«صقر وكناريا».. كوميديا تنتصر للمتعة

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- الفيلم يراهن على الضحك الذكي دون أن يتخلى عن الإيقاع السريع

- محمد إمام يقدم أحد أفضل أدواره ويخرج من المنطقة الآمنة.. ويؤكد مكانته كنجم سينما

- شيكو يمنح الفيلم جرعة مضاعفة من الكوميديا ويصنع أجمل المفارقات

- يارا السكري.. حضور يخطف الانتباه وموهبة بالفطرة تبشر بميلاد نجمة جديدة

- الفيلم يثبت أن الكوميديا الحقيقية ما زالت قادرة على كسب قلوب الجمهور

هناك أفلام تخرج من قاعة السينما وأنت تنساها بمجرد أن تغلق باب دار العرض، وهناك أفلام أخرى تظل ترافقك لساعات طويلة لأنها نجحت ببساطة في أن تمنحك ما ذهبت من أجله، المتعة.. هذا تماما ما شعرت به بعد مشاهدة فيلم «صقر وكناريا» المعروض حاليا بدور العرض.

دخلت الفيلم وأنا أتوقع جرعة من الكوميديا المعتادة، لكنني خرجت وأنا أشعر أنني شاهدت عملا يعرف جيدا ماذا يريد من جمهوره، فيلم لا يدعي أنه يحمل رسائل فلسفية معقدة، ولا يحاول إقناعك بأنه يعيد اختراع السينما، لكنه ينجح في المهمة الأصعب.. أن يجعلك تضحك وتندمج وتتابع الأحداث حتي المشهد الأخير دون أن تشعر بالملل، هذا النوع من الأفلام أصبح نادرا في هذه الأيام، أفلام تعتمد على الإيقاع السريع، والمواقف الطريفة، والكيمياء بين الأبطال، مع قدر مناسب من الأكشن والمطاردات التي تزيد من التشويق دون أن تبتلع الكوميديا.

ومنذ الدقائق الأولى، ينجح الفيلم في تعريفنا بشخصية شاهين أو صقر، الرجل الذي عاش سنوات داخل عالم العصابات والعمليات الخطيرة، قبل أن يقرر فجأة أن يغلق هذا الملف نهائيا ويبدأ حياة جديدة بعيدا عن الدم والسلاح والمطاردات.

قرار يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه في الحقيقة يفتح الباب أمام سلسلة طويلة من المفارقات التي تشكل العمود الفقري للفيلم، الفكرة نفسها ليست جديدة بالكامل، لكن الجديد هو طريقة تقديمها، السيناريو لا يتعامل مع شخصية صقر باعتبارها بطلا خارقا لا يخطئ، بل إنسانا يريد أن يعيش حياة طبيعية، إلا أن ماضيه يرفض أن يتركه.

ومن هنا تبدأ المغامرة الحقيقية.

انتقال صقر إلى المجمع السكني الهادئ، ولقاؤه بجاره بلال، الذي يجسد شخصيته شيكو، يمثل نقطة التحول الأهم في الأحداث. هنا يبدأ الفيلم كشف أوراقه الحقيقية، ويصبح الضحك جزءا أصيلا من الحكاية وليس مجرد فواصل كوميدية.

شيكو يقدم شخصية مختلفة ومحببة للغاية. كاتب محدود الموهبة، يعيش داخل عالم من الخيال، ويحلم أن يكون بطلا لروايات الجاسوسية التي يكتبها.

شخصية ممدوح كناريا التي يبتكرها في رواياته تصبح بالنسبة إليه أكثر واقعية من حياته الحقيقية، لذلك عندما يجد نفسه فجأة وسط مطاردات وعملاء دوليين وملفات سرية، يشعر وكأن الحياة قررت أخيرا أن تمنحه البطولة التي كان يحلم بها.

الثنائي محمد إمام وشيكو يصنع حالة خاصة على الشاشة.

الكيمياء بينهما واضحة، والحوار بينهما يبدو عفويا، والمواقف الكوميدية تنطلق من اختلاف الشخصيتين أكثر مما تعتمد على الإفيهات الجاهزة، وهي نقطة تحسب لصناع الفيلم.

أما محمد إمام، فأعتقد بكل صراحة أنه يقدم هنا أحد أفضل أدواره السينمائية خلال السنوات الأخيرة.

ليس لأنه تخلى عن الأكشن، وإنما لأنه عرف كيف يوازن بين الأكشن والكوميديا والجانب الإنساني في الشخصية، وللحق فإن محمد إمام يمتلك حضورا سينمائيا لا يمكن إنكاره.

يعرف كيف يقف أمام الكاميرا، وكيف يتحكم في إيقاع الشخصية، وكيف يمنح كل مشهد طاقته المطلوبة دون مبالغة. والأهم أنه بدأ يبتعد تدريجيا عن تكرار نفسه، وهي خطوة تحسب له كممثل يبحث عن التطور وليس عن المنطقة المضمونة.

من السهل أن يظل أي نجم أسيرا للشخصية التي حققت له النجاح، لكن الأصعب هو أن يغامر ويقدم وجها مختلفا، وهذا ما فعله محمد إمام في «صقر وكناريا».

صحيح أن الأكشن حاضر بقوة، لكنه ليس البطل الوحيد، فهناك مساحة كبيرة للكوميديا وللمواقف الإنسانية وللتعبير الهادئ عن المشاعر.

ولهذا أرى أن محمد إمام يثبت مرة جديدة أنه نجم سينما بالمعنى الحقيقي للكلمة.

ليس فقط لأنه يحقق حضورا جماهيريا، وإنما لأنه يعرف طبيعة الشاشة الكبيرة، ويجيد مخاطبة جمهورها، ويختار أعمالا تناسب شخصيته الفنية، فنجومية السينما ليست مجرد اسم على الأفيش، لكنها قدرة على جذب الجمهور إلى القاعة، ثم الاحتفاظ بانتباهه حتى النهاية.

وهذه معادلة ليست سهلة، لكن محمد إمام أصبح يجيدها باحتراف واضح.

ولا يمكن الحديث عن الفيلم دون التوقف أمام يارا السكري، التي تقدم شخصية فرح، مصممة الأزياء التي تجمعها قصة حب مع شاهين، والحقيقة أن يارا السكري كانت من أكبر مفاجآت الفيلم بالنسبة لي، فالدخول إلى السينما من بوابة البطولة ليس أمرا سهلا، لأن الشاشة الكبيرة لا ترحم، الكاميرا تكشف كل شيء، والجمهور أكثر صعوبة في الحكم، لكن يارا استطاعت أن تثبت منذ ظهورها الأول أنها تمتلك حضورا طبيعيا وشخصية محببة أمام الكاميرا.

بعيدا عن الشكل، وهو عنصر مهم بطبيعة الحال في السينما، فإن ما لفت انتباهي هو العفوية في الأداء، لم أشعر أنها تمثل، ولم تبد وكأنها تحاول إثبات شيء بالقوة، كانت تتحرك أمام الكاميرا بثقة وهدوء، وهو ما جعل شخصية فرح تبدو قريبة من المشاهد، هذه البساطة هي أصعب أنواع الأداء.

أن تبدو طبيعيا دون تكلف، وأن تعبر عن المشاعر دون صخب، وأن تنجح في بناء علاقة مقنعة مع البطل.

وأعتقد أن يارا السكري تمتلك موهبة بالفطرة، وإذا أحسنت اختيار خطواتها المقبلة، واستمرت في تطوير أدواتها، فإنها تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتصبح واحدة من أهم نجمات جيلها.

قصة الحب التي تجمعها بمحمد إمام جاءت خفيفة ولطيفة، ولم تتحول إلى عبء على الأحداث، بل أضافت قدرا من الدفء الإنساني داخل عالم يمتلئ بالمطاردات والمخاطر، الفيلم أيضا يحسب له أنه لم يجعل الأكشن يبتلع الكوميديا، ولم يسمح للكوميديا بأن تفسد التشويق.

هناك توازن واضح بين كل العناصر، وهو ما جعل الإيقاع سريعا طوال الوقت.

ومن النقاط التي أعجبتني كذلك أن الضحك في الفيلم لم يعتمد فقط على الحوار، وإنما خرج من المواقف نفسها

كلما تعقدت الأحداث، ازدادت المفارقات طرافة، خاصة مع وجود فلاشة سرية تحمل أسماء عملاء دوليين، لتصبح محور الصراع بين جميع الشخصيات، هذه الفكرة فتحت الباب أمام سلسلة ممتعة من المطاردات وسوء الفهم والمواقف غير المتوقعة، وهو ما حافظ على حيوية الأحداث حتى النهاية، كما أن الفيلم لا يرهق المشاهد بالتفاصيل، ولا يغرق في الشرح، بل يترك الأحداث تتحرك بطبيعتها، وهو أمر يحسب لصناع العمل.

وفي تقديري، فإن «صقر وكناريا» يمثل نموذجا لما يجب أن تكون عليه أفلام الكوميديا التجارية الناجحة. فيلم يعرف جمهوره، ويحترم وقته، ويقدم له ساعتين من الترفيه الحقيقي دون ادعاء أو استعراض.

السينما ليست فقط مساحة للتجريب، لكنها أيضا مساحة للمتعة.

والجمهور من حقه أن يجد أفلاما تجعله يضحك ويخرج من القاعة وهو يشعر بالخفة والسعادة، هذا الفيلم نجح في تحقيق هذه المعادلة، ولذلك أتصور أنه سيحظى بإقبال جماهيري واسع، خاصة مع حالة الانسجام بين أبطاله، والإيقاع السريع، والروح الكوميدية التي تسيطر على معظم مشاهده.

أستطيع أن أقول إن «صقر وكناريا» ليس مجرد فيلم كوميدي آخر يمر في موسم الصيف، بل تجربة ممتعة تؤكد أن الكوميديا عندما تكتب جيدا وتقدم بإخلاص تستطيع أن تحقق النجاح دون صخب، ويؤكد الفيلم أيضا أن محمد إمام أصبح أحد أهم نجوم شباك التذاكر في السينما المصرية، وأنه يمتلك من الخبرة والحضور ما يجعله قادرا على قيادة أعمال جماهيرية بثقة كبيرة، بينما تعلن يارا السكري عن نفسها بأفضل طريقة ممكنة، مؤكدة أنها ليست مجرد وجه جديد، بل فنانة موهوبة بالفطرة تستحق المتابعة والرهان في السنوات المقبلة.

وللحق فقد خرجت من قاعة السينما وأنا أحمل ابتسامة حقيقية، وهذا في حد ذاته نجاح لا يمكن التقليل من قيمته.

فالسينما التي تجعلك تنسى همومك لساعتين، وتمنحك الضحك والمتعة، هي سينما تعرف جيدا كيف تصل إلى القلب، و«صقر وكناريا» واحد من هذه الأفلام التي تذكرك بأن الكوميديا الجميلة ما زالت قادرة على صناعة الفارق، وأن الشاشة الكبيرة ستظل دائما المكان الأمثل للحكايات التي تجمع بين الضحكة والمغامرة والإنسان.

الصفحة السابعة من العدد رقم 471 الصادر بتاريخ 16 يوليو 2026
تم نسخ الرابط