتوى أن يدرك أن وراء كل قصة إنسانا حقيقيا، له كرامة وحقوق.
وأن النجاح لا يبرر انتهاك هذه القيم، وعلى الجمهور أن يتعلم التمييز، أن يسأل، أن يتحقق، ألا يمنح ثقته بسهولة.
وعلى الرغم من ذلك فإنني أؤكد أن الأمر لا يتعلق بمحاربة التعاطف، بل بحمايته من الاستغلال، التعاطف قيمة إنسانية نبيلة، وهو ما يجعلنا قادرين على مساعدة بعضنا البعض في أوقات الشدة.
لكن حين يتحول إلى سلعة، يفقد جوهره، ويصبح مجرد أداة في لعبة أكبر، ربما علينا أن نعيد طرح السؤال بطريقة مختلفة: كيف نساعد دون أن نحول المساعدة إلى عرض؟ كيف نتعاطف دون أن نستهلك الألم؟ كيف نمنح الدعم دون أن ننتزع الكرامة؟ هذه الأسئلة لا تملك إجابات سهلة، لكنها ضرورية إذا أردنا أن نحافظ على إنسانيتنا في زمن بات فيه كل شيء قابلا للبيع، حتى الدموع.




