صابر سالم يكتب: الوصول إلى 30 مليون سائح لمصر ليس مستحيلاً.. خطة ترويج مقترحة

صابر سالم - صورة
صابر سالم - صورة أرشيفية

لم يعد الوصول إلى 30 مليون سائح سنويًا حلمًا بعيد المنال بالنسبة لمصر، بل أصبح هدفًا واقعيًا إذا ما توفرت له أدوات الترويج الحديثة، وخطة تسويقية متكاملة، واستغلالا أمثل لما تمتلكه الدولة من مقومات سياحية لا تتكرر في أي مكان آخر. فمصر ليست مجرد دولة تضم آثارًا فرعونية خالدة، وإنما تمتلك تنوعًا سياحيًا فريدًا يجمع بين التاريخ، والشواطئ، والسياحة الدينية، والعلاجية، والبيئية، والثقافية، وسياحة المغامرات، وهو ما يمنحها ميزة تنافسية عالمية.

ورغم ما شهدته السنوات الأخيرة من تطوير كبير للبنية التحتية، وإنشاء طرق ومطارات جديدة، وتحديث المتاحف والمواقع الأثرية، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في امتلاك المنتج السياحي، بل في كيفية تسويقه للعالم بطريقة أكثر احترافية وابتكارًا.

أولى خطوات الوصول إلى هذا الرقم تبدأ بإعادة صياغة الصورة الذهنية عن مصر في الأسواق الخارجية. فالكثير من السائحين يعرفون الأهرامات وأبو الهول، لكنهم لا يعرفون شيئًا عن جمال الساحل الشمالي، أو سحر واحات الصحراء الغربية، أو كنوز سيناء، أو المقاصد البيئية في البحر الأحمر، أو السياحة النيلية في صعيد مصر.

ومن هنا يصبح من الضروري إنتاج محتوى ترويجي حديث بلغات متعددة، يعتمد على الصورة والفيديو القصير، ويخاطب مختلف الفئات العمرية عبر المنصات الرقمية الأكثر انتشارًا.

كما يجب أن تعتمد الدولة على التسويق الإلكتروني بصورة أكبر، من خلال حملات إعلانية موجهة في الأسواق المستهدفة، تستند إلى تحليل البيانات واهتمامات المستخدمين، بحيث تصل الرسائل الترويجية إلى الأشخاص الأكثر احتمالًا لزيارة مصر، بدلاً من الاكتفاء بالحملات التقليدية التي تستهدف الجميع دون تمييز.

ومن الضروري أيضًا التعاون مع صناع المحتوى والمؤثرين العالميين في مجال السفر، فملايين الأشخاص حول العالم يختارون وجهاتهم السياحية بناءً على تجارب يشاهدونها عبر "يوتيوب" أو "إنستجرام" أو "تيك توك".

واستضافة هؤلاء المؤثرين لإنتاج محتوى احترافي عن المقاصد المصرية قد تحقق تأثيرًا يفوق الحملات الإعلانية التقليدية، خاصة إذا ركزت على التجربة الإنسانية وليس مجرد تصوير المعالم.

وفي الوقت نفسه، ينبغي توسيع شبكة الطيران المباشر مع الأسواق الواعدة، لأن سهولة الوصول تعد أحد أهم عوامل جذب السائح.

فكل رحلة طيران جديدة تعني سوقًا جديدة وفرصة أكبر لزيادة أعداد الزائرين، إلى جانب تشجيع شركات الطيران منخفضة التكلفة على تسيير رحلات منتظمة إلى المدن السياحية المصرية.

ولا يقل عن ذلك أهمية تطوير مفهوم السياحة المتخصصة.

فالعالم لم يعد يبحث فقط عن الإجازات التقليدية، وإنما عن تجارب مختلفة.

ويمكن لمصر أن تصبح مركزًا عالميًا لسياحة المؤتمرات والمعارض، والسياحة الرياضية، وسياحة اليخوت، والسياحة العلاجية، وسياحة التصوير السينمائي، فضلًا عن السياحة الدينية التي تجمع بين مسار العائلة المقدسة، وجبل موسى، والمواقع الإسلامية والتاريخية.

ومن الأفكار التي تستحق الدراسة إطلاق رزنامة سنوية للمهرجانات والفعاليات الدولية، بحيث يجد السائح سببًا جديدًا لزيارة مصر في كل موسم، سواء من خلال مهرجانات موسيقية، أو بطولات رياضية عالمية، أو أسابيع ثقافية، أو عروض فنية تقام في المواقع الأثرية، بما يسهم في تنشيط الحركة السياحية طوال العام، وليس في مواسم محددة فقط.

كما ينبغي تقديم حوافز أكبر لشركات السياحة العالمية ومنظمي الرحلات، وربط تلك الحوافز بحجم التدفقات السياحية التي يحققونها إلى مصر، مع تبسيط إجراءات التأشيرات والتوسع في إصدار التأشيرة الإلكترونية، بما يجعل قرار السفر إلى مصر أكثر سهولة وسرعة.

ومن المهم أيضًا رفع متوسط إنفاق السائح، وليس فقط زيادة أعداده، من خلال تطوير المنتجات السياحية، وتشجيع الصناعات التراثية، وتحسين تجربة التسوق، وإتاحة المزيد من الأنشطة الترفيهية والثقافية، لأن نجاح القطاع لا يقاس بعدد الزائرين فقط، وإنما أيضًا بحجم العائد الاقتصادي الذي يحققه كل سائح.

ولا يمكن إغفال أهمية الحفاظ على جودة الخدمات، بداية من المطارات وحتى الفنادق والمطاعم ووسائل النقل، فالتجربة الإيجابية هي أفضل وسيلة دعاية.

السائح الذي يغادر مصر وهو يحمل ذكريات جيدة سيصبح سفيرًا لها بين أصدقائه وعائلته، بينما قد تؤثر تجربة سلبية واحدة في قرارات عشرات المسافرين المحتملين.

إن الوصول إلى 30 مليون سائح ليس رقمًا مستحيلاً، بل هدفا يمكن تحقيقه إذا تكاملت جهود الدولة والقطاع الخاص، واعتمدت مصر على أدوات التسويق الحديثة، ووسعت حضورها في الأسواق الدولية، وقدمت تجربة سياحية تضاهي أفضل الوجهات العالمية.

فمصر تمتلك المقومات، وتملك التاريخ، وتملك الطبيعة، وما تحتاجه اليوم هو استمرار التطوير، وتسويق ذكي يليق بما تمتلكه من كنوز لا مثيل لها، حتى تتحول إلى واحدة من أكبر المقاصد السياحية في العالم خلال السنوات المقبلة.

الصفحة الثامنة من العدد رقم 470 الصادر بتاريخ 9 يوليو 2026
تم نسخ الرابط