حين تنحاز الضرائب للإنتاج والإنسان.. رؤية جديدة لاقتصاد أكثر عدالة

خالد الطوخى - صورة
خالد الطوخى - صورة أرشيفية

- تعديلات قانون القيمة المضافة تخفض ضريبة الأجهزة الطبية إلى 5% وتعفي مستلزمات الغسيل الكلوي وتدعم الاستثمار الصناعي

- تيسيرات ضريبية جديدة للمصانع والمشروعات الصغيرة تشمل مد مهلة تركيب الآلات إلى 4 سنوات وتسريع رد المستحقات

- القانون رقم 149 لسنة 2026 يعزز تنافسية الصناعة المحلية ويخفف الأعباء الضريبية عن الأجهزة الطبية والخدمات اللوجستية

- رد الأرصدة الضريبية خلال 3 أشهر للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها 20 مليون جنيه وفق الضوابط القانونية

- إعفاء خدمات السلع العابرة من ضريبة القيمة المضافة لدعم تجارة الترانزيت وتعزيز مكانة مصر مركزًا إقليميًا للخدمات اللوجستية

- قانون القيمة المضافة الجديد يوازن بين تحفيز الاستثمار الصناعي وتيسير الخدمات الصحية وتطوير المعاملة الضريبية للأنشطة الاقتصادية

هناك قرارات اقتصادية قد تبدو في ظاهرها مجرد تعديلات تشريعية تتعلق بنسب الضرائب وآليات التحصيل، لكنها حين تخضع لقراءة متأنية تكشف عن أبعاد أعمق بكثير من حدود النصوص القانونية.

فأنا أؤمن بأن القيمة الحقيقية لأي قرار اقتصادي لا تتوقف عند ما يضيفه إلى موارد الدولة، وإنما تمتد إلى ما يتركه من أثر في حياة الناس، وما يفتحه من فرص أمام المستثمرين، وما يوفره من قدرة للمصانع على الاستمرار والإنتاج، وما يمنحه للمواطن من شعور بأن السياسات العامة تراعي ظروفه واحتياجاته.

ومن هذا المنطلق، توقفت باهتمام أمام التعديلات الجديدة لقانون الضريبة على القيمة المضافة، الصادرة بالقانون رقم 149 لسنة 2026، والتي أرى أنها تستحق قراءة تتجاوز تفاصيلها الفنية إلى فلسفتها الاقتصادية والاجتماعية.

فهذه التعديلات تحمل توجهًا مهمًا نحو إعادة النظر في العلاقة بين الدولة ومجتمع الأعمال، وتؤكد أن السياسة الضريبية يمكن أن تكون وسيلة لتحفيز النشاط الاقتصادي، وليست مجرد أداة لتحصيل الإيرادات.

ولعل أكثر ما استوقفني في هذه التعديلات أنها تجمع بين اعتبارات تبدو متباعدة، لكنها في الحقيقة شديدة الارتباط.

فهناك اهتمام بتشجيع الاستثمار الصناعي، وتخفيف الأعباء عن القطاعات الإنتاجية، ودعم المشروعات الصغيرة، وفي الوقت نفسه مراعاة البعد الإنساني من خلال تخفيض الضريبة على الأجهزة الطبية وإعفاء مستلزمات أجهزة الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى.

وهذه في تقديري رسالة مهمة تعكس فهمًا أكثر اتساعًا للدور الذي ينبغي أن تؤديه التشريعات الاقتصادية في المجتمع.

وأنا عندما أتأمل هذه الخطوات، أجد نفسي أمام فكرة طالما اقتنعت بها، هي أن الاقتصاد الناجح لا يمكن اختزاله في أرقام الموازنات ومؤشرات النمو وحدها.

فخلف كل مصنع عامل ينتظر راتبه، وأسرة تعتمد على استمرار مصدر رزقها، وشاب يبحث عن فرصة عمل، ومستثمر يحاول أن يحول فكرته إلى مشروع حقيقي.

وخلف كل جهاز طبي مريض ينتظر العلاج، وأب أو أم يتمنيان الحصول على رعاية صحية مناسبة دون أن تتحول تكلفتها إلى عبء إضافي على الأسرة.

لهذا أرى أن تخفيض الضريبة على الأجهزة الطبية من 14% إلى 5% يمثل خطوة تستحق التقدير، ليس فقط من زاوية دعم القطاع الصحي، وإنما لما يمكن أن يترتب عليها من تخفيف تكاليف اقتناء الأجهزة وتحديثها.

فالمستشفيات والمراكز الطبية تحتاج باستمرار إلى معدات حديثة تواكب التطور العلمي، وأي تخفيف مدروس للأعباء الضريبية قد يساعدها على تحسين إمكاناتها.

لكنني أعتقد أيضًا أن الأثر الحقيقي لهذه الخطوة يجب أن يظهر في جودة الخدمات المقدمة للمريض، وفي قدرة المؤسسات الصحية على توسيع نطاق الرعاية، لا أن يتوقف عند حدود الوفر المالي الذي تحققه الجهات المستفيدة.

أما إعفاء مدخلات اللوازم والأجزاء والأجهزة اللازمة لأجهزة الغسيل الكلوي ومرشحات الكلى من الضريبة على القيمة المضافة، فهو بالنسبة لي أحد أكثر الجوانب الإنسانية أهمية في هذه التعديلات.

فمن يعرف طبيعة المعاناة التي يعيشها مرضى الفشل الكلوي، وما يرتبط بجلسات الغسيل من التزامات صحية ونفسية وأسرية متكررة، يدرك أن تخفيف الأعباء عن هذا المجال يحمل قيمة اجتماعية كبيرة.

وأتمنى أن تنعكس هذه المعاملة الضريبية بصورة ملموسة على تكلفة تقديم الخدمة واستدامة توافر مستلزماتها، لأن المريض لا تعنيه التفاصيل التشريعية بقدر ما يعنيه أن يجد العلاج المناسب في الوقت المناسب.

وفي الجانب الصناعي، أرى أن زيادة مدة تعليق أداء الضريبة المستحقة على الآلات والمعدات حتى تركيبها واستخدامها في الإنتاج، من سنتين إلى أربع سنوات كحد أقصى، تعكس إدراكًا لطبيعة الاستثمار الصناعي وما يحتاجه من وقت وجهد ورأس مال.

فالمصنع لا يبدأ الإنتاج بمجرد شراء المعدات، وإنما يمر بمراحل متعددة تشمل التجهيز والتركيب والتشغيل والاختبارات الفنية. ومن غير المنطقي أن تتحول الالتزامات الضريبية المبكرة إلى ضغط إضافي على مشروع لم يبدأ بعد تحقيق عوائده.

وأعتقد أن هذه المرونة يمكن أن تساعد المستثمرين على توجيه جزء أكبر من السيولة المتاحة إلى استكمال مشروعاتهم، بدلًا من استنزافها في التزامات مبكرة.

وهي مسألة شديدة الأهمية، خاصة بالنسبة للمشروعات الصناعية التي تحتاج إلى استثمارات كبيرة قبل الوصول إلى مرحلة الإنتاج الفعلي.

غير أن نجاح هذه الخطوة يظل مرتبطًا بوضوح الإجراءات وسرعة تنفيذها، لأن المستثمر يحتاج إلى قواعد مستقرة يستطيع بناء قراراته عليها، بعيدًا عن التعقيدات الإدارية والتفسيرات المتضاربة.

ومن النقاط التي لفتت انتباهي كذلك تقليص فترة رد الرصيد الدائن المستحق من ست فترات ضريبية متتالية إلى أربع، مع إتاحة رد الرصيد بعد ثلاثة أشهر للمشروعات التي لا يتجاوز حجم أعمالها السنوي عشرين مليون جنيه، وفق الضوابط القانونية المقررة.

وقد تبدو هذه التفاصيل محدودة الأهمية لمن ينظر إليها من خارج عالم الأعمال، لكنها في الواقع ترتبط بمشكلة أساسية تواجه كثيرًا من المشروعات، هي توافر السيولة اللازمة لاستمرار النشاط.

فأنا أرى أن المال الذي يظل معطلًا لفترات طويلة يمثل تكلفة حقيقية على المشروع، حتى وإن كان من حق صاحبه استرداده لاحقًا.

وصاحب المصنع الصغير قد يحتاج إلى هذا المال لشراء خامات جديدة، أو دفع أجور العاملين، أو الوفاء بالتزاماته تجاه الموردين.

ولذلك فإن تسريع رد المستحقات الضريبية يمكن أن ينعكس بصورة إيجابية على دورة الإنتاج، ويمنح المشروعات الصغيرة والمتوسطة قدرًا أكبر من القدرة على الاستمرار والتوسع.

ولا يقل أهمية عن ذلك ما تضمنته التعديلات من دعم لتجارة الترانزيت، من خلال عدم استحقاق الضريبة على الخدمات المقدمة للسلع العابرة، بما يتسق مع معاملة تلك السلع ذاتها.

وفي تقديري، فإن هذه الخطوة ترتبط بطموح اقتصادي مشروع يتمثل في تعزيز مكانة مصر كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.

فالموقع الجغرافي المتميز يمثل فرصة كبيرة، لكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة من التشريعات والإجراءات والخدمات القادرة على جذب حركة التجارة الدولية.

وأنا أعتقد أن المنافسة في هذا المجال لا تعتمد على الموقع وحده، وإنما على سرعة الإجراءات، وكفاءة الموانئ، وتكلفة الخدمات، ومدى وضوح القواعد المنظمة للنشاط.

ولذلك فإن تخفيف الأعباء الضريبية عن خدمات الترانزيت قد يمثل عنصرًا داعمًا، لكنه يحتاج إلى أن يتكامل مع تطوير البنية اللوجستية وتبسيط الإجراءات، حتى تتحول المزايا الجغرافية إلى فرص اقتصادية حقيقية توفر العمل وتدعم موارد الدولة.

ومن الجوانب المهمة أيضًا منح حق الخصم الضريبي للآلات والمعدات والأجهزة الطبية المنتجة محليًا، بما يعزز قدرتها على المنافسة مع المنتجات المستوردة وفق المعاملة التي حددها القانون.

وأرى أن دعم المنتج المحلي لا ينبغي أن يعتمد على الشعارات أو الدعوات العاطفية إلى تفضيله، وإنما على توفير بيئة عادلة تسمح له بالمنافسة من حيث الجودة والسعر والقدرة على التطوير.

فالصناعة الوطنية تحتاج إلى قواعد واضحة، وتمويل مناسب، وتكنولوجيا حديثة، وعمالة مؤهلة، إلى جانب نظام ضريبي لا يضعها في موقف أقل تنافسية من البدائل المستوردة.

وكل خطوة تسهم في تحقيق هذه المعادلة تستحق الاهتمام، لأنها تساعد على بناء قاعدة إنتاجية أكثر قدرة على تلبية احتياجات السوق المحلي والانطلاق إلى الأسواق الخارجية.

ومع ذلك، فإنني لا أنظر إلى التعديلات الضريبية باعتبارها إعفاءات وتيسيرات فقط، فالقانون تضمن أيضًا إخضاع تأجير المباني والوحدات الإدارية للضريبة بالسعر العام، مع إتاحة المعالجات الضريبية التي نص عليها، واستثناء مقار بعض الأنشطة الدينية والخيرية والاجتماعية والتعليمية والصحية.

كما شمل تعديلات في المعاملة الضريبية للغاز الطبيعي وبعض المنتجات الصناعية.

وهذه الجوانب تؤكد أن الإصلاح الضريبي عملية موازنة بين اعتبارات متعددة، وأن الحكم على نجاحها يجب أن يستند إلى أثرها النهائي على النشاط الاقتصادي والمواطن، وليس إلى عنوان كل إجراء بصورة منفصلة.

وفي تقديري الشخصي، فإن أهم ما تحتاجه هذه المرحلة هو ترسيخ الثقة المتبادلة بين الدولة والممول.

فالمستثمر لا يبحث فقط عن انخفاض الضريبة، وإنما يريد أن يعرف حقوقه والتزاماته بوضوح، وأن يجد استجابة سريعة عندما تواجهه مشكلة، وأن يشعر بأن القواعد تطبق بعدالة على الجميع.

وهذه الثقة لا تصنعها النصوص وحدها، وإنما تبنيها الممارسة اليومية داخل المصالح الحكومية، وطريقة التعامل مع مجتمع الأعمال، والقدرة على حل المشكلات دون تعقيد.

وأنا على قناعة بأن العدالة الضريبية لا تعني بالضرورة أن يدفع الجميع النسبة نفسها، وإنما أن تراعي السياسة الضريبية طبيعة الأنشطة وأثرها الاقتصادي والاجتماعي، وأن تحقق توازنًا بين حق الدولة في توفير مواردها وحق المجتمع في النمو والعمل والحصول على الخدمات الأساسية.

ومن هنا تبدو أهمية التمييز بين الأنشطة الإنتاجية التي تحتاج إلى التشجيع، والاحتياجات الصحية التي تستحق الحماية، مع الحفاظ على كفاءة التحصيل واستدامة المالية العامة.

لكنني أرى أن التحدي الأكبر يبدأ بعد صدور التشريع.

فكم من قرارات جيدة فقدت جزءًا من أثرها بسبب بطء التنفيذ أو غموض الإجراءات أو عدم وصول مزاياها إلى المستفيدين الحقيقيين.

ولذلك فإنني أتمنى أن تصاحب هذه التعديلات متابعة دقيقة تقيس نتائجها على أرض الواقع، سواء من حيث زيادة الاستثمارات الصناعية، أو تسريع رد المستحقات، أو تحسين توافر الأجهزة الطبية، أو تخفيف تكاليف الخدمات الصحية.

وأعتقد أن من الضروري أيضًا الاستماع باستمرار إلى أصحاب المصانع والمشروعات الصغيرة ومقدمي الخدمات الطبية، لأنهم الأقدر على توضيح ما إذا كانت التيسيرات قد وصلت بالفعل إلى أنشطتهم، وما إذا كانت هناك عقبات جديدة تستدعي التدخل.

فالحوار مع مجتمع الأعمال ينبغي أن يستمر بعد إصدار القانون، وأن يتحول إلى وسيلة دائمة لتقييم السياسات وتصحيح مسارها.

إن ما أتمناه من هذه التعديلات هو أن تكون جزءًا من توجه اقتصادي أوسع يمنح الإنتاج أولوية حقيقية، ويجعل حماية الإنسان عنصرًا أصيلًا في صناعة القرار.

فمصر تحتاج إلى المزيد من المصانع القادرة على المنافسة، وإلى مشروعات صغيرة تنمو بثقة، وإلى قطاع صحي يستطيع تقديم خدمات أفضل، وإلى منظومة ضريبية تدعم هذه الأهداف دون الإخلال بحقوق الدولة.

وفي النهاية، أجد أن القيمة الأهم لهذه التعديلات تكمن في الفرصة التي تتيحها لإعادة بناء العلاقة بين الضرائب والتنمية على أسس أكثر توازنًا.

وأنا لا أرى نجاحها في مجرد انخفاض نسبة ضريبية هنا أو زيادة مهلة هناك، وإنما في أن يشعر المستثمر بأن الطريق أصبح أكثر وضوحًا، وأن يجد العامل فرصة عمل مستقرة، وأن يستطيع صاحب المشروع الصغير مواصلة نشاطه، وأن يحصل المريض على الرعاية التي يحتاجها دون أعباء كان من الممكن تجنبها.

وحين تتحقق هذه النتائج، يمكننا أن نقول إن السياسة الضريبية أدت دورها الحقيقي في خدمة الاقتصاد والمجتمع.

فالدولة القوية تحتاج إلى موارد مالية مستدامة، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى اقتصاد ينتج، واستثمار ينمو، ومواطن يشعر بأن التنمية تنعكس على حياته.

وفي تقديري، فإن هذا هو المعيار الذي ينبغي أن نقيس به نجاح أي إصلاح اقتصادي، لأن أفضل القوانين هي تلك التي تتجاوز صفحات الجريدة الرسمية لتصنع فرقًا حقيقيًا في حياة الناس.

الصفحة الخامسة من العدد رقم 486 الصادر بتاريخ 29 أكتوبر 2026
الصفحة الخامسة من العدد رقم 486 الصادر بتاريخ 29 أكتوبر 2026
تم نسخ الرابط