« مهمة إنقاذ المنطقة ».. ماذا يفعل السيسي في الكرملين.. وكيف ترسم صفقة الـ 10 مليارات المخطط الأمني للإقليم؟

محمود الشويخ - صورة
محمود الشويخ - صورة أرشيفية

- تسليح وتجارة وتحالفات.. الأوراق الرابحة التي حسمتها القاهرة في قلب روسيا

حين يتحرك الكبار في عالم السياسة، لا تكون الوجهة مجرد عنوان على الخريطة، ولا تكون الزيارة مجرد موعد في أجندة الدبلوماسية، بل تصبح الخطوات رسائل، واللقاءات حسابات، والحضور اختبارًا لمكانة الدولة وقدرتها على التأثير في مسار الأحداث. 

ومن القاهرة إلى موسكو، تتجه الأنظار إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يدخل واحدة من أكثر اللحظات الدولية تعقيدًا، في وقت تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ، وتُعاد فيه صياغة خرائط المصالح، وتبحث فيه دول العالم عن مواقع أكثر أمانًا في نظام دولي لا يرحم المترددين ولا ينتظر الغائبين. 

إنها ليست مجرد رحلة إلى الكرملين، بل محطة جديدة في تحرك مصري يستهدف تثبيت الحضور، وتوسيع دوائر الشراكة، وحماية المصالح الوطنية وسط عواصف إقليمية ودولية لا تهدأ.

في موسكو، حيث تُصنع قرارات كبرى وتتقاطع حسابات القوى الدولية، يحضر السيسي ممثلًا لدولة لا يمكن فصل استقرار الشرق الأوسط عن أمنها، ولا تجاهل ثقلها الإفريقي والعربي، ولا تجاوز موقعها في معادلات البحرين الأحمر والمتوسط وقناة السويس. 

وتزداد دلالة هذا الحضور مع انعقاد القمة الروسية - الإفريقية، التي تفتح نافذة على مستقبل العلاقات بين موسكو ودول القارة، وتمنح القاهرة فرصة لتأكيد أن سياستها الخارجية لا تتحرك في مسار واحد، ولا ترتهن لبوصلة واحدة، وإنما تنطلق من قراءة للمصالح والفرص وموازين القوى.

فالرئيس الذي يخوض معركة التنمية في الداخل، يجد نفسه أمام معركة موازية في الخارج: كيف يحافظ على مساحة الحركة المصرية؟ وكيف يحول العلاقات الدولية إلى مكاسب حقيقية؟ وكيف يجعل صوت القاهرة حاضرًا في الملفات التي تمس أمن المنطقة ومستقبلها؟

هنا تتجاوز الحكاية حدود الاستقبال الرسمي ومصافحة القادة؛ فالمهم ليس لون السجادة التي تُفرش، بل ما يُطرح فوق طاولة المفاوضات، وليس عدد الكاميرات التي توثق اللقاء، بل ما يمكن أن ينتج عنه من تفاهمات ومصالح مشتركة وبين الكرملين والقاهرة، تظل الأسئلة الكبرى معلقة: لماذا تأتي هذه الخطوة في هذا التوقيت؟ وما الذي تريده مصر من شراكتها مع روسيا؟ وهل تفتح القمة نافذة أوسع أمام تسويات إقليمية وتعاون إفريقي قادر على مواجهة أزمات الغذاء والطاقة والأمن؟ إنها أسئلة تختبر قيمة الدبلوماسية المصرية وقدرتها على التحرك في عالم متشابك، حيث لا تُمنح المكانة بالألقاب، بل تُبنى بالقرار، وتُصان بتعدد الخيارات، وتترسخ حين تعرف الدولة ما تريد، وكيف تسعى إليه، وأين تقف من صراعات العالم؟

من هنا تكتسب زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى موسكو، للمشاركة في القمة الروسية - الإفريقية الثالثة يومي 28 و29 أكتوبر 2026، أهمية تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي المعتاد.

فالقمة التي تجمع روسيا بالقادة الأفارقة تأتي في توقيت يسعى فيه الطرفان إلى توسيع شراكاتهما الاقتصادية والسياسية، بينما تبحث دول القارة عن مساحات أوسع للحركة، وقدرة أكبر على تنويع علاقاتها الدولية، وعدم الارتهان لشريك واحد مهما بلغت قوته أو نفوذه.

وقد أكدت التغطيات السابقة للقمة أن ملفات التجارة والاستثمار والطاقة والأمن الغذائي والتكنولوجيا ستكون في صدارة النقاشات، إلى جانب إعداد خطة جديدة للتعاون الروسي- الإفريقي للفترة من 2027 إلى 2029. 

لكن مصر لا تذهب إلى موسكو بوصفها دولة تبحث عن مقعد في صورة جماعية، أو طرفًا يسعى إلى تسجيل حضور عابر في مناسبة دولية.

فالقاهرة ترتبط بروسيا بعلاقات إستراتيجية ممتدة، تشمل مشروعات اقتصادية كبرى، وفي مقدمتها محطة الضبعة النووية، إلى جانب علاقات تجارية تتجاوز قيمتها عشرة مليارات دولار وفق التصريحات المصرية الرسمية التي أعقبت لقاء السيسي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين على هامش قمة مجموعة بريكس في نيودلهي في سبتمبر الماضي. 

وخلال ذلك اللقاء، وصف بوتين مصر بأنها صديق موثوق لروسيا، وأكد أهمية الموقف المصري إزاء القضايا الإقليمية والدولية، كما دعا السيسي إلى المشاركة في القمة الروسية- الإفريقية بموسكو. 

هذه المعطيات تضع الزيارة في إطار أوسع من مجرد الحفاظ على علاقات ثنائية جيدة؛ فالعلاقات الدولية لا تُقاس فقط بحرارة الاستقبال، ولا بعدد اللقاءات التي تجمع القادة، وإنما بقدرة الدول على تحويل التفاهمات السياسية إلى مصالح ملموسة، ومشروعات قابلة للتنفيذ، ومواقف مشتركة تساعد على حماية أمنها القومي وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات.

ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس لماذا يذهب السيسي إلى روسيا؟ فالإجابة الأولية واضحة في طبيعة العلاقات القائمة والدعوة الروسية، وإنما ماذا تريد مصر أن تحقق من هذه المشاركة؟ وكيف يمكن أن توظف موقعها الجغرافي والسياسي وصلاتها المتعددة لخدمة مصالحها ومصالح محيطها العربي والإفريقي؟

إن القاهرة تتحرك في مساحة بالغة التعقيد؛ فهي دولة عربية وإفريقية ومتوسطية، تطل على البحر الأحمر والبحر المتوسط، وتحتل قناة السويس موقعًا حيويًا في حركة التجارة العالمية.

وهذه الجغرافيا ليست مجرد ميزة على الخريطة، بل مسؤولية إستراتيجية تجعل ما يجري في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي والبحر الأحمر امتدادًا مباشرًا لحسابات الأمن القومي المصري.

وقد شدد السيسي، خلال لقائه بوتين في سبتمبر، على أهمية تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل الأزمات التي تمس طرق الملاحة البحرية التي يمر عبرها جانب كبير من التجارة العالمية من خلال البحر الأحمر وقناة السويس.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، يصبح التواصل مع موسكو جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات التي تحتاج مصر إلى إدارتها بحسابات دقيقة.

فالقاهرة لا تستطيع أن تتعامل مع التحديات الإقليمية بمنطق المحور الواحد، ولا أن تختزل سياستها الخارجية في علاقة منفردة مع قوة دولية بعينها.

مصالحها تفرض عليها الاحتفاظ بقنوات اتصال مع القوى الكبرى، والعمل مع الشركاء العرب والأفارقة، والاستفادة من المؤسسات متعددة الأطراف، بما يتيح لها الدفاع عن أولوياتها دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين.

وهنا تظهر قيمة الدبلوماسية المصرية في قدرتها على الجمع بين الملفات بدلًا من فصلها.

فالأمن الإقليمي لا ينفصل عن أمن الغذاء والطاقة، والاستقرار السياسي لا ينفصل عن التنمية، وحرية الملاحة لا تنفصل عن أمن البحر الأحمر، كما أن مستقبل إفريقيا لا يمكن أن يُبنى على التنافس الدولي وحده، بل يحتاج إلى استثمارات حقيقية وشراكات تنقل التكنولوجيا وتدعم الإنتاج وتخلق فرص العمل.

ومن هذه الزاوية، تكتسب المشاركة المصرية في القمة أهمية عملية إذا نجحت في دفع التعاون نحو نتائج قابلة للقياس، لا مجرد بيانات ختامية وصور تذكارية.

ولعل ملف الغذاء يكشف بوضوح حجم المصالح المباشرة التي تربط القاهرة بموسكو. فمصر من الدول الكبرى المستوردة للحبوب، وتعتمد بدرجة مهمة على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجاتها.

وقد أشار السيسي، خلال لقائه بوتين في نيودلهي، إلى أهمية استقرار إمدادات الحبوب، في ظل اعتماد مصر على الواردات من روسيا وأوكرانيا.

ولذلك، فإن أي اضطراب في أسواق الحبوب أو طرق النقل أو ترتيبات التجارة الدولية ينعكس على حسابات الأمن الغذائي المصري، ويجعل تنويع مصادر الإمداد والحفاظ على قنوات الحوار مع المنتجين الكبار ضرورة اقتصادية وإستراتيجية. 

وإذا كانت السياسة تُختبر عند الأزمات، فإن العلاقات الاقتصادية تُختبر بقدرتها على الاستمرار رغم الأزمات.

فالمطلوب من القاهرة وموسكو ليس الاكتفاء بالإعلان عن قوة العلاقات، وإنما العمل على توسيع التجارة، وتذليل العقبات أمام الشركات، وتعزيز الاستثمارات، وتطوير التعاون الصناعي والتكنولوجي، وضمان تقدم المشروعات المشتركة وفق الجداول المحددة.

ويأتي مشروع محطة الضبعة النووية في مقدمة هذه المشروعات، باعتباره مشروعًا إستراتيجيًا يرتبط بتنويع مصادر الطاقة وتطوير القدرات المصرية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وقد أكدت الرئاسة المصرية استمرار التعاون في هذا المشروع خلال لقاء السيسي وبوتين الأخير. 

ومع ذلك، لا ينبغي أن تتحول أهمية الشراكة مع روسيا إلى تجاهل لطبيعة البيئة الدولية التي تعمل فيها هذه الشراكة.

فالحرب الروسية - الأوكرانية وما ارتبط بها من عقوبات واضطرابات في التجارة والتمويل وسلاسل الإمداد تفرض حسابات دقيقة على كل دولة تتعامل مع موسكو.

ومن مصلحة مصر أن توسع تعاونها حيث توجد فرص حقيقية، مع تقييم التكاليف والمخاطر، والحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع مختلف الشركاء، وعدم السماح لأي علاقة ثنائية بأن تضيق خياراتها الدولية.

فالاستقلال في القرار لا يعني الابتعاد عن القوى الكبرى، وإنما يعني القدرة على التعاون معها من موقع يراعي المصالح الوطنية ويحتفظ بحرية الحركة.

ولا تقف أهمية القمة عند حدود العلاقات المصرية - الروسية، فإفريقيا نفسها أصبحت واحدة من أهم ساحات التنافس الدولي.

القارة التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة، وموارد بشرية شابة، وأسواقًا واسعة قابلة للنمو، لم تعد مجرد مساحة تتنافس القوى الكبرى على استغلال مواردها، بل أصبحت شريكًا محتملًا في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.

ولهذا تتسابق القوى الدولية على بناء علاقات معها، من خلال الاستثمار والتجارة والطاقة والتكنولوجيا والتعاون الأمني، فيما تحاول الدول الإفريقية تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، وتوسيع هامش استقلالها في اتخاذ القرار.

تأتي القمة الروسية - الإفريقية الثالثة في موسكو لتكشف عن هذه المعادلة بوضوح.

فروسيا تسعى إلى تعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي داخل القارة، وتوسيع أسواقها وشراكاتها، فيما تبحث الحكومات الإفريقية عن مصادر جديدة للاستثمار والتكنولوجيا والطاقة، وعن علاقات لا تقتصر على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية.

وتضع أجندة القمة ملفات الأمن الغذائي والطاقة والتجارة والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن أولوياتها، بما يعكس اتساع نطاق التنافس على مستقبل القارة.

وفي هذه المساحة، تمتلك مصر فرصة لتعزيز دورها بوصفها دولة إفريقية ذات ثقل عربي وإقليمي، لا باعتبارها وسيطًا مفترضًا في كل أزمة، وإنما باعتبارها طرفًا يمتلك مصالح مباشرة في استقرار القارة وتكامل اقتصاداتها وتطوير بنيتها الأساسية.

فالموقع المصري، وشبكة العلاقات التي تربط القاهرة بالعواصم الإفريقية والعربية والدولية، يتيحان لها المشاركة في بناء جسور التعاون، خصوصًا في مجالات النقل والخدمات اللوجستية والطاقة والصناعة والتجارة.

لكن تحويل هذه المزايا إلى نتائج ملموسة يتطلب مشروعات محددة، وتمويلًا مناسبًا، وآليات متابعة تضمن تنفيذ الاتفاقات، بدلًا من الاكتفاء بالوعود السياسية.

وهنا يصبح الحضور المصري في موسكو جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بكيفية التعامل مع عالم متعدد مراكز القوة.

فالقاهرة تحتاج إلى علاقات متوازنة مع روسيا والولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، إلى جانب شراكاتها العربية والإفريقية، لأن حجم التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها لا يسمح بتبني سياسة خارجية أحادية الاتجاه.

وكلما تنوعت الشراكات وتعددت الخيارات، ازدادت قدرة الدولة على التفاوض، بشرط أن تظل المصالح الوطنية هي المعيار الحاكم، وأن تُقاس قيمة كل شراكة بما تضيفه إلى الاقتصاد والأمن والتنمية.

وفي النهاية، فإن موسكو ليست مجرد محطة على جدول الزيارات الرئاسية، كما أن القمة الروسية- الإفريقية ليست مناسبة بروتوكولية عابرة.

إنها مساحة للتفاوض حول المصالح، واختبار لفرص التعاون، ومحاولة لتحديد شكل العلاقات في مرحلة دولية تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.

ومصر، بما تمتلكه من موقع ومصالح وعلاقات ممتدة، معنية بأن تكون حاضرة في هذه النقاشات، وأن تسعى إلى تحويل الحضور السياسي إلى مكاسب اقتصادية وتنموية وأمنية واضحة.

إن قوة الدولة لا تُقاس بمدى قربها من عاصمة دولية بعينها، ولا بعدد الصور التي تجمع رئيسها بزعماء العالم، وإنما بقدرتها على اتخاذ القرار الذي يخدم شعبها، وحماية أمنها القومي، وصيانة مصالحها في عالم لا يتوقف عن التغير.

ومن هذا المنطلق، فإن أهمية تحرك السيسي إلى موسكو تكمن فيما يمكن أن يحققه لمصر من فرص، وما يمكن أن يضيفه إلى علاقاتها الإفريقية، وما يتيحه من حوار بشأن أزمات المنطقة، لا في الشعارات التي قد تحيط بالزيارة أو التوقعات التي تسبقها.

ففي السياسة الدولية، لا تكفي النوايا وحدها، ولا تحسم النتائجَ حرارةُ الاستقبال.

ما يبقى في النهاية هو ما يُنجز على الأرض: اتفاق يُنفذ، ومشروع يتقدم، وتجارة تنمو، ومصلحة وطنية تُصان.

وهذه هي المعايير التي ينبغي أن يُقاس بها نجاح الزيارة، وأن تُقرأ من خلالها دلالات حضور مصر في موسكو، بعيدًا عن المبالغة، وبثقة في أن بناء المكانة الدولية يبدأ من وضوح المصالح والقدرة على الدفاع عنها.

الصفحة الثانية من العدد رقم 486 الصادر بتاريخ 29 أكتوبر 2026
الصفحة الثانية من العدد رقم 486 الصادر بتاريخ 29 أكتوبر 2026
تم نسخ الرابط