معركة الوعي.. لماذا تراهن الجماعة الإرهابية على صناعة الأكاذيب؟

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- منصات التواصل أصبحت ساحة مفتوحة لحروب التضليل.. والتحقق من المعلومات مسؤولية وطنية لحماية استقرار المجتمع

- حين تصبح الكلمة أخطر من الرصاصة.. الشائعات لم تعد مجرد أخبار كاذبة بل أدوات منظمة تستهدف الثقة والاقتصاد والاستقرار

- من الصورة المفبركة إلى الفيديو المقتطع من سياقه.. كيف تُدار معركة التأثير على الرأي العام عبر الفضاء الإلكتروني؟

- حساب مجهول أو رسالة بلا مصدر قد يشعلان موجة من القلق والارتباك فيما تبقى الحقيقة بحاجة إلى وقت حتى تصل للجميع.

- التضليل الرقمي.. أخطر تحديات العصر

- الجماعات المتطرفة تستغل سرعة انتشار المحتوى لترويج روايات مضللة تستهدف مؤسسات الدولة وتغذي الفوضى والشك.

توقفت طويلًا أمام مشهد يتكرر كل يوم تقريبًا على شاشات الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعى. خبر عاجل ينتشر بسرعة البرق، ورسالة مجهولة المصدر يعيد الآلاف تداولها، وصورة قديمة يعاد نشرها على أنها حدث وقع قبل دقائق، ومقطع فيديو يُقتطع من سياقه ليصنع رواية مختلفة تمامًا عن الحقيقة.

في تقديري الشخصي، لم يعد الخطر الحقيقي يكمن فقط في الكذبة نفسها، وإنما في السرعة التي تنتقل بها، وفي قدرتها على إثارة الخوف والارتباك قبل أن تظهر الحقيقة كاملة.

لقد أصبحت معركة الوعي واحدة من أهم معارك العصر، لأن المجتمعات التي تمتلك الوعي تستطيع أن تهزم التضليل، أما المجتمعات التي تستسلم للشائعة فإنها تمنح مروجي الأكاذيب فرصة لتحقيق أهدافهم دون أن يطلقوا رصاصة واحدة.

أرى أن الشائعة ليست مجرد خبر كاذب، وإنما وسيلة للتأثير النفسي والاجتماعي. فهي تستهدف المشاعر قبل العقول، وتراهن على سرعة الانفعال أكثر من دقة التفكير.

ولهذا لا يبحث صانع الشائعة عن الحقيقة، بل يبحث عن أكثر صيغة قادرة على إثارة القلق أو الغضب أو الإحباط. وكلما كانت الرسالة صادمة أو مثيرة، زادت فرص انتشارها، حتى وإن كانت تفتقر إلى أي دليل أو مصدر موثوق.

وفي كثير من التجارب التي شهدها العالم، اعتمدت جماعات متطرفة وتنظيمات عنيفة على الدعاية المضللة باعتبارها جزءًا من أدواتها في الصراع.

وتعلن الجهات الرسمية في دول عديدة أن تلك الجماعات تسعى إلى استغلال الفضاء الرقمي لنشر روايات تخدم أهدافها، مستفيدة من سرعة تداول المحتوى وصعوبة التحقق لدى بعض المستخدمين.

ومن هنا، فإن التعامل مع الأخبار غير الموثقة لم يعد مجرد مسألة إعلامية، بل أصبح قضية ترتبط بحماية المجتمع واستقراره.

اللافت للنظر أن الشائعة لا تستهدف فقط تشويه صورة مؤسسة أو نشر معلومة غير صحيحة، وإنما تسعى في كثير من الأحيان إلى تقويض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإقناع الناس بأن كل ما يتحقق من إنجازات هو مجرد وهم.

وعندما تتكرر الرسائل المضللة بصورة مستمرة، قد يجد البعض أنفسهم أمام حالة من الشك الدائم، فيصبح من الصعب التمييز بين الحقيقة والزيف.

وهذه هي أخطر نتائج التضليل، لأن المجتمع الذي يفقد ثقته في الحقائق يصبح أكثر هشاشة أمام أي محاولة للتأثير عليه.

وأعتقد أن الاقتصاد يأتي في مقدمة القطاعات التي تتأثر بالشائعات.

فمجرد تداول معلومات غير صحيحة عن الأسواق أو الاستثمارات أو العملة أو المشروعات الكبرى قد يثير حالة من القلق تؤثر على قرارات المواطنين والمستثمرين.

والثقة عنصر أساسي في أي اقتصاد، وأي محاولة للنيل منها تنعكس آثارها على الجميع، وليس على جهة بعينها.

لذلك فإن مواجهة الشائعات الاقتصادية لا تقل أهمية عن تنفيذ المشروعات نفسها، لأن التنمية تحتاج إلى بيئة مستقرة وثقة مجتمعية متماسكة.

ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للسياحة أو الاستثمار أو المشروعات القومية.

فكلما نجحت الدولة في إطلاق مشروع جديد أو تحقيق تقدم في أحد الملفات، تظهر على مواقع التواصل روايات متناقضة ومحاولات للتشكيك أو التقليل من أهمية ما تحقق.

ومن الطبيعي أن تختلف الآراء حول السياسات العامة، فهذا حق مكفول، لكن تزييف الوقائع أو نشر معلومات مختلقة أمر مختلف تمامًا، لأنه يحرم المجتمع من النقاش المبني على حقائق.

في تقديري الشخصي، فإن أخطر ما يميز الشائعة أنها لا تحتاج إلى إمكانات كبيرة. يكفي حساب مجهول، أو صورة خارج سياقها، أو مقطع فيديو قديم، لتبدأ موجة من إعادة النشر قد تصل إلى مئات الآلاف خلال ساعات قليلة.

ومن هنا أصبحت المسؤولية مضاعفة على كل مستخدم لمواقع التواصل، لأن ضغطة زر واحدة قد تساهم، دون قصد، في توسيع دائرة انتشار معلومة غير صحيحة.

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن صناع التضليل يراهنون دائمًا على عامل الوقت.

فهم يدركون أن الخبر الكاذب ينتشر أسرع من التصحيح، وأن الانطباع الأول يترك أثرًا قد يصعب محوه لاحقًا.

ولهذا يصبح التحقق من المصدر، والانتظار حتى تتضح الصورة، سلوكًا وطنيًا ومسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مجرد عادة إعلامية.

ولا يمكن الحديث عن معركة الوعي دون الإشارة إلى الدور الجوهري للإعلام المهني. فالإعلام الذي يلتزم بالتحقق والتدقيق، ويمنح الأولوية للمعلومة الصحيحة، يمثل أحد أهم خطوط الدفاع في مواجهة التضليل.

كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية يقع على عاتقها دور لا يقل أهمية، يتمثل في تنمية التفكير النقدي لدى الشباب، وتعليمهم كيفية التمييز بين الخبر الموثق والمحتوى الذي يفتقر إلى الأدلة.

وأرى أن الأسرة أيضًا شريك أساسي في هذه المعركة. فالحوار داخل المنزل، وتعليم الأبناء عدم تصديق كل ما يشاهدونه أو يقرأونه، وغرس ثقافة السؤال والبحث، كلها ممارسات بسيطة في ظاهرها، لكنها تبني جيلاً أكثر قدرة على مواجهة حملات التضليل.

إن معركة الوعي ليست مسؤولية الحكومة وحدها، ولا مسؤولية الإعلام وحده، بل هي مسؤولية مجتمع كامل.

فكل مواطن يرفض إعادة نشر معلومة مجهولة المصدر، وكل صحفي يتحقق من الخبر قبل نشره، وكل معلم يغرس قيمة التفكير النقدى، وكل أسرة تعلم أبناءها احترام الحقيقة، يشارك بصورة مباشرة في حماية المجتمع من آثار الأكاذيب.

وأعتقد أن التاريخ سيذكر أن أخطر معارك هذا العصر لم تكن فقط تلك التي استخدمت فيها الأسلحة التقليدية، وإنما أيضًا تلك التي استهدفت العقول والوجدان.

فالحقيقة قد تتأخر أحيانًا، لكنها تظل أكثر قوة من أي شائعة، والوعي قد يحتاج إلى وقت حتى يترسخ، لكنه يبقى السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة التضليل.

إن الحفاظ على استقرار المجتمعات لا يتحقق فقط بالمشروعات أو القوانين أو الإمكانات، وإنما يبدأ من بناء إنسان يمتلك القدرة على التفكير والتحليل والتمييز بين الرأي والمعلومة، وبين الحقيقة والزيف.

فالمجتمع الواعي لا يخشى الشائعات، لأنه يمتلك المناعة التي تجعله يسأل قبل أن يصدق، ويتحقق قبل أن ينشر، ويحتكم إلى العقل قبل الانفعال.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في زمن أصبحت فيه الكلمة قادرة على أن تبني، وقادرة أيضًا على أن تهدم، إذا غاب عنها الصدق والمسؤولية.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 470 الصادر بتاريخ 9 يوليو 2026
تم نسخ الرابط