« نيران المسافة صفر ».. كيف يكتب «السيسي وبن سلمان» بالدم والنار ملحمة الردع الكبرى لحماية أرض الحرمين؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- طبول الحسم تحذر الخونة: من يقترب من مقدسات الأمة سيحترق بنيران «مسافة السكة» 

حين يتعلق الأمر بأرض الحرمين الشريفين، لا تكون المسافات أرقامًا على الخرائط، ولا تكون الأخوة العربية مجرد كلمات تُقال أمام الكاميرات.

هنا، حيث تسكن المدينة المنورة في وجدان أكثر من مليار مسلم، وحيث تمثل المملكة العربية السعودية ثقلًا إستراتيجيًا لا يمكن فصله عن أمن المنطقة، تتقدم مصر لتؤكد أن أمن أشقائها ليس تفصيلًا عابرًا في حسابات سياستها الخارجية، وأن «مسافة السكة» ليست شعارًا استهلكته الخطب، بل عنوانا لإرادة دولة تعرف قيمة قوتها، وتدرك أن لحظات الخطر هي التي تكشف معادن الحلفاء.

إنها مصر التي لا تنظر إلى أمن الخليج باعتباره شأنًا بعيدًا عن أمنها القومي، ولا تتعامل مع تهديد السعودية باعتباره أزمة تخص حدود المملكة وحدها؛ فحين تتعرض دولة عربية بحجم السعودية للخطر، تصبح تداعيات ما يجري أكبر من حدود الجغرافيا، ويصبح السؤال عن الموقف العربي سؤالًا عن القدرة على حماية المنطقة من الانزلاق إلى فوضى لا يملك أحد ضمانات نهايتها.

إنها رسالة تتجاوز القاهرة والرياض، وتتجاوز حدود العلاقة الثنائية إلى مستقبل المنطقة بأكملها؛ فالسعودية ليست دولة بعيدة عن حسابات الأمن القومي المصري، ومصر ليست طرفًا عابرًا في معادلة أمن الخليج.

بين البلدين من الجغرافيا والمصالح والتاريخ ما يجعل استقرار أحدهما عاملًا مؤثرًا في استقرار الآخر.

وإذا كانت السياسة تُختبر في أوقات الرخاء بالقدرة على بناء الشراكات، فإنها تُختبر في أوقات الخطر بالقدرة على حماية هذه الشراكات من الانهيار تحت ضغط التهديدات.

غير أن القوة الحقيقية لا تكمن في الاندفاع إلى الحرب، بل في امتلاك القدرة على الردع، وإدراك اللحظة التي يصبح فيها التحرك ضرورة، والحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها، والهدف الذي يجب أن يظل واضحًا: حماية الدولة ومنع الاعتداء، لا فتح أبواب مواجهة إقليمية لا يعرف أحد أين تنتهي.

في هذا السياق، يكتسب الموقف المصري المعلن بشأن استعداد القاهرة لتقديم الدعم الدفاعي للمملكة، وفق الإجراءات والضوابط الرسمية، أهمية تتجاوز تفاصيل التصريحات ذاتها.

فالمسألة ليست مجرد إعلان عن التضامن مع السعودية، وإنما تأكيد أن أمن الخليج جزء أصيل من البيئة الإستراتيجية التي تتحرك فيها مصر، وأن التهديدات التي تطال دولة عربية محورية لا يمكن النظر إليها باعتبارها أزمة تخص حدودها وحدها.

ومع ذلك، فإن التحليل الدقيق يقتضي التمييز بين إعلان الاستعداد للدفاع، واتخاذ قرار فعلي بإرسال قوات، وبين الموقف السياسي والإجراءات الدستورية والعسكرية اللازمة لتنفيذه.

فهذه الفروق ليست تفاصيل شكلية، وإنما تعكس طبيعة الدولة التي توازن بين التزاماتها الإقليمية ومسؤوليتها الأولى عن حماية شعبها ومصالحها.

من هنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا تتعامل القاهرة مع أمن السعودية باعتباره قضية تتجاوز حدود التضامن التقليدي؟ الإجابة لا تكمن في عامل واحد، ولا يمكن اختزالها في الروابط التاريخية أو المشاعر الدينية وحدها، على أهميتها.

فالأمن القومي المصري يقوم على شبكة متداخلة من المصالح والتهديدات، تمتد من الحدود المباشرة إلى البحر الأحمر والخليج العربي وشرق المتوسط، وتتصل بأمن الطاقة والتجارة والملاحة والاستقرار الاقتصادي.

وأي اضطراب واسع في الخليج لا يبقى محصورًا داخل حدوده، بل يمكن أن ينتقل أثره إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة العالمية، وتكاليف النقل والتأمين، ومناخ الاستثمار، ثم يصل إلى اقتصادات دول المنطقة، وفي مقدمتها مصر.

ولهذا، فإن الدفاع عن أمن السعودية، إذا تعرضت لاعتداء يستدعي المساعدة، لا يمكن تفسيره باعتباره خدمة تقدمها القاهرة للرياض، أو تنازلًا عن استقلال القرار المصري، بل باعتباره موقفًا تتقاطع فيه المسؤولية العربية مع المصلحة الوطنية.

فالدولة التي تدرك طبيعة موقعها الجغرافي لا تنتظر حتى تصل آثار الأزمة إلى حدودها كي تبدأ التحرك، وإنما تراقب مصادر التهديد، وتقدر احتمالات امتداده، وتسعى إلى منع تحوله إلى خطر أوسع.

وفي عالم تتشابك فيه الأزمات بهذه الصورة، قد يكون احتواء التهديد في محيط الدولة أقل كلفة بكثير من التعامل مع تداعياته بعدما يتحول إلى أزمة مباشرة.

وتزداد أهمية هذه المعادلة عندما يتعلق الأمر بالبحر الأحمر، الذي يمثل أحد أهم الممرات الإستراتيجية لمصر والسعودية والعالم.

فاستقرار هذا الممر لا يرتبط فقط بحركة السفن، بل يتصل بقناة السويس، والتجارة الدولية، وسلاسل الإمداد، وأمن الموانئ والمنشآت الساحلية.

وأي اتساع للصراعات في المنطقة قد يرفع كلفة الملاحة ويضغط على حركة التجارة ويخلق تهديدات جديدة يصعب احتواؤها إذا تراكمت.

ومن ثم، فإن التنسيق المصري - السعودي لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره استجابة ظرفية لأزمة عابرة، وإنما باعتباره جزءًا من ضرورة إستراتيجية تفرضها الجغرافيا وتؤكدها التجارب.

لكن لماذا تتقدم عبارة «مسافة السكة» إلى واجهة المشهد في هذه اللحظة؟ لأن جوهرها يرتبط بفكرة أن العلاقات بين الدول لا تُقاس بعدد الاتفاقات الموقعة أو الزيارات المتبادلة فقط، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج استجابة عملية عندما تتعرض المصالح المشتركة للخطر، فالردع لا يبدأ مع تحرك القوات، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، عندما يدرك الطرف الذي يفكر في التصعيد أن حساباته لن تقتصر على مواجهة الدولة المستهدفة وحدها، وأن هناك احتمالات لتكلفة إستراتيجية أكبر إذا تجاوز خطوطًا تمس أمن دول أخرى.

ومع ذلك، فإن الردع الفعال ليس مرادفًا للتهديد المستمر بالحرب، ولا يعني أن كل أزمة يجب أن تنتهي بمواجهة عسكرية، فالقوة التي لا تملك تصورًا واضحًا للهدف قد تتحول إلى عبء، والتحرك الذي لا تُحسب عواقبه قد يفتح جبهات جديدة بدلًا من إغلاق الجبهة القائمة.

لذلك، فإن القيمة الحقيقية لأي استعداد دفاعي مصري تكمن في وضوح غايته، وهي حماية السعودية من الاعتداء، وفي ارتباطه بإجراءات رسمية محددة، وفي قدرته على تعزيز الاستقرار بدلًا من توسيع دائرة الصراع.

إنها معادلة دقيقة بين إظهار القدرة على الحماية، والحفاظ على مساحة كافية للتحرك الدبلوماسي، ومنع الخصوم من استغلال التردد من جهة أو الاندفاع من جهة أخرى.

وعلى هذا الأساس، يمكن فهم ما قد يمنحه الموقف المصري للسعوديين من شعور بالثقة والاطمئنان.

فالدعم الذي تعلنه دولة بحجم مصر يحمل دلالة سياسية تتجاوز الإمكانات العسكرية ذاتها؛ إذ يبعث برسالة مفادها أن أمن المملكة ليس شأنًا معزولًا عن محيطها العربي، وأن هناك مصالح مشتركة تدفع إلى رفض الاعتداء على سيادتها وتهديد منشآتها ومقدراتها.

لكن هذا الاطمئنان لا ينبغي أن يتحول إلى افتراض بأن المخاطر قد انتهت، أو أن وجود دعم من دولة شقيقة يلغي الحاجة إلى بناء القدرات الدفاعية الذاتية، وتطوير أنظمة الإنذار والحماية، وتعزيز التعاون الإقليمي.

فالأمن المستدام لا يقوم على التعويل على الآخرين وحدهم، كما لا يتحقق بالعزلة عن الشركاء.

إنه نتاج توازن بين القدرة الوطنية على حماية الأرض والمنشآت والمواطنين، وشبكة العلاقات التي تتيح تبادل المعلومات وتنسيق المواقف وتوزيع المسؤوليات.

ومن هذه الزاوية، فإن العلاقات المصرية - السعودية تكتسب أهميتها من قدرتها على الجمع بين التعاون السياسي والمصالح الاقتصادية والتنسيق الأمني، مع احتفاظ كل دولة بحقها في اتخاذ القرار الذي تراه مناسبًا وفق ظروفها والتزاماتها الدستورية.

أما الحديث عن «الصديق الوفي»، فهو يفتح الباب أمام معنى أعمق للثقة بين الدول.

فالصداقة السياسية ليست علاقة عاطفية منفصلة عن المصالح، كما أنها ليست صفقة تجارية يمكن قياسها بحساب المكاسب المباشرة وحدها.

إنها علاقة تتكون عندما تجد الدولتان أن مصالحهما الأساسية تتقاطع، وأن التعاون بينهما يمنح كل طرف قدرة أكبر على مواجهة التحديات.

وتظهر قيمة هذه العلاقة حين لا يقتصر التنسيق على تبادل الرسائل، بل يمتد إلى التشاور الجاد بشأن المخاطر، والبحث عن حلول تمنع تفاقم الأزمات، والاستعداد لتحمل المسؤولية في إطار واضح ومتفق عليه.

وفي هذا المعنى، لا تتعلق أهمية الموقف المصري بما إذا كان سيؤدي إلى تحرك عسكري مباشر أم لا، وإنما بما يضيفه إلى حسابات الردع والتوازن الإقليمي.

فالإعلان عن استعداد للدعم الدفاعي يمكن أن تكون له دلالة إستراتيجية حتى قبل تنفيذه، إذا كان واضحًا وجادًا ومسنودًا بقدرة فعلية وإجراءات مؤسسية.

وفي المقابل، فإن المبالغة في تفسير التصريحات، أو التعامل معها باعتبارها إعلانًا عن حرب حتمية، قد تقود إلى استنتاجات لا تسندها الوقائع.

فالدول لا تتحرك بالشعارات وحدها، بل بتقدير الموقف، وحساب المخاطر، وتحديد الأهداف، والبحث عن المسار الذي يحمي مصالحها بأقل تكلفة ممكنة.

وفيما يتعلق بإسرائيل وحكومة بنيامين نتنياهو، فإن أي تحليل جاد لا بد أن يضع في اعتباره أن اتساع الصراعات الإقليمية يخلق فرصًا أمام أطراف مختلفة لإعادة ترتيب أولوياتها أو توسيع نفوذها.

كما أن إضعاف الروابط بين الدول العربية، أو دفعها إلى الانشغال بصراعات متفرقة، قد ينعكس على قدرتها في التأثير في ملفات المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر.

لكن ذلك لا يكفي وحده للجزم بأن التحرك المصري جاء لإجهاض خطة إسرائيلية محددة لاستهداف السعودية، ما لم تتوافر أدلة موثقة تثبت وجود مثل هذه الخطة وتوضح صلتها المباشرة بالقرار المصري.

ومع ذلك، فإن وجود موقف عربي واضح يرفض الاعتداء على السعودية ويؤكد الاستعداد لدعمها دفاعيًا يحد من فرص التعامل مع أمن المملكة باعتباره ملفًا يمكن الضغط من خلاله على المنطقة بأكملها.

كما أن التنسيق المصري - السعودي يتيح مساحة أوسع للتشاور بشأن التطورات الإقليمية، ويعزز قدرة البلدين على الدفاع عن مصالحهما في مواجهة محاولات فرض الأمر الواقع بالقوة.

فالمسألة ليست الدخول في مواجهة مع إسرائيل لمجرد المواجهة، وإنما منع أي طرف من تحويل الأزمات إلى وسيلة لتهديد سيادة الدول العربية أو إضعاف قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة.

وتبرز هنا أهمية الربط بين أمن السعودية والقضية الفلسطينية. فاستقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق بصورة دائمة ما دامت جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي قائمة، وما دامت احتمالات التصعيد تتجدد مع غياب تسوية سياسية عادلة.

ومصر، بحكم موقعها ودورها في الملفات الفلسطينية، معنية بمنع اتساع المواجهات، والحفاظ على فرص الحل السياسي، ورفض الإجراءات التي تهدد حقوق الشعب الفلسطيني أو تخلق موجات جديدة من عدم الاستقرار.

كما أن السعودية تمثل طرفًا عربيًا مهمًا في أي مسعى إقليمي ودولي جاد لإيجاد تسوية سياسية للقضية الفلسطينية.

ومن ثم، فإن التنسيق بين القاهرة والرياض يمكن أن يعزز فرص العمل المشترك، شرط ألا يُختزل في حسابات المواجهة العسكرية وحدها.

والتحدي الحقيقي أمام البلدين لا يتمثل في إعلان موقف قوي فحسب، بل في تحويل هذا الموقف إلى سياسة مستدامة تحمي المصالح المشتركة وتمنع تكرار الأزمات.

ويتطلب ذلك تطوير آليات التشاور السياسي، وتعزيز التعاون في حماية الملاحة والمنشآت الحيوية، وتبادل المعلومات بشأن التهديدات العابرة للحدود، وتحديد الأطر القانونية والعملية لأي دعم متبادل.

كما يتطلب بناء تفاهمات واضحة بشأن كيفية التعامل مع الأزمات، بحيث لا تكون الاستجابة رهينة لحظة التصعيد، بل جزءًا من منظومة قادرة على التحرك المبكر والحد من المخاطر.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يظل المسار الدبلوماسي حاضرًا بقوة.

فالتصعيد العسكري قد يكون في بعض الظروف ضرورة دفاعية، لكنه يحمل دائمًا مخاطر اتساع المواجهة، وسقوط ضحايا، وتدمير البنية التحتية، واستنزاف الموارد.

ومن هنا، فإن الجمع بين الردع والدبلوماسية ليس تناقضًا، بل هو جوهر السياسة المسؤولة.

فكلما كانت القدرة على الدفاع واضحة، ازدادت فرص منع الاعتداء، وكلما ظل باب التسوية مفتوحًا، تراجعت احتمالات تحول الأزمة إلى حرب طويلة تستنزف الجميع.

إن مصر، وهي تؤكد أهمية أمن السعودية واستقرارها، تتحرك داخل معادلة معقدة لا تسمح بالاكتفاء بالخطاب العاطفي، مهما كانت الروابط الدينية والتاريخية حاضرة في الوجدان الشعبي.

فحماية المصالح تحتاج إلى قرار مدروس، وقوة جاهزة، وتنسيق مؤسسي، ورؤية تعرف كيف تتعامل مع المخاطر دون أن تستدرج الدولة إلى مواجهات لا تخدم أهدافها.

والسعودية بدورها تحتاج إلى منظومة تعاون إقليمي تدعم أمنها، مع استمرار تطوير قدراتها الوطنية، حتى لا يصبح استقرار المنطقة مرهونًا بتوازنات متقلبة أو بتقديرات أطراف خارجية.

في النهاية، فإن «مسافة السكة» ليست مجرد وعد بقطع المسافة بين القاهرة والرياض، وإنما تعبير عن سؤال أكبر يتعلق بمستقبل العلاقات العربية: هل تستطيع الدول تحويل التاريخ المشترك والمصالح المتشابكة إلى منظومة عملية تحمي الأمن وتمنع الاعتداء وتفتح الطريق أمام الاستقرار؟ الإجابة لن تُحسم ببلاغة التصريحات وحدها، بل بما تنتجه من سياسات واضحة، وقدرات قابلة للاستخدام، وتنسيق يوازن بين الردع والحكمة.

أما مدينة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ومقدسات المسلمين، فمكانتها في وجدان المصريين لا تحتاج إلى إثبات، لكن حماية الأمن في عالم مضطرب لا تقوم على المشاعر وحدها؛ إنها تحتاج إلى دولة تدرك وزنها، وتعرف حدود مسؤولياتها، وتملك القدرة على التحرك عندما تقتضي الضرورة، دون أن تفقد بوصلة السلام.

وهنا تتجلى الرسالة الأهم: أن التضامن الحقيقي لا يعني البحث عن الحرب، بل منعها؛ ولا يعني رفع سقف الشعارات، بل بناء قدرة تحمي السيادة وتردع الاعتداء.

وبين القاهرة والرياض، تظل قوة العلاقة مرهونة بقدرتها على تحويل الثقة إلى تعاون، والتعاون إلى استقرار، والاستعداد للدفاع إلى ضمانة تمنح المنطقة فرصة للخروج من دوامة الصراعات، لا سببًا للدخول في دوامة جديدة.

الصفحة الثانية  من العدد رقم 485 الصادر بتاريخ 22 أكتوبر 2026
الصفحة الثانية  من العدد رقم 485 الصادر بتاريخ 22 أكتوبر 2026
تم نسخ الرابط