العباس السكرى يكتب: د. سعاد كفافي.. سيرة لا يطويها الزمن

الراحلة الدكتورة
الراحلة الدكتورة سعاد كفافى

- 22 عاما على الرحيل.. و«قاهرة المستحيل» لا تزال حاضرة في وجدان الوطن

- جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.. الشاهد الأكبر على أن الأفكار العظيمة لا تموت

- قاهرة المستحيل.. حين انتصرت الرؤية على الصعاب

- خالد الطوخي.. امتداد لرؤية «قاهرة المستحيل» وقائد لمسيرة الجامعة نحو العالمية

تمر الأعوام، وتتبدل الأجيال، لكن هناك أسماء لا يطويها الزمن، لأنها لم تعش لأنفسها، بل عاشت لتصنع مستقبلا لوطن بأكمله، ومن بين تلك القامات الاستثنائية تظل الدكتورة سعاد كفافي نموذجا نادرا لامرأة آمنت بأن التعليم هو الاستثمار الحقيقي، وأن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، فاستحقت عن جدارة أن يظل اسمها مقترنا بلقب «قاهرة المستحيل».

الراحلة الدكتورة سعاد كفافى

واليوم، في الذكرى الثانية والعشرين لرحيلها، لا نستدعي سيرة شخصية رحلت، وإنما نستحضر مشروعا وطنيا لا يزال نابضا بالحياة، وآثارا ممتدة في عقول مئات الآلاف من الطلاب والخريجين الذين حملوا رسالتها إلى مختلف ميادين العمل داخل مصر وخارجها.

الراحلة الدكتورة سعاد كفافى

فالإنسان يرحل، لكن الأفكار العظيمة لا تموت، والمؤسسات التي تقوم على رؤية حقيقية تصبح شاهدا دائما على أصحابها.

ولم تكن الدكتورة سعاد كفافي تنظر إلى التعليم باعتباره نشاطا استثماريا أو مؤسسة تمنح الشهادات، وإنما كانت تؤمن بأنه رسالة حضارية، وأن الجامعة يجب أن تكون منارة للعلم والثقافة والإبداع وخدمة المجتمع في آن واحد.

ومن هذا الإيمان انطلقت لتؤسس نموذجا غير مسبوق في التعليم الجامعي الخاص، في وقت كانت فيه الفكرة نفسها تواجه كثيرا من التشكيك والتحديات.

جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا

كانت تمتلك رؤية سبقت زمنها، أدركت مبكرا أن العالم يتغير بسرعة، وأن مصر تحتاج إلى جامعات حديثة تعتمد على التكنولوجيا والمعرفة والبحث العلمي، وتفتح أبوابها أمام أحدث المناهج والتجارب العالمية، دون أن تفقد هويتها الوطنية.

لذلك لم يكن تأسيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا عام 1996 مجرد افتتاح جامعة جديدة، بل كان ميلاد مشروع تنويري متكامل، هدفه إعداد أجيال قادرة على المنافسة والإبداع وصناعة المستقبل.

ولأنها كانت تؤمن بأن الجامعة ليست قاعات للمحاضرات فقط، جاءت رؤيتها شاملة. فإلى جانب الكليات العلمية والطبية والهندسية والإنسانية، حرصت على إنشاء مستشفى جامعي يقدم خدماته للمواطنين، ومكتبة مركزية تضم أمهات الكتب، وأوبرا ومسرحا يحتضنان الإبداع، لتؤكد أن بناء العقل لا ينفصل عن بناء الوجدان، وأن الثقافة والفنون شريك أساسي في صناعة الإنسان.

خالد الطوخى رئيس مجلس الأمناء

كما سبقت الجميع في الإيمان بأهمية التكامل بين التعليم وخدمة المجتمع، فكانت القوافل الطبية، والمبادرات الصحية، والأنشطة المجتمعية امتدادا طبيعيا لفلسفتها، التي رأت أن الجامعة الحقيقية لا تنغلق على نفسها، وإنما تنزل إلى الناس، وتشاركهم همومهم، وتسهم في تحسين جودة حياتهم.

ولم يقتصر عطاؤها على الجامعة، فقد أسست أيضا المعهد العالي للسياحة والفنادق، والمعهد العالي للهندسة المعمارية وإدارة الأعمال بمدينة السادس من أكتوبر، لتؤكد أن مشروعها لم يكن محدودا بمؤسسة واحدة، وإنما كان مشروعا متكاملا لتطوير التعليم العالي وإعداد الكفاءات التي تحتاجها الدولة المصرية.

وقد جمعت الدكتورة سعاد كفافي بين الفكر والإدارة، وبين الحلم والقدرة على التنفيذ. فلم تكن صاحبة رؤية فقط، بل كانت أيضا صاحبة إرادة استطاعت أن تتجاوز بها كل الصعوبات التي صاحبت البدايات، حتى تحولت الأحلام إلى مؤسسات راسخة، وأصبح اسمها علامة مضيئة في تاريخ التعليم المصري.

وربما كانت أعظم إنجازاتها أنها لم تؤسس مؤسسة تعتمد على شخصها، بل أرست فكرا قادرا على الاستمرار. وبعد رحيلها، حمل الراية نجلها الأستاذ خالد الطوخي، رئيس مجلس أمناء جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، ليواصل تطوير المشروع الذي بدأته والدته، ويقود الجامعة إلى مرحلة جديدة من التحديث والانفتاح العالمي.

وخلال السنوات الماضية شهدت الجامعة طفرة كبيرة على مختلف المستويات، سواء في التوسع الأكاديمي، أو تطوير البنية التكنولوجية، أو تعزيز الشراكات الدولية، أو الارتقاء بالتصنيفات العالمية، لتصبح واحدة من أبرز الجامعات الخاصة في المنطقة، وتواصل ترسيخ مكانتها كمؤسسة تعليمية وبحثية وثقافية متكاملة.

كما توسعت الجامعة في دعم الابتكار والإبداع، وتعزيز دور أوبرا جامعة مصر باعتبارها منارة ثقافية وفنية، إلى جانب الاهتمام بالمواهب في الموسيقى والباليه والفنون المختلفة، إيمانا بأن الطالب المتكامل هو الذي يجمع بين العلم والثقافة والوعي.

ولم تتوقف مسيرة التطوير عند هذا الحد، بل أصبحت الجامعة من أوائل الجامعات المصرية الخاصة التي عززت تعاونها مع الجامعات الأوروبية في برامج التبادل الطلابي والبحث العلمي، بما يفتح أمام طلابها آفاقا أوسع للاحتكاك بالتجارب الدولية واكتساب الخبرات الحديثة.

وفي كل إنجاز جديد تحققه جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، يبدو واضحا أن البذرة التي غرستها الدكتورة سعاد كفافي قبل عقود لا تزال تؤتي ثمارها، وأن المشروع الذي بدأته لم يكن مرتبطا بزمن أو جيل، بل كان مشروعا للمستقبل.

لهذا، فإن الحديث عن الدكتورة سعاد كفافي في ذكرى رحيلها لا ينبغي أن يكون حديثا عن الماضي، بل عن الحاضر والمستقبل أيضا، فهي واحدة من الشخصيات التي استطاعت أن تحول الفكرة إلى مؤسسة، والحلم إلى واقع، والطموح إلى إنجازات يراها الجميع.

لقد آمنت بأن نهضة الأمم تبدأ من الجامعة، وأن بناء الإنسان هو الطريق الأقصر لبناء الوطن، فتركت وراءها إرثا علميا وإنسانيا سيظل شاهدا على أن أصحاب الرسالات الحقيقية لا يرحلون، لأن ما يزرعونه في العقول والقلوب يبقى أكثر بقاء من أعمارهم.

وربما لهذا السبب، وبعد اثنين وعشرين عاما على رحيلها، لا يزال اسم الدكتورة سعاد كفافي حاضرا بكل قوة، ليس لأنها أسست جامعة رائدة فحسب، بل لأنها أسست فكرة، وصنعت نموذجا، وأثبتت أن الإرادة الواعية قادرة دائما على قهر المستحيل، وأن أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو أثره في حياة الناس، وهو الأثر الذي لا تزال قاهرة المستحيل تكتبه كل يوم عبر صرحها الكبير جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا.

ويبقى أن العظماء لا يقاسون بعدد السنوات التي عاشوها، وإنما بحجم الأثر الذي يتركونه في حياة الناس. وبعد اثنين وعشرين عاما على رحيل الدكتورة سعاد كفافي، لا يزال اسمها حاضرا في كل طالب يتلقى علما، وفي كل طبيب أو مهندس أو إعلامي أو باحث تخرج في الصرح الذي شيدته بإيمان وعزيمة، وفي كل إنجاز تحققه جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا على المستويات الأكاديمية والبحثية والإنسانية.

لقد رحلت «قاهرة المستحيل» عن عالمنا، لكنها تركت ما هو أبقى من العمر وأعظم من الذكرى، تركت رسالة، ورسخت فكرا، وأقامت صرحا لا يزال يخرج أجيالا تحمل مشعل العلم والمعرفة. وهكذا يظل الكبار أحياء بأعمالهم، وتبقى الأوطان مدينة لمن جعلوا من العلم طريقا للنهضة، ومن الإنسان غاية لكل مشروع. وستظل سعاد كفافي، مهما تعاقبت السنوات، واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ التعليم المصري، لأن من يزرع المعرفة في العقول لا يرحل أبدا، بل يبقى حاضرا في كل نجاح يصنعه تلاميذه، وفي كل حلم يتحول إلى واقع.

تم نسخ الرابط