محمود الشويخ يكتب : « ردع الفوضى بالدم ».. كيف يكتب السيسي وبن سلمان نهاية مغامرات الإرهاب الإقليمي؟
لحظات التاريخ الفارقة، تتجلى معادن القادة الكبار، ويقف الرئيس عبد الفتاح السيسي والأمير محمد بن سلمان في مقدمة مشهد إقليمي لا يحتمل أنصاف المواقف، بقيادتين تدركان أن هيبة الدول تُصان بقوة القرار، وأن أمن الأوطان خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه، وأن مصر والسعودية ليستا مجرد دولتين في خريطة المنطقة، بل ركيزتان لاستقرارها، ودرعان في مواجهة مخططات الفوضى، وثقلان استراتيجيان يصعب تجاوزهما في معادلات الأمن الإقليمي.
بلا شك هناك لحظات فارقة في تاريخ العلاقات بين الدول، لا تُقاس أهميتها بما يصدر عنها من بيانات دبلوماسية أو عبارات تضامن تقليدية، وإنما بما تكشفه من حقيقة الروابط التي تجمع الشعوب، وبما تضعه أمام صُنّاع القرار من اختبارات تتجاوز حدود المجاملة السياسية إلى حسابات الأمن والمصير المشترك.
وفي منطقة لا تكاد تخرج من أزمة حتى تجد نفسها أمام أخرى أكثر تعقيدًا، تصبح المواقف الواضحة ضرورة لحماية الاستقرار، وتتحول القدرة على الردع إلى عنصر أساسي في منع اتساع الصراعات، لا إلى دعوة لإشعالها.
من هذا المنطلق، تكتسب موافقة مجلس النواب المصري، بأغلبية ثلثي أعضائه، على تفويض الرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية، بالتنسيق بين البلدين، والدفاع عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها ضد أي اعتداءات خارجية، أهمية تتجاوز حدود القرار البرلماني في ذاته.
فنحن أمام موقف يرتبط بأمن دولة عربية محورية، وبطبيعة الدور الذي ترى القاهرة أنها مسؤولة عن أدائه في محيطها الإقليمي، وبالرسائل التي يبعث بها هذا الموقف إلى الأطراف التي قد تراهن على انشغال الدول العربية بأزماتها الداخلية أو اختلاف حساباتها السياسية.
القاهرة لا تتعامل مع أمن الرياض باعتباره شأنًا بعيدًا عن أمنها، ولا تنظر إلى التهديدات التي تواجه المملكة باعتبارها أزمة منفصلة عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح تجعل أمن الخليج والبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية جزءًا من معادلة الأمن القومي العربي، كما تجعل أي اضطراب واسع في هذه المساحات قابلًا للامتداد إلى الاقتصاد والتجارة والطاقة وحركة الملاحة، بما ينعكس على دول المنطقة جميعها، وفي مقدمتها مصر.
لكن أهمية الخطوة لا تكمن في بعدها السياسي وحده، بل في أنها جاءت عبر المسار الدستوري، وبعد مناقشات برلمانية امتدت إلى ثلاث جلسات سرية عقدها مجلس النواب أيام 18 و19 و26 أكتوبر الجاري، بناءً على طلب رئيس الجمهورية، وانتهت بالموافقة بأغلبية الثلثين.
ويعكس هذا المسار أن القرارات المتعلقة بالأمن القومي واستخدام القوات المسلحة خارج الحدود لا تُختزل في شعارات عاطفية، وإنما تخضع لإجراءات دستورية ومؤسسية، توازن بين مقتضيات الدفاع عن المصالح الوطنية والالتزامات الإقليمية، وبين ضرورة التحرك وتقدير عواقب كل خطوة.
وهنا ينبغي التمييز بين التفويض البرلماني وبين أي قرار تنفيذي لاحق.
فموافقة المجلس تمنح الرئيس الإطار الدستوري اللازم لاتخاذ ما يراه مناسبًا من إجراءات في ضوء تطورات الموقف والتنسيق مع المملكة، لكنها لا تعني في حد ذاتها أن إرسال قوات قد تم بالفعل، ولا تمثل إعلانًا للحرب.
إن جوهر القرار هو إتاحة القدرة على التحرك الدفاعي وفقًا لما تقتضيه الظروف، في الوقت الذي تواصل فيه القاهرة التأكيد على أهمية الحلول السياسية واحتواء التصعيد.
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ لأن القوة الحقيقية لا تُقاس بمجرد استخدام القوة العسكرية، بل بامتلاك القدرة على استخدامها عند الضرورة، مع الاحتفاظ بالمساحة الكافية لمنع الحرب أو الحد من نطاقها.
فالدولة التي تستطيع الدفاع عن مصالحها وتقدير توقيت التحرك وحدوده تكون أكثر قدرة على حماية أمنها من دولة تُترك خياراتها رهينة التطورات المتسارعة أو الضغوط الخارجية.
والردع الفعال لا يستهدف بالضرورة خوض المواجهة، بل قد تكون أهم نتائجه إقناع الأطراف الأخرى بأن توسيع الاعتداءات لن يمر من دون حساب.
وفي هذا السياق، يأتي الموقف المصري في وقت تتزايد فيه المخاطر المحيطة بالمنطقة، مع اتساع دائرة التوترات والتهديدات التي تطال دول الخليج، وما يصاحبها من مخاوف بشأن استهداف المنشآت الحيوية والمطارات ومصادر الطاقة وخطوط الملاحة.
وهذه التهديدات لا تقف عند حدود الأضرار المباشرة التي قد تلحق بالدولة المستهدفة، بل تمتد إلى حسابات الأسواق العالمية وتكاليف النقل والتأمين، وإلى احتمالات اضطراب إمدادات الطاقة والتجارة، فضلًا عن تداعياتها على حركة الاستثمار وثقة الأسواق في استقرار المنطقة.
وبالنسبة إلى مصر، فإن هذه المخاطر تكتسب حساسية مضاعفة بسبب موقعها الجغرافي ودور قناة السويس في حركة التجارة الدولية، فضلًا عن ارتباط أمن البحر الأحمر وباب المندب بأمن الملاحة المتجهة إلى القناة ومنها.
فأي اضطراب واسع في هذه المنطقة يمكن أن يفرض أعباء إضافية على حركة التجارة العالمية، ويؤثر في مسارات السفن وتكاليف النقل، ويزيد من الضغوط على اقتصادات تواجه بالفعل تحديات متعددة.
ومن ثم، فإن دعم استقرار السعودية ليس موقفًا منفصلًا عن المصالح المصرية، بل يتصل بصورة مباشرة بمفهوم الأمن القومي في عالم أصبحت فيه التهديدات عابرة للحدود.
فالصاروخ الذي يستهدف منشأة حيوية، أو الاعتداء الذي يهدد مطارًا أو ممرًا بحريًا، لا يبقى أثره محصورًا في موقعه الجغرافي؛ إذ يمكن أن يتحول إلى أزمة إقليمية تؤثر في حركة التجارة والطاقة، وتفتح الباب أمام تدخلات وتفاعلات تزيد من تعقيد المشهد.
وتدرك القاهرة، بحكم تجربتها وموقعها، أن ترك التهديدات تتراكم من دون ردع قد يؤدي إلى اتساع نطاقها، وأن حماية الاستقرار تتطلب الجمع بين التحرك السياسي والقدرة الدفاعية.
غير أن هذا الإدراك لا يعني أن كل أزمة يجب أن تنتهي بمواجهة عسكرية، أو أن الاستعداد للدفاع يساوي الرغبة في الحرب.
على العكس، فإن وجود قدرة دفاعية موثوقة يمكن أن يدعم المساعي الدبلوماسية، ويمنح الأطراف المعنية مساحة أوسع للتفاوض، ويحد من الاعتقاد بأن الاعتداءات يمكن أن تحقق مكاسب من دون تكاليف.
ولذلك، فإن تأكيد الرئيس السيسي أن أي دور عسكري مصري محتمل سيكون دفاعيًا، وأنه لن يتضمن شن هجمات على اليمن، يحمل دلالة مهمة في قراءة حدود التحرك المصري.
فالقاهرة تضع الدفاع عن الأراضي السعودية في إطار واضح، لا في سياق تفويض مفتوح لتوسيع المواجهة أو الانخراط في حرب إقليمية بلا سقف.
وهذه المقاربة تتيح الجمع بين التضامن مع المملكة في مواجهة الاعتداءات وبين تجنب تحويل الدعم الدفاعي إلى مسار تصعيدي قد تتسع آثاره إلى دول وشعوب أخرى.
كما أن الإشارة إلى التنسيق بين البلدين تؤكد أن المسألة لا تتعلق بتحرك منفرد أو قرار منفصل عن حسابات الطرف المعني، وإنما بإجراءات يجري تحديدها في ضوء التشاور والتقدير المشترك للمخاطر.
فالتنسيق السياسي والعسكري في مثل هذه الظروف ضرورة لتحديد طبيعة التهديد، والأهداف الدفاعية، وحدود المسؤوليات، وآليات منع سوء التقدير، بما يقلل احتمالات الانزلاق إلى مواجهات أوسع.
ولا يمكن قراءة الموقف المصري بمعزل عن طبيعة العلاقات بين القاهرة والرياض، التي تشكل أحد الأعمدة المهمة في منظومة العلاقات العربية.
فالعلاقة بين البلدين ليست مجرد تبادل للمواقف في أوقات الأزمات، وإنما ترتبط بمصالح سياسية واقتصادية واستراتيجية، وبإدراك مشترك لأهمية الحفاظ على استقرار الدول العربية الرئيسية في مواجهة التهديدات التي قد تدفع المنطقة إلى مزيد من التفكك.
وتزداد أهمية هذا الترابط في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه المنطقة، إذ إن أي تصعيد عسكري واسع لا يستهلك الموارد في المواجهات المباشرة فحسب، بل يفرض كذلك تكاليف غير مباشرة على الاستثمار والتجارة والنقل والطاقة، ويزيد من الضغوط على الموازنات العامة، ويؤثر في فرص التنمية.
ومن هنا، فإن حماية الاستقرار ليست مسألة أمنية خالصة، بل شرط أساسي للحفاظ على قدرة الدول على تنفيذ برامجها الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير احتياجات مواطنيها، وجذب الاستثمارات، وتوسيع فرص العمل.
وفي الحالة المصرية، لا يمكن تجاهل حجم التشابك بين استقرار الخليج والمصالح الاقتصادية والاجتماعية.
فالعلاقات مع المملكة العربية السعودية تشمل مجالات متعددة، من الاستثمار والتجارة إلى العمالة والتحويلات، فضلًا عن الروابط الإنسانية بين الشعبين.
لكن اختزال الموقف المصري في هذه المصالح وحدها سيكون قراءة قاصرة؛ لأن الحسابات الاستراتيجية تتجاوز المكاسب الاقتصادية المباشرة إلى مبدأ أوسع، هو أن أمن الدول العربية الكبرى يرتبط باستقرار النظام الإقليمي وقدرته على منع الاعتداءات من التحول إلى واقع دائم.
ومن هنا أيضًا، فإن التضامن العربي لا ينبغي أن يُفهم باعتباره مجرد عبارات تُقال عند وقوع الأزمات، ثم تتراجع أهميته مع انحسار الاهتمام الإعلامي.
فالمواقف الجادة تظهر عندما تتعرض دولة لتهديد مباشر، وعندما يصبح المطلوب ترجمة المبادئ إلى سياسات عملية، مع إدراك أن أي تحرك يجب أن يخضع لحسابات دقيقة، وأن حماية المصالح لا تعني تجاهل المخاطر أو التقليل من كلفة المواجهة.
غير أن الرسالة الأهم في هذه اللحظة هي أن المنطقة لا تحتاج إلى سباق جديد نحو الحرب، بقدر ما تحتاج إلى منظومة ردع تمنع الاعتداءات، وتفتح الطريق أمام تسويات سياسية قابلة للاستمرار.
فالتاريخ الإقليمي يقدم دروسًا واضحة بشأن الكلفة التي تتحملها الشعوب عندما تتحول الصراعات إلى حروب طويلة، وحين تتسع المواجهات بما يتجاوز أهدافها المعلنة، أو تصبح الأطراف عاجزة عن التحكم في مسارات التصعيد.
والدولة المصرية، التي عرفت خلال العقود الماضية كلفة الحروب وتعقيدات التدخلات الإقليمية، تدرك أن القرار العسكري يجب أن يكون محسوبًا، وأن أي التزام خارج الحدود ينبغي أن يرتبط بهدف واضح وحدود محددة وتقدير واقعي للنتائج.
ولذلك، فإن الجمع بين التفويض الدستوري والتأكيد على الطابع الدفاعي والتحرك الدبلوماسي ليس تناقضًا، بل يعكس محاولة للحفاظ على تعدد الخيارات وعدم الارتهان لمسار واحد مهما كانت الضغوط.
وفي المقابل، فإن الرسائل الموجهة إلى الأطراف التي تهدد أمن المنطقة لا تحتاج إلى مبالغة في الخطاب حتى تكون واضحة.
فالموقف البرلماني المصري، وما سبقه من مداولات على مستوى مؤسسات الدولة، يبعث برسالة مفادها أن أمن المملكة العربية السعودية يحظى بأهمية استراتيجية لدى القاهرة، وأن التعامل مع الاعتداءات الخارجية لا يمكن أن ينفصل عن حق الدول في حماية أراضيها وسيادتها، وفقًا للقانون والأطر الدستورية ذات الصلة.
ولا يعني ذلك أن كل الملفات الإقليمية أصبحت متطابقة، أو أن المصالح العربية تخلو من الاختلافات، لكنه يؤكد أن هناك حدودًا ينبغي ألا يُسمح بتجاوزها، وأن الاعتداء على دولة عربية وتهديد أمنها لا يمكن التعامل معه باعتباره شأنًا محليًا لا يعني بقية الدول.
فالتحدي الحقيقي أمام المنطقة هو منع تحويل الخلافات إلى أبواب مفتوحة للتدخلات، ومنع استغلال الأزمات لإضعاف الدول أو فرض وقائع جديدة بالقوة.
إن مصر لا تحتاج إلى إثبات أهمية دورها عبر المبالغة في الوعود أو استباق القرارات التنفيذية، بل عبر وضوح موقفها، واحترام مؤسساتها الدستورية، وقدرتها على تقدير اللحظة الإقليمية.
كما أن السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وجغرافي، ليست مجرد طرف في أزمة عابرة، وإنما دولة محورية يرتبط استقرارها بتوازنات الخليج والبحر الأحمر والاقتصاد الإقليمي.
وفي النهاية، فإن ما جرى في مجلس النواب يتجاوز حدود التصويت إلى اختبار أوسع لمعنى المسؤولية في زمن الاضطراب.
فالتضامن الحقيقي لا يُقاس بعدد الشعارات، والاستعداد للدفاع لا يعني التسرع إلى الحرب، والقوة لا تفقد قيمتها لأنها تسعى إلى منع المواجهة؛ بل إن قيمتها تزداد حين تكون أداة لحماية الأرض والسيادة، وردع الاعتداءات، وصون فرص السلام.
وبين القاهرة والرياض، تظل الرسالة الأهم أن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على ترك الدول منفردة أمام التهديدات، ولا على فتح أبواب التصعيد بلا حساب، وإنما على التنسيق والقدرة الدفاعية والاحتكام إلى المؤسسات، بالتوازي مع العمل السياسي والدبلوماسي.
فالمطلوب ليس حربًا جديدة تُضاف إلى سجل أزمات المنطقة، وإنما موقف قادر على حماية السيادة ومنع التهديدات من التحول إلى أمر واقع، وصيانة أمن الشعوب ومقدراتها.
هنا تتجلى الفكرة التي تختصر اللحظة: ليس التضامن العربي أن نرفع الشعارات وقت الرخاء، بل أن نمتلك القدرة على حماية المصالح المشتركة وقت الخطر؛ وليس معنى القوة أن نبحث عن الحرب، بل أن نمنع الآخرين من فرضها علينا.
- قنا
- المملكة العربية السعودية
- مجلس النواب
- النقل
- محمود الشويخ
- اقتصاد
- الاستثمار
- شاب
- التجارة
- القوات المسلحة
- الاقتصاد
- العالم
- محمود الشويخ يكتب
- خلاف
- العلاقات
- الدول
- البرلمان
- النواب
- الحدود
- الإرهاب
- امن
- السيسي
- السعودية
- حماية
- راب
- ملك
- درة
- استقرار
- ردع الفوضى بالدم
- قرار
- اجتماع
- ملفات
- حكم
- منع
- اول
- التزام
- القوات
- بيان
- المصري
- قناة
- ادا
- القاهرة
- عامل
- سعودية
- قانون
- نقل
- حركة
- بالدم لا بالشعارات
- رئيس
- منطقة
- محور
- الامن
- ساحات
- داخل
- تفقد
- الحرب
- مصر
- الرئيس عبد الفتاح السيسي
- كرة



