«رواية الدم الأخيرة».. كيف تصنع الصواريخ والممرات البحرية خرائط النفوذ الجديدة.. ولماذا تدفع الشعوب وحدها ثمن صراع الكبار؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- ماذا تجني واشنطن وطهران من إشعال النيران في الشرق الأوسط؟

- هل يقف المجتمع الدولي عاجزا أمام مجانين الحرب هذه المرة؟

- ما سر عودة الحوثيين لإرهاب السعودية؟.. وكيف سيرد محمد بن سلمان؟

- هل تغلق إيران مضيق باب المندب بعد "هرمز"؟.. وكيف يتأثر الاقتصاد المصري؟

يفقد العالم عقله هذه الأيام! 

لغة السياسة تتحول إلى لغة البارود، ولغة التفاوض إلى لغة الانتقام، ولغة المصالح إلى لغة الدم.. وفي مثل هذه اللحظات لا يسأل الأبرياء من بدأ الحرب، ولا من أطلق الرصاصة الأولى، لأن الجميع يدفع الثمن، بينما يجلس أصحاب القرار بعيدًا عن ساحات النار.

الأطفال يفقدون مستقبلهم، والمدن تتحول إلى أنقاض، والاقتصادات تنهار، والشعوب تدخل سنوات طويلة من الفقر والخوف وعدم الاستقرار.

في عالم أنهكته الحروب، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا هو: من يملك أقوى سلاح؟ بل أصبح السؤال الأخطر: من يستطيع إيقاف لحظة الجنون قبل أن تتحول إلى كارثة لا يمكن السيطرة عليها؟ فالحروب لا تبدأ دائمًا بقرارات ضخمة ، بل كثيرًا ما تبدأ بخطوات صغيرة، بتصعيد محسوب، بتصريحات غاضبة، أو بضربة يعتقد أصحابها أنها ستكون محدودة، ثم تفتح أبوابًا لا يستطيع أحد إغلاقها.

الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي تحمل فوق أرضها تاريخًا من الصراعات والأطماع والحسابات المعقدة، يقف مرة أخرى أمام اختبار صعب.

فكل مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا تبقى مجرد خلاف بين دولتين، وإنما تتحول سريعًا إلى أزمة إقليمية تتشابك فيها مصالح عشرات الأطراف، وتصبح الشعوب هي الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر، بينما يجلس أصحاب القرار في غرف مغلقة يرسمون خرائط القوة والنفوذ.

عودة لغة الحرب بين واشنطن وطهران ليست مجرد تطور عابر في مشهد سياسي مزدحم، بل هي انعكاس لصراع طويل لم يُحسم منذ عقود.

صراع تتداخل فيه ملفات البرنامج النووي الإيراني، والنفوذ الإقليمي، وأمن الحلفاء، وطرق التجارة والطاقة، وصراع النفوذ بين القوى الكبرى.

وبين كل هذه الملفات تضيع أحيانًا الحقيقة الأساسية: أن أي حرب واسعة لن تكون لها حدود واضحة، وأن النار التي يشعلها طرف قد تصل إلى الجميع.

من وجهة نظر الكثيرين، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينظر إلى القوة العسكرية باعتبارها أداة ضغط أساسية لإجبار الخصوم على تقديم تنازلات، وهي رؤية اعتمد عليها خلال فترات سابقة من سياسته الخارجية، حين مزج بين العقوبات الاقتصادية والضغط السياسي والتهديد باستخدام القوة.

أما إيران، فمن جانبها، ترى أن التراجع أمام الضغوط الأمريكية قد يمثل تهديدًا لمكانتها ونفوذها، ولذلك تعتمد سياسة المقاومة والردع وإظهار قدرتها على المواجهة.

لكن المشكلة الكبرى أن هذا النوع من الصراعات لا يبقى داخل حدود الحسابات السياسية.

فحين تبدأ الصواريخ  التحرك، وحين تدخل القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية والممرات البحرية في دائرة الخطر، كما هو حادث الآن، يصبح احتمال الخطأ وسوء التقدير أكبر من أي وقت مضى.

التاريخ مليء بأمثلة على حروب بدأت لأسباب يعتقد أصحابها أنها قابلة للسيطرة، ثم تحولت إلى أزمات طويلة.

فالحرب ليست مجرد قرار سياسي، وإنما سلسلة من ردود الأفعال، وكل طرف فيها يحاول رفع سقف الضغط على الآخر، حتى يصل الجميع إلى نقطة يصعب فيها التراجع دون خسائر سياسية.

الخطر الحقيقي اليوم ليس فقط في اندلاع مواجهة مباشرة شاملة، مرة أخرى، بين الولايات المتحدة وإيران، بل في امتداد آثارها إلى المنطقة بأكملها.

فإيران لا تتحرك فقط من خلال قدراتها العسكرية التقليدية، وإنما لديها شبكة واسعة من الحلفاء والقوى المرتبطة بها في مناطق مختلفة، بينما تمتلك الولايات المتحدة حضورًا عسكريًا كبيرًا وتحالفات إقليمية واسعة.

وأي اشتباك واسع قد يفتح جبهات متعددة ويخلق حالة من عدم الاستقرار يصعب احتواؤها.

وفي قلب هذه الأزمة تقف شعوب المنطقة التي لم تعد تحتمل المزيد من الحروب.

فالمواطن العربي الذي عانى من تداعيات صراعات سابقة لا يريد سماع لغة القصف والدمار مرة أخرى. يريد اقتصادًا مستقرًا، وفرص عمل، ومستقبلًا أكثر أمنًا لأبنائه.

يريد أن تتحول موارد المنطقة من تمويل الصراعات إلى بناء المدارس والمستشفيات والمشروعات.

المشكلة أن بعض القوى السياسية حول العالم لا تزال ترى الحرب وسيلة لتحقيق النفوذ، رغم أن التجارب أثبتت أن الانتصارات العسكرية لا تصنع دائمًا استقرارًا سياسيًا.

قد تنجح دولة في تدمير منشأة أو إضعاف خصم لفترة، لكنها لا تستطيع بسهولة التحكم في النتائج التي تأتي بعد ذلك.

فالشرق الأوسط ليس ساحة فارغة يمكن إعادة تشكيلها بقرار عسكري.

هذه منطقة معقدة، لها تاريخ طويل، وشعوبها لديها حساباتها وهوياتها ومصالحها.

وأي تدخل عسكري واسع قد ينتج أزمات جديدة بدلًا من حل الأزمة الأصلية.

ومن هنا تأتي أهمية السؤال: لماذا يعود شبح الحرب مرة أخرى؟ الإجابة ليست سببًا واحدًا، بل مجموعة من العوامل.

هناك صراع على النفوذ، وهناك خلافات أمنية عميقة، وهناك مصالح اقتصادية مرتبطة بالطاقة والممرات البحرية، وهناك أيضًا حسابات داخلية لدى بعض الأطراف التي قد ترى في التصعيد وسيلة لتعزيز موقفها السياسي.

لكن وسط كل هذه الحسابات، يجب ألا ينسى العالم أن السلام ليس استسلامًا، وأن التفاوض ليس ضعفًا.

الدول الكبرى التي تمتلك القوة العسكرية الأكبر هي الأكثر مسؤولية عن منع الكوارث، لأن امتلاك القدرة على الحرب لا يعني بالضرورة استخدامها.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الصراع إلى معركة كرامة بين الأطراف، بحيث يصبح التراجع صعبًا سياسيًا.

ففي كثير من الأحيان لا تكون المشكلة في غياب الحلول، بل في أن كل طرف يخشى أن يبدو ضعيفًا إذا قبل بالتسوية.

هنا يظهر دور القوى الإقليمية التي لا تبحث عن صراع جديد، وفي مقدمتها الدول التي تدرك أن أمن المنطقة لا يتحقق بالمواجهة، وإنما بالحفاظ على التوازن ومنع الانفجار.

فاستقرار الشرق الأوسط ليس قضية تخص دولة واحدة، بل هو ضرورة عالمية، لأن المنطقة ترتبط بالطاقة والتجارة الدولية وحركة الاقتصاد العالمي.

ومصر، بحكم موقعها وثقلها السياسي والتاريخي، لطالما كانت من الدول التي تدعو إلى التهدئة والحلول السياسية، لأنها تدرك أن أي اضطراب واسع في المنطقة ستكون له انعكاسات مباشرة على الجميع.

فالقاهرة تنظر إلى الأمن الإقليمي باعتباره منظومة متكاملة، وأن انهيار الاستقرار في أي منطقة مجاورة يترك أثره على الجميع.

لكن المسؤولية لا تقع على طرف واحد فقط.

فكل الأطراف مطالبة بإدراك أن استمرار التصعيد قد يقود إلى نتائج لا يريدها أحد.

الولايات المتحدة وإيران، مهما اختلفت حساباتهما، تعرفان أن الحرب المفتوحة ستكون مكلفة للغاية.

والمنطقة بأكملها تعرف أن ثمن الفوضى سيكون باهظًا.

إن الشعوب ليست بحاجة إلى مزيد من الخطب التي تمجد القوة، بل إلى قرارات تحمي حياتها ومستقبلها.

التاريخ لا يذكر فقط القادة الذين خاضوا الحروب، بل يذكر أيضًا من امتلكوا الشجاعة لإيقافها قبل أن تتحول إلى مآسٍ.

العالم اليوم أمام اختبار حقيقي: هل ينتصر صوت العقل أم ينتصر منطق التصعيد؟ هل تكون السياسة قادرة على احتواء الخلافات أم تترك المجال للمدافع والصواريخ؟ الإجابة ستحدد شكل المنطقة لسنوات طويلة.

فالحروب تبدأ غالبًا بشعارات كبيرة، لكنها تنتهي دائمًا بمعاناة الناس العاديين.

الذين يدفعون الثمن ليسوا أصحاب القرارات، بل الأسر التي تفقد أبناءها، والعمال الذين يفقدون وظائفهم، والشعوب التي تنتظر سنوات حتى تعود الحياة إلى طبيعتها.

لهذا فإن الرسالة يجب أن تكون واضحة: أوقفوا طريق النار قبل أن تصل ألسنتها إلى الجميع.

فحين تشتعل المنطقة لن يكون هناك منتصر حقيقي، لأن خسارة السلام هي خسارة للجميع.

القوة الحقيقية ليست في القدرة على إشعال الحرب، بل في القدرة على منعها.

والزعيم الذي يحمي شعبه من الكارثة أعظم من الذي يجره إليها.

فالعالم لا يحتاج إلى حرب جديدة، بل يحتاج إلى لحظة حكمة تعيد السياسة إلى مكانها الطبيعي، قبل أن يدفع الأبرياء مرة أخرى ثمن صراعات لم يختاروها.

الصفحة الثانية من العدد رقم 471 الصادر بتاريخ 16 يوليو 2026
تم نسخ الرابط