عاصم سليمان يكتب: 30 يونيو.. الثورة التي فتحت أبواب الجمهورية الجديدة

عاصم سليمان - صورة
عاصم سليمان - صورة أرشيفية

- الرئيس السيسي.. قائد آمن بأن البناء هو الطريق الوحيد للمستقبل فصنع المستحيل

- الأمن أولًا.. معركة انتصرت فيها الدولة واستعادت مصر استقرارها

- مبادرات غير مسبوقة غيرت ملامح الحياة وفتحت أبواب الأمل في كل أنحاء مصر

هناك ثورات تنتهي بمجرد تحقيق أهدافها السياسية، وهناك ثورات تبدأ بعدها الحكاية الحقيقية، ومن وجهة نظري، فإن ثورة الثلاثين من يونيو تنتمي إلى النوع الثاني، لأنها لم تكن نهاية أزمة، بل كانت بداية مشروع وطني كبير أعاد رسم ملامح الدولة المصرية من جديد.

عندما خرج ملايين المصريين في الثلاثين من يونيو، كانوا يبحثون عن وطن آمن، ودولة قوية، ومستقبل يليق بأبنائهم. ولم يكن أحد يتخيل وقتها أن السنوات التالية ستشهد هذا الحجم من التحولات التي غيرت وجه مصر في كل الاتجاهات.

لقد كانت الثورة بوابة العبور إلى مرحلة جديدة، عنوانها البناء والعمل، لا الشعارات والهتافات، ولذلك أرى أن أعظم ما أنجزته 30 يونيو أنها أعادت للدولة قدرتها على الحلم، ثم حولت هذا الحلم إلى واقع يراه الجميع.

منذ اللحظة الأولى، أدرك الرئيس عبد الفتاح السيسي أن استعادة الدولة لا تكتمل إلا ببناء دولة حديثة تواكب القرن الحادي والعشرين، ولذلك لم يكتف بإعادة الأمن والاستقرار، بل انطلق في مشروع تنموي غير مسبوق، استهدف تغيير شكل الحياة في مصر بالكامل.

ما يلفت انتباهي دائما أن الرجل لم يكن ينظر إلى السنوات القليلة المقبلة، وإنما كان يفكر بعقلية من يبني للأجيال القادمة، ولهذا جاءت القرارات الكبرى مرتبطة بالمستقبل أكثر من ارتباطها بالحاضر، ولعل هذه الرؤية هي التي جعلت الدولة تتحرك في عشرات الملفات في وقت واحد، دون أن تتوقف أو تتراجع رغم كل التحديات.

إذا أردنا أن نلخص ما حدث بعد ثورة 30 يونيو في عبارة واحدة، فسأقول إنها كانت بداية الجمهورية الجديدة، ففي أقل من سنوات معدودة، تغيرت خريطة العمران في مصر بصورة غير مسبوقة، وظهرت مدن حديثة، وتوسعت شبكة الطرق والمحاور، وانطلقت مشروعات قومية عملاقة، وأصبحت الدولة تمتلك بنية أساسية قادرة على استيعاب احتياجات المستقبل لعقود طويلة.

ولم يكن الهدف مجرد إنشاء مبان أو طرق، بل تأسيس دولة حديثة تمتلك مقومات التنمية والاستثمار، وتوفر بيئة أفضل للمواطن، وتفتح آفاقا جديدة أمام الاقتصاد الوطني.

أحد أبرز المكاسب التي تحققت بعد الثورة هو ملف الطاقة، الذي تحول من أزمة مزمنة كانت تؤثر في حياة المواطنين، إلى قصة نجاح حقيقية، فبعد سنوات كانت فيها انقطاعات الكهرباء مشهدا يوميا، أصبحت مصر تمتلك قدرات إنتاجية ضخمة، وتوسعت في مشروعات الكهرباء والطاقة الجديدة والمتجددة، ونجحت في تطوير قطاع الغاز الطبيعي، حتى أصبحت لاعبا مهما في مجال الطاقة على المستوى الإقليمي.

وفي تقديري، فإن هذا التحول لم يكن مجرد نجاح اقتصادي، بل كان أساسا ضروريا لأي نهضة صناعية أو تنموية، لأن الدول لا تبنى في ظل نقص الطاقة، وإنما تبنى عندما تمتلك القدرة على تأمين احتياجاتها والانطلاق نحو المستقبل.

قد يختلف الناس في وجهات النظر، لكن المشروعات التي قامت على أرض الواقع لا يمكن إنكارها، من العاصمة الإدارية الجديدة، إلى المدن الذكية، ومن شبكات الطرق العملاقة إلى تطوير الموانئ، ومن القضاء على العشوائيات إلى إنشاء مجتمعات عمرانية حديثة، كلها شواهد تؤكد أن الدولة اختارت أن تواجه التحديات بالعمل، لا بالكلام، لقد أصبحت الإنجازات تتحدث عن نفسها، وأصبحت الخريطة المصرية تحمل ملامح مختلفة عما كانت عليه قبل ثلاثة عشر عاما.

ورغم ضخامة المشروعات، فإن ما أراه أكثر أهمية هو أن الإنسان ظل في قلب عملية التنمية، فالدولة توسعت في برامج الحماية الاجتماعية، وطورت منظومة الصحة، واهتمت بالتعليم، وسعت إلى توفير حياة أكثر كرامة للمواطن، انطلاقا من قناعة بأن التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان وتنتهي إليه، ولهذا فإن ما تحقق لم يكن مجرد إنجازات هندسية، وإنما مشروع متكامل لبناء وطن أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

حين أتأمل ما جرى منذ الثلاثين من يونيو وحتى اليوم، أجد أننا لا نتحدث عن سنوات مرت، بل عن مرحلة صنعت فارقا في تاريخ الدولة المصرية، فقد استعادت مصر استقرارها، ورسخت مؤسساتها، وأطلقت أكبر حركة بناء وتنمية في تاريخها الحديث، وأثبتت أن الإرادة الصادقة قادرة على تحويل أصعب الظروف إلى فرص للنجاح، وربما يختلف البعض في تقييم التفاصيل، لكن ما لا يختلف عليه اثنان هو أن مصر تغيرت، وأنها تسير اليوم على طريق اختارته بنفسها، عنوانه العمل والإنتاج وبناء المستقبل.

ولهذا ستظل ثورة 30 يونيو بالنسبة لي أكثر من مجرد ذكرى وطنية، لأنها كانت الشرارة التي أطلقت مشروع الجمهورية الجديدة، وفتحت الباب أمام مرحلة مختلفة من تاريخ مصر، مرحلة عنوانها أن الأوطان لا تبنى بالكلمات، وإنما تبنى بالإرادة والعمل والإخلاص، وحين يقرأ أبناؤنا تاريخ هذه المرحلة بعد سنوات طويلة، سيدركون أن الثلاثين من يونيو لم تكن فقط يوما خرج فيه الشعب إلى الميادين، بل كانت بداية رحلة طويلة نحو بناء دولة أكثر قوة، وأكثر قدرة على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها.

الصفحة الرابعة من العدد رقم 469 الصادر بتاريخ 2 يوليو 2026
تم نسخ الرابط