جيل «Gen Z» يقلب معادلات السينما المصرية ويعيد تشكيل خريطة النجومية

الكاتب والإعلامى
الكاتب والإعلامى محمد فودة - صورة أرشيفية

- من «الحريفة» إلى «محمود التاني».. شباك التذاكر يفرض قواعد جديدة للنجاح ويختبر قدرة النجم التقليدي على الصمود

- زمن النجم الأوحد يتراجع.. والسينما لم تعد قادرة على تجاهل ذوق الجيل الجديد

- الشباب يفرضون كلمتهم على شباك التذاكر.. والمنتجون أمام خريطة جديدة للنجومية

- «محمود التاني» يكشف اتساع المسافة بين السينما والجمهور.. والجيل الجديد يريد إيقاعا أسرع ولغة أقرب إلى حياته

لا أعتقد أن السينما المصرية تتغير فقط عندما تظهر أفلام جديدة أو وجوه جديدة على الشاشة، فالتغيير الحقيقي يبدأ في مكان آخر، يبدأ عندما يتغير الجمهور نفسه، وعندما تتبدل طريقته في النظر إلى البطل والحكاية والكوميديا، وعندما يصبح ما كان يضمن نجاح الفيلم قبل سنوات غير كافٍ وحده لجذب المشاهد إلى دار العرض، وهذا تحديدا ما أراه يحدث أمامنا خلال الفترة الأخيرة، بهدوء في البداية، ثم بوضوح أكبر مع كل تجربة جديدة تثبت أن الذائقة الجماهيرية أصبحت صاحبة الكلمة الأقوى.

ولسنوات طويلة كانت معادلة السينما المصرية تبدو أكثر وضوحا، اسم كبير على الأفيش، حكاية مصنوعة حول نجوميته، وجرعة من الكوميديا أو الأكشن أو الرومانسية تكفي لبناء موسم ناجح، لكن هذه المعادلة لم تعد مضمونة كما كانت، فالجمهور تغير، والجيل الجديد لم يعد يمنح النجم شيكا على بياض، بل يريد أن يرى نفسه على الشاشة، يريد شخصيات قريبة منه، ولغة يفهمها، ومواقف تشبه حياته، والأهم أنه يريد أن يشعر بأن الفيلم يخاطبه هو وليس جمهورا افتراضيا من زمن آخر.

ولعل صعود أفلام مثل «الحريفة» كان واحدا من أوضح المؤشرات على هذا التحول، فالفيلم لم يأت إلى الجمهور محملا بأسماء النجوم التقليديين، لكنه استطاع أن يصنع حالة خاصة مع الشباب، لأن الحكاية والشخصيات واللغة بدت أقرب إلى عالمهم، ومنحت وجوها جديدة فرصة لم تكن سهلة في الماضي، ثم جاءت التجربة لتقول لصناعة السينما إن الجمهور مستعد بالفعل لأن يمنح ثقته لأسماء جديدة، بشرط أن يجد نفسه فيما يراه على الشاشة.

وهنا لا يمكن تجاهل ظاهرة كزبرة، ليس باعتباره اسما صاعدا في السينما فقط، وإنما باعتباره نموذجا لتحول أكبر في صناعة النجومية، فالرجل لم يبدأ من بوابة السينما التقليدية، بل صنع حضورا جماهيريا واسعا عبر الموسيقى والسوشيال ميديا، ثم انتقل إلى الشاشة الكبيرة، وهذه الرحلة وحدها تكشف كيف تغير الطريق إلى الجمهور، وكيف أصبحت المنصات الرقمية قادرة على صناعة شعبية يمكن اختبارها لاحقا داخل دور العرض.

لكنني لا أرى أن المسألة تتعلق بالسوشيال ميديا وحدها، لأن الشهرة الرقمية مهما اتسعت لا تستطيع بمفردها أن تصنع فيلما ناجحا، وإنما تكمن أهميتها في أنها غيرت نقطة البداية، أصبح هناك نجوم يصلون إلى السينما وهم يحملون بالفعل علاقة مع جمهورهم، ويعرفون لغته، ويعرف الجمهور تفاصيل حضورهم قبل أن يراهم في فيلم كامل، وهذه ميزة لم تكن متاحة بهذا الشكل للأجيال السابقة، الأمر نفسه يمكن قراءته في تجربة أحمد غزي، الذي ارتبط اسمه بجيل جديد من الممثلين الذين وجدوا طريقهم إلى البطولة من خلال أعمال تخاطب الشباب، وهنا يصبح اجتماع كزبرة وأحمد غزي في «محمود التاني» أكثر دلالة من مجرد اختيار اثنين من الوجوه الشابة، لأن الفيلم يأتي في لحظة أصبحت فيها صناعة السينما أكثر استعدادا لاختبار أسماء لم تكن قبل سنوات قليلة مرشحة بالضرورة لحمل فيلم جماهيري.

ومن هنا أصل إلى «محمود التاني» الذي يعرض حاليا في دور السينما، فالفيلم في ظاهره ينتمي إلى الكوميديا الاجتماعية، ويستند إلى تيمة قديمة عرفتها السينما كثيرا، شاب ثري وعامل بسيط يجد كل منهما نفسه في حياة الآخر، ومن هذه المفارقة تنشأ المواقف الكوميدية، لكن التعامل مع الفيلم بهذه الصورة وحدها يفوّت علينا جزءا مهما من دلالته، لأن قيمة التجربة في رأيي لا تتوقف عند الحكاية، وإنما تمتد إلى الجمهور الذي صنعت من أجله والطريقة التي اختارت أن تتحدث بها إليه، ولعل تيمة الغني والفقير ليست جديدة، وتبديل المواقع بين شخصين ينتميان إلى عالمين مختلفين ليس اكتشافا سينمائيا، لكن الجمهور الذي يشاهد هذه الفكرة اليوم ليس هو الجمهور الذي شاهد عشرات النماذج السابقة، ولذلك فإن طريقة تقديم الحكاية أصبحت جزءا أساسيا من نجاحها، الإيقاع أسرع، الانتقالات أكثر حيوية، واللغة أقرب إلى ما يسمعه الشباب يوميا، وهناك ميل واضح إلى عدم إطالة الموقف أكثر مما يحتمل، وهي كلها عناصر تتقاطع مع الذائقة التي صنعتها المنصات الرقمية والمحتوى القصير.

وهنا أعتقد أن السينما أمام تحدٍ حقيقي، كيف تستفيد من سرعة العصر دون أن تفقد روحها؟ وكيف تخاطب جيلا اعتاد على الريلز والمقاطع القصيرة  دون أن تتحول أفلامها إلى نسخ طويلة من هذا المحتوى؟ المسألة ليست سهلة، لأن السينما لها بناء مختلف وشخصيات تحتاج إلى مساحة وحكاية تحتاج إلى وقت، لكن تجاهل إيقاع الجمهور الجديد لم يعد ممكنا أيضا، ومن يذهب إلى دار العرض اليوم يحمل معه كل ما اعتاد عليه خارجها.

ولعل ما يعجبني في هذه المرحلة أن الجمهور بدأ يستعيد جزءا من سلطته القديمة ولكن بأدوات جديدة، لم يعد المنتج وحده من يقرر من هو النجم، ولم تعد شركات الإنتاج قادرة على افتراض أن الاسم المعروف سيضمن الإيرادات، ولم تعد الشهرة التقليدية كافية لإقناع جيل كامل بشراء تذكرة، الجمهور أصبح أكثر صراحة في اختياراته، وأكثر سرعة في الحكم، وأكثر قدرة على صناعة موجة حول فيلم أو وجه جديد، ثم تحويل هذه الموجة إلى أرقام حقيقية أمام شباك التذاكر.

وهذا يجعلني أعتقد أن الحديث عن «محمود التاني» يجب ألا ينحصر في تقييم الفيلم كعمل كوميدي فقط، وإنما في قراءة موقعه داخل هذا التحول، فالفيلم يجمع أسماء تنتمي إلى موجة جديدة من النجوم، ويخاطب جمهورا أصبح أكثر حضورا وتأثيرا في السوق، ويقدم حكاية بسيطة يمكن الوصول إليها بسرعة، وفي الوقت نفسه يستفيد من شعبية أبطال ارتبطوا بالفعل بجمهور شاب خارج القنوات التقليدية للنجومية، لكن هل يستطيع فيلم واحد أن يغير قواعد السينما المصرية؟ في رأيي لا، وهذه نقطة مهمة حتى لا نمنح أي تجربة أكثر مما تحتمل، القواعد لا تتغير بفيلم واحد، وإنما بمجموعة أفلام تنجح في الاتجاه نفسه، وبمنتجين يقررون الاستثمار في وجوه جديدة، وبجمهور يثبت أن اختياراته ليست نزوة مؤقتة، وبنجوم جدد يثبتون أن النجاح الأول لم يكن صدفة، ومع ذلك، فإن عدم قدرة فيلم واحد على تغيير القواعد لا يعني أنه بلا دلالة، فبعض الأفلام لا تصنع التحول وإنما تكشفه، و«محمود التاني» في رأيي من هذه النوعية، فهو يأتي في وقت أصبح فيه حضور جيل جديد من النجوم حقيقة يصعب تجاهلها، وأصبح فيه جمهور الشباب قوة مؤثرة في شباك التذاكر، وأصبح السؤال داخل شركات الإنتاج ليس فقط من هو النجم الذي نعرفه، وإنما من هو الاسم الذي يعرفه الجمهور الجديد ويشعر أنه يمثله؟

وربما يكون هذا هو التحول الأهم في السينما المصرية الآن، انتقال مركز الثقل من النجم إلى العلاقة بين النجم والجمهور، لم يعد كافيا أن يكون الممثل مشهورا، بل يجب أن يكون قريبا، ولم تعد البطولة وحدها ضمانة للنجاح، بل أصبحت القدرة على التواصل مع الجمهور جزءا من صناعة النجم نفسها، وهذا يفسر لماذا استطاعت بعض الوجوه الجديدة أن تقفز بسرعة إلى المقدمة بينما احتاج نجوم آخرون إلى سنوات طويلة حتى يصلوا إلى المكان نفسه.

وربما يكون التحدي الحقيقي أمام هذه الموجة الجديدة ليس في قدرتها على جذب الجمهور، وإنما في قدرتها على الاستمرار، فالجمهور الذي يصنع نجما اليوم هو نفسه القادر على تجاوزه غدا إذا شعر بأن التجربة تكرر نفسها، وهذا تحدٍ مختلف تماما عن التحديات التي واجهتها أجيال النجوم السابقة، لأن سرعة التلقي أصبحت تقابلها سرعة في الملل أيضا، ولذلك فإن كزبرة وأحمد غزي وغيرهما من الوجوه التي تصعد الآن أمام اختبار أكبر من مجرد تحقيق إيرادات جيدة، الاختبار الحقيقي هو هل يستطيعون الانتقال من حالة القرب من الجمهور إلى حالة النضج الفني، وهل تستطيع السينما أن تمنحهم أدوارا تكشف قدراتهم بدلا من حبسهم داخل الصورة التي صنعت شهرتهم، لأن صناعة النجم الحقيقي لا تقوم على تكرار ما يحبه الجمهور، وإنما على القدرة على مفاجأته في كل مرة.

وللحق إنني لا أرى أن «محمود التاني» جاء ليعلن نهاية زمن أو بداية زمن آخر، لكنني أراه جزءا من مشهد يقول لنا شيئا مهما، السينما المصرية لم تعد تصنع نجومها بالطريقة نفسها، والجمهور لم يعد يستقبل أفلامه بالطريقة نفسها، وشباك التذاكر لم يعد يتعامل مع الأسماء باعتبارها ضمانا كافيا، نحن أمام جيل جديد يريد أن يرى نفسه ويضحك بلغته ويشاهد حكايات تشبه عالمه، وإذا كانت السينما قادرة على فهم هذا التحول دون أن تفقد قيمتها الفنية، فقد نكون بالفعل أمام مرحلة جديدة، لا يتغير فيها شكل الأفلام فقط، وإنما تتغير فيها قواعد صناعة النجم نفسها، وهنا تكمن أهمية «محمود التاني» الحقيقية في رأيي، ليس في أن نقول إن الفيلم غير قواعد السينما المصرية، فهذا حكم سابق لأوانه، وإنما في أن نسأل هل بدأت السينما المصرية بالفعل  الاستماع إلى جمهور جديد؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فإن ما يحدث اليوم قد يكون أكبر من فيلم أو موسم، وقد يكون بداية إعادة ترتيب هادئة لخريطة النجومية، يكتب الجمهور خطوطها الجديدة من مقعده داخل دار العرض.

الصفحة السابعة من العدد رقم 478 الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط