صابر سالم يكتب: حصاد الموسم السياحي الصيفي في مصر

صابر سالم - صورة
صابر سالم - صورة أرشيفية

يقترب الموسم السياحي الصيفي في مصر من نهايته محققًا مؤشرات إيجابية عززت مسار النمو الذي يشهده القطاع منذ العام الماضي، وسط تنوع واضح في خريطة الطلب بين شواطئ البحر الأحمر والساحل الشمالي والقاهرة والمقاصد الثقافية، وارتفاع حركة الطيران بالمطارات السياحية، رغم الاضطرابات الإقليمية التي ألقت بظلالها على حركة السفر في المنطقة خلال بعض فترات العام.

ودخلت مصر موسم صيف 2026 مدعومة بأداء قوي خلال النصف الأول من العام، بعدما استقبلت نحو 9 ملايين سائح حتى نهاية يونيو، بنمو بلغ نحو 3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، قبل أن تشير أحدث بيانات وزارة السياحة والآثار في أغسطس إلى ارتفاع الحركة السياحية منذ بداية العام بنحو 5%، ما يعكس تسارعًا نسبيًا في معدلات التدفق مع دخول موسم الصيف ذروته.

وجاء هذا الأداء امتدادًا للطفرة التي سجلها القطاع خلال 2025، عندما استقبلت مصر نحو 19 مليون سائح دولي، وهو أعلى مستوى سنوي تسجله البلاد، لتبدأ 2026 من قاعدة مرتفعة نسبيًا، وتصبح المحافظة على النمو في حد ذاتها مؤشرًا مهمًا على قدرة المقصد المصري على الاحتفاظ بجاذبيته وسط المنافسة الإقليمية والتوترات الجيوسياسية.

كانت مدن البحر الأحمر من أبرز المستفيدين من الموسم، وفي مقدمتها الغردقة التي سجلت فنادقها ومنتجعاتها مستويات إشغال مرتفعة للغاية امتدت لثلاثة أشهر متتالية، مدفوعة بالحجوزات الأجنبية المبكرة، إلى جانب حركة السياحة الداخلية وعودة المصريين العاملين بالخارج خلال الإجازات الصيفية.

وتؤكد حركة الطيران حجم الطلب على الغردقة، حيث استقبل مطار المدينة خلال الفترة من يونيو وحتى نهاية أغسطس نحو 2.71 مليون راكب مقابل 2.64 مليون خلال الفترة نفسها من العام الماضي، كما ارتفع عدد الرحلات من نحو 17.3 ألف رحلة إلى أكثر من 18.2 ألف رحلة.

وحافظت شرم الشيخ بدورها على مستويات تشغيل قوية، مسجلة أكثر من مليوني راكب عبر مطارها خلال موسم الصيف، وهو ما يؤكد استمرار مكانة البحر الأحمر وجنوب سيناء باعتبارهما أحد المحركات الرئيسية للسياحة المصرية، خاصة في الأسواق الأوروبية التي تعتمد بصورة كبيرة على الرحلات المباشرة وبرامج الإقامة الشاطئية.

أما التحول الأبرز خلال الموسم فكان على الساحل الشمالي، الذي واصل خطواته للخروج من إطار السياحة المحلية الموسمية إلى مقصد يستقبل حركة دولية وعربية مباشرة.

وسجل مطار العلمين الدولي خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس أكثر من 120 ألف راكب، مقابل نحو 98 ألفًا خلال الفترة نفسها من 2025، بزيادة تقترب من 23%، بالتزامن مع توسع شركات الطيران في تشغيل رحلات مباشرة إلى المنطقة.

وساعد نمو الربط الجوي مع الأسواق العربية والأوروبية، إلى جانب الفعاليات التي تستضيفها العلمين الجديدة وتوسع النشاط الفندقي والترفيهي، في زيادة الحضور الأجنبي بالساحل الشمالي، وسط تقديرات بوصول أعداد السائحين الأجانب إلى المنطقة خلال العام إلى نحو ربع مليون زائر، في مؤشر على تغير تدريجي في طبيعة المنتج السياحي للساحل.

ولم يكن الموسم الصيفي شاطئيًا فقط، إذ حافظت القاهرة على حركة سفر مرتفعة، وسجل مطار القاهرة الدولي نحو 7.94 مليون راكب خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس، بزيادة عن الفترة المماثلة من العام الماضي، فيما واصل المتحف المصري الكبير لعب دور مهم في جذب السياحة الثقافية بعد افتتاحه، بعدما تجاوز عدد زواره 3 ملايين زائر خلال سبعة أشهر حتى نهاية يونيو، مثل الأجانب نحو 60% منهم.

ورغم أن درجات الحرارة المرتفعة تجعل الصيف تقليديًا أقل مواسم السياحة الثقافية كثافة مقارنة بالخريف والشتاء، فإن وجود المتحف المصري الكبير أضاف عنصر جذب جديدًا إلى القاهرة والجيزة، وأسهم في توسيع المنتج السياحي أمام الزائر الذي يمكنه الجمع بين السياحة الشاطئية والآثار خلال الرحلة نفسها.

وانعكس نمو الحركة السياحية أيضًا على الإيرادات، إذ ارتفعت حصيلة مصر من السياحة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2025-2026 إلى نحو 14.4 مليار دولار، مقابل 12.5 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة تقارب 15%، وهو ما يعكس ارتفاع العائد الاقتصادي للقطاع بالتوازي مع نمو أعداد الوافدين.

ويكشف حصاد الصيف في الوقت نفسه عن تحدٍ يزداد وضوحًا مع ارتفاع الطلب، وهو الحاجة إلى زيادة الطاقة الفندقية، خاصة في المقاصد التي اقتربت من كامل طاقتها خلال فترات الذروة.

وتعمل الدولة على جذب استثمارات جديدة في الفنادق ورفع عدد الغرف المتاحة، باعتبار أن الطاقة الاستيعابية أصبحت أحد العناصر الأساسية لتحقيق المستهدف الحكومي باستقبال 30 مليون سائح سنويًا بحلول 2030.

كما يبقى التحدي الأكبر هو تحويل النجاح الموسمي إلى حركة مستدامة على مدار العام، خاصة في الساحل الشمالي والعلمين، بما يسمح بالاستفادة من الاستثمارات الضخمة والبنية التحتية والمطارات الجديدة لأشهر أطول بدلًا من اقتصار ذروة النشاط على أسابيع الصيف.

ومع نهاية أغسطس، يمكن القول إن صيف 2026 أكد استمرار زخم السياحة المصرية، لكنه كشف أيضًا عن تغير في خريطة المقاصد نفسها؛ فالغردقة وشرم الشيخ حافظتا على قوتهما، والعلمين بدأت تتحول إلى بوابة دولية حقيقية على البحر المتوسط، والقاهرة حصلت على عنصر جذب استثنائي بالمتحف المصري الكبير.

وهي مؤشرات تضع القطاع أمام فرصة للانتقال من مجرد تسجيل أعداد قياسية إلى بناء موسم سياحي أطول، وإنفاق أعلى، وتجربة أكثر تنوعًا قادرة على الاقتراب بمصر من هدف الـ30 مليون سائح.

الصفحة الثامنة من العدد رقم 478 الصادر بتاريخ 3 سبتمبر 2026
تم نسخ الرابط